على أطراف القدس، لا تزال دير ياسين تحمل جرحا مفتوحا، فبعد مجزرة التاسع من أبريل/ نيسان عام 1948، لم يُمح المكان من سكانه فحسب، بل أُعيد توظيف أنقاضه ليصبح أساسا لمصحّة نفسية إسرائيلية عُرفت باسم "كفار شاؤول". أما المفارقة المفجعة أن أوائل المرضى الذين استقبلتهم جدران المصحّة كانوا ناجين من معسكرات النازية في أوروبا، يعالجون ذاكرتهم المثقلة بالهولوكوست فوق أرضٍ حُرم ضحاياها الفلسطينيون من حقّ التذكّر، بل من حقّ الحياة أصلًا.
في "كفار شاؤول" يُعاد ترتيب الاستعمار على عجل فوق أنقاض قرية. فالمجزرة التي طمست ذاكرة دير ياسين لم تُنهِ قصتها فحسب؛ بل استبدلتها مكانا وذاكرة بأخرى فورا، دون فسحة زمنية. هنا يكتسب فعل الإبادة كثافته القصوى، إذ يُمحى تاريخ الفلسطينيين وذاكرتهم الجمعية من الحيّز المادي، ويُزرع في الموضع ذاته تاريخ وذاكرة آخران، باعتبارهما الذاكرة الجديرة بالاعتراف والخلود.
منذ عقود، ينظر باحثو العلوم الاجتماعية إلى الذاكرة بوصفها أكثر من مجرد استعادة للماضي؛ فهي تتحول في لحظات الأزمات الجماعية إلى أداة سياسية ورمز للصراع على المعنى. يشير بول ريكور إلى أن الذاكرة (1) ليست انعكاسًا بسيطًا للأحداث، بل مجالًا للتلاعب والانتقاء، حيث يُعاد ترتيب الماضي لخدمة رهانات الحاضر. أما بيير نورا فقد تحدث عن "عوالم الذاكرة"(2) باعتبارها مكونات مادية ورمزية تُستثمر في تشكيل هوية جماعية، خاصة حين تقع المجتمعات تحت وطأة الحرب أو الأزمات.
وفي السياق نفسه، يفترض نيكولاي كوبوسوف، - في كتابه "قوانين الذاكرة، حروب الذاكرة" (3) - أن الصراع على الماضي لم يعد محصورا في الحقول الثقافية أو الأكاديمية وحدها، بل امتد إلى فضاءات القانون والسياسة والدبلوماسية، حيث تُستنفذ أدوات تشريعية ومؤسسية لإحكام سرديات تاريخية أو لفرض حدودٍ لما يعد مقبولًا تذكُّره أو إنكاره.
في السياق الفلسطيني، يُعد إدوارد سعيد من أبرز المفكرين الذين ناقشوا العلاقة بين السرد والذاكرة والإعلام، مؤكدًا أن من يملك القدرة على سرد قصته هو من يكتب التاريخ. ففي مقالته الشهيرة بعنوان "إذن السرد (Permission to Narrate) (4]عام 1984، انتقد سعيد التغطية الإعلامية الغربية المنحازة التي تتجاهل الرواية الفلسطينية، مشيرا إلى أن الفلسطينيين حُرموا من حقهم في التعبير عن تجربتهم الخاصة. ورأى أن القدرة على السرد، أو منع السرد من التشكّل والظهور، أمر بالغ الأهمية للثقافة والإمبريالية، وتشكل إحدى الروابط الرئيسية بينهما. ومن هذا المنطلق، تعكس كلمات الشاعر محمود درويش هذا البعد الإنساني والوطني للذاكرة، حين قال: "لا أُقرر تمثيل أي شيء سوى ذاتي. لكن تلك الذات مليئة بالذاكرة الجماعية." إذ تُجسد الذات الفلسطينية حكاية شعب بأكمله، تتحرك بين الذاكرة الفردية والجماعية، بين التجربة الشخصية والهوية الوطنية.
في هذا الإطار، تبرز غزة كنموذج صارخ، فليست الإبادة التي تتعرض لها مجرد مأساة إنسانية، بل أيضًا معركة على الذاكرة. فالسؤال هنا، أي صورة ستبقى في المخيلة العالمية عن غزة؟ هل ستُختصر القصة في بيانات رسمية تضع الفلسطيني في خانة "الخطر"؟ أم في صور الضحايا التي تملأ الفضاء الرقمي؟ هنا يتحول الإعلام التقليدي والرقمي إلى الساحة التي تتصارع فيها روايات الماضي والمستقبل معا، لتحدد أي ذاكرة ستعيش وأيها ستُمحى.
الذاكرة الفلسطينية ليست مجرد تراكمٍ للذكريات؛ بل فضاءات متشابكة من علامات ورموز يقرؤها الإعلام ويعيد تشكيلها. أسماء الأماكن، والصور، والشهادات، والأغاني، والنُصب تتحول إلى أدوات فاعلة في صراعٍ على الوجود. يؤدي الإعلام هنا دورين متقابلين، إما آلية للطمس عبر محو الشواهد وتغييب السرد، وإما أداة للمقاومة.
أزمة الذاكرة
تطرق العديد من الباحثين إلى دور الإعلام فيما أسموه" أزمة الذاكرة" (Memory crisis)، باعتبارها حالة من التشبع المفرط بالرموز والتمثيلات، بحيث لا يعود الحدث الأصلي حاضرا في فرادته، بل يتحوّل إلى مادة متداولة روتينية تُستهلك في الإعلام والثقافة الشعبية. الأزمة هنا لا تعني فقدان المعلومات، بل وفرتها الزائدة، حيث يصبح كل شيء – حتى المنتجات التجارية – رمزًا للذاكرة، ما يؤدي إلى سطحية في التلقي. يضيف أندرياس هويسن (5) أن هذا التراكم المتواصل للصور والسرديات لا ينتج معرفة جديدة، إذ ينزاح النقاش من التركيز على الذاكرة والعدالة إلى الانشغال بالشكل الجمالي أو الأخلاقي للتذكر. بهذا المعنى، تتحول الذاكرة من أداة مقاومة إلى سوق استهلاكي للرموز.
يؤدي الإعلام دورًا أساسيًا في تعقيد أزمة الذاكرة. فهو لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يعيد إنتاجها في صور متكررة ومجزأة، كما يحدث مثلاً عند إعادة بث مشاهد الحروب أو الكوارث الإنسانية مرارا في نشرات الأخبار ووسائل التواصل. هذا التكرار يولّد ما تسميه أليدا آسمان (Aleida Assmann) "إرهاق الذاكرة"، أي شعور بالتخمة البصرية التي قد تؤدي في النهاية إلى فقدان أثر الحدث نفسه وتراجع قدرته على البقاء في الذاكرة. (6) ومع ذلك، فإن هذا التدفق الهائل للصور لا يؤدي بالضرورة إلى فعل سياسي أو فهم معمّق؛ فمشاهدة صور اللاجئين أو ضحايا الإبادة مثلاً قد تثير تعاطفًا عابرًا، لكنها لا تترجم دائمًا إلى وعي أو تغيير فعلي.
في المقابل، يشير بعض الباحثين إلى أن الإعلام قد يكون أيضًا مساحة نقدية تُعرف بـ "Forum Regime"، أي فضاء يسمح بمساءلة روتين الذاكرة وإعادة النظر في طرق تمثيلها. (7) يمكن أن نرى ذلك في الأفلام الوثائقية أو التحقيقات الاستقصائية التي تكسر السرديات السائدة وتطرح روايات بديلة، مثل الأعمال الفنية التي تعيد سرد أحداث تاريخية من وجهة نظر الضحايا كمسلسل "التغريبة الفلسطينية" بدلًا من الاقتصار على الرواية الرسمية؟
وهكذا يظهر الإعلام كقوة مزدوجة؛ فمن جهة قد يساهم في تسطيح الذاكرة عبر التكرار المرهق والاستهلاك السريع للصور، ومن جهة أخرى قد يعمل كمنصة لإعادة شحنها بالمعنى عبر طرح أسئلة نقدية وتوليد تمثيلات جديدة.
الذاكرة متعددة الاتجاهات
صك هذا المفهوم ميخائيل روثبرغ في كتابه "الذاكرة متعددة الاتجاهات: تذكر الهولوكوست في عصر إنهاء الاستعمار"،(8) حيث قدم مفهوم الذاكرة متعددة الاتجاهات كإطار تحليلي لفهم كيفية مواجهة الذاكرة الخاصة بمجتمع لذاكرة مجتمعات أخرى في المجال العام. فعلى عكس منطق الذاكرة التنافسية الذي يفترض أن ذاكرة معينة تُقصي الأخرى، يرى روثبرغ أن الذاكرة تعمل إنتاجيًا من خلال التفاوض، والإحالة المتبادلة، والاقتراض بين التجارب التاريخية، بحيث يؤدي الصراع بين ذاكرة وأخرى إلى توسعها وليس تقلصها.
من المفارقة أن الكاتب ناقش في كتابه أن ذاكرة الهولوكوست لم تنشأ بمعزل عن تجارب العنف الاستعماري والعبودية وحركات التحرر الوطني، فالذاكرة العامة للهولوكوست نشأت جزئيا بفضل أحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تبدو للوهلة الأولى غير ذات صلة بها. ويجادل الكاتب أن حركات إنهاء الاستعمار، وحركات الحقوق المدنية في منطقة البحر الكاريبي، وأفريقيا، وأوروبا، والولايات المتحدة، وأماكن أخرى، حفّزت، بشكل غير متوقع، ذاكرة الهولوكوست.
طبعا هذه الجدلية بحاجة لمناقشة معمقة لا يسع هذا المقال لنقاشها. لكن "روثبرغ" وجد ربطا بين ذاكرة الهولوكوست وذاكرة الشعوب التي تحررت من الاستعمار، فماذا نقول إذا عن الذاكرة الفلسطينية؟!
يمكن النظر إلى ذاكرة غزة على أنها تجربة متعددة الاتجاهات عندما تُقارن وتُربط بمآسي وتجارب شعوب الجنوب العالمي، مثل الاستعمار في إفريقيا، مجازر رواندا، أو الإبادة الجماعية في البوسنة. فهذه المقارنات لا تعني نسبية المعاناة الفلسطينية، بل تشكّل حوارًا تفاعليًا بين الشعوب، حيث تُنتج كل تجربة معرفات ورموزا جديدة تعيد تشكيل فهم الذاكرة الفلسطينية. على سبيل المثال، ربط صور الدمار والشهداء الفلسطينيين بمقارنات تاريخية مشابهة للعنف الاستعماري أو الإبادة الجماعية في مواقع الجنوب العالمي يُحوّل ذاكرة غزة من ذاكرة محلية محصورة إلى ذاكرة عالمية تعكس أبعادًا مشتركة.
تؤدي المنصات الرقمية هنا دورا محوريا في توسيع فضاء هذا الحوار، فهي لا تكتفي بنقل الذاكرة، بل تجعلها نشطة ومتنقلة، عبر الصور والقصص والهاشتاغات التي تربط غزة بمآسي أخرى في الجنوب العالمي. هذه الحركة تجعل من غزة نقطة التقاء للذاكرة الجماعية العالمية، حيث تتفاعل التجارب التاريخية المختلفة لتنتج معرفة سياسية وأخلاقية جديدة، وتعيد تعريف فكرة التضامن الدولي من خلال الذاكرة المشتركة لضحايا العنف الممنهج.
لكن من ناحية أخرى، يضع الإعلام الغربي غزة أحيانا في مواجهة مع ذاكرة الهولوكوست، إذا غالبا ما تُستَخدم المحرقة معياراً وحيداً لقياس الفظائع، بل وأحيانًا ذريعة لتسويغ السردية الإسرائيلية عن "حق الدفاع عن النفس". هنا تصبح ذاكرة غزة في موقع مواجهة: فهي تُقارن بتجارب الجنوب العالمي بوصفها شبيهة ومكمّلة، لكنها تُحاصَر أمام ذاكرة الهولوكوست بوصفها ذاكرة منافسة أو "غير مؤهلة" لنيل الاعتراف نفسه.
الذاكرة الجماعية
الذاكرة الجماعية كما صاغها (9) موريس هالبواكس هي ذلك الوعي التاريخي المشترك الذي يتجاوز حدود الفرد ليُعاد إنتاجه داخل الجماعة عبر الأطر الاجتماعية والثقافية. "هالبواكس" يوضح أن الأفراد لا يتذكرون بمعزل عن غيرهم، بل يستحضرون الماضي من خلال منظومات رمزية واجتماعية تضبط ما يُحفظ وما يُنسى، وأن الذاكرة البشرية لا يمكن أن تعمل إلا في سياق جماعي. ويؤكد هالبواكس أن الذاكرة الجماعية انتقائية دائمًا؛ فلدى مجموعات مختلفة من الناس ذكريات جماعية مختلفة، مما يؤدي إلى أنماط سلوك مختلفة. ويوضح، على سبيل المثال، كيف استحضر الحجاج إلى الأراضي المقدسة على مر القرون صورًا مختلفة تمامًا لأحداث حياة يسوع؛ وكيف أن للعائلات القديمة الثرية في فرنسا ذاكرة عن الماضي تختلف اختلافًا حادًا عن ذاكرة الأثرياء الجدد؛ وكيف يختلف بناء الطبقة العاملة للواقع عن بناء نظرائها من الطبقة المتوسطة.
يمكن استخدام هذا الإطار النظري لفهم الذاكرة الجمعية الفلسطينية التي تعد من مقومات الصمود، بحيث لا يحدث تنازل في بعض جوانب الذاكرة نتيجة الضغط السياسي، كمحو ذاكرة النكبة. وحول دور الإعلام في ذلك، تعمل وسائل الإعلام الفلسطينية على ترسيخ ذاكرة جماعية للصمود عبر استدعاء صور الشهداء والدمار وربطها بالنكبة، بحيث تُبنى سردية الضحية–المقاوم في مواجهة الاحتلال. في المقابل، تسعى بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية والداعمة لها إلى تشويه هذه الذاكرة من خلال قلب المعادلة، فبدلًا من الاعتراف بالضحايا، تُحمَّل غزة مسؤولية معاناتها، ويُقدَّم الفلسطينيون باعتبارهم سبب المأساة (لأنهم – بحسب السردية الإسرائيلية – "يختارون العنف" أو "يستخدمون المدنيين كدروع بشرية"). بهذه الطريقة، يُسلب الفلسطينيون حقهم في أن يتذكرهم العالم كضحايا، بل الدفع بتذكرهم كمذنبين لا كمظلومين.
الذاكرة الثقافية
عند يان آسمن، الذاكرة الثقافية(10) ليست تذكّرًا عفويًا قصير المدى، بل بنية طويلة الأمد تحفظ الماضي عبر وسائط مؤسَّسة: نصوص، طقوس، رموز، آثار، ومؤسسات (مناهج، متاحف، أرشيفات). وهي تختلف عن "الذاكرة التواصلية" اليومية؛ إذ تعمل كـ"خزان للمعنى" يُستعاد جيلاً بعد جيل لتثبيت الهوية الجماعية.
الإعلام في سياق الذاكرة الثقافية لا يكتفي بوظيفة النقل أو التوثيق، بل يعيد إحياء الرموز ويثبتها في المخيال الجمعي. فالأغنية الوطنية، حين تُبث عبر الراديو أو التلفزيون في مناسبات تذكارية، تتحول من عمل فني إلى شيفرة رمزية تذكّر الأفراد بتاريخ مشترك وتعيد استحضار صور البطولة أو الفقد. وبالمثل، فإن تغطية طقوس إحياء ذكرى النكبة أو ذكرى الشهداء لا تعكس مجرد حدث سياسي، بل تؤطره ضمن سردية مستمرة. الحاضر امتداد للماضي، والمأساة لا تزال قائمة، وبالتالي فإن الانتماء والهوية يتجددان من خلال هذا الربط.
لا يكتفي الإعلام بتسجيل ما يحدث، بل يحوّل الرموز والصور إلى ذاكرة ثقافية. صورة الطفل الفلسطيني تحت الأنقاض، أو صورة أم تبكي على جثمان ابنها، تصبح رمزًا للمعاناة الجماعية. لكن الإعلام يؤدي دورا في شكل الترويج لهذه الرموز؛ إذ يمكن إعادة تدويرها بطرق متناقضة تماما، مرةً لتجسيد التضامن، وأخرى لإثارة الشفقة المجردة دون مساءلة سياسية.
غير أن الإعلام والفن والأدب قد يذهبون أبعد من ذلك عبر تجسيد الرموز في خطاب سياسي أو ثقافي موجَّه. فالفيلم الوثائقي أو التقرير الصحفي، حين يسلّط الضوء على مكتبة دُمّرت أو جامعة قُصفت، لا يوثّق واقعة مادية فقط، بل يقدّمها باعتبارها محاولة محو ثقافي، وهو ما يحوّل الفعل الإعلامي إلى آلية مقاومة للنسيان. في المقابل، حين تعمد بعض وسائل الإعلام الغربية إلى تقديم نفس الحدث باعتباره "عملاً أمنيًا مشروعًا"، فإنها تمارس عملية إعادة ترميز تهدف إلى نزع المعنى الثقافي من الواقعة وتحويله إلى مشهد عسكري تقني، ما يعني ضرب الرابط بين الرمز والهوية الجماعية.
الذاكرة الكونية
الذاكرة الكونية أو الكوزموبوليتانية (Cosmopolitan Memory) لم تُطرح فقط فكرةً فلسفية عامة، بل صِيغت تاريخيًا لإضفاء بُعد معياري وأخلاقي جديد على مسألة الذاكرة، خاصة في سياق ذكرى الهولوكوست.(11)
الفكرة هي أنّ التضامن الدولي قد يظل محصورًا في بُعد سياسي أو إنساني عام، لكن الكوزموبوليتانية جاءت لتمنح هذه الذاكرة وزنًا أخلاقيًا كونيًا، أي استحضار ضحايا الهولوكوست لا يهوداً فقط، بل أعضاءً في الإنسانية جمعاء. ومن هنا تصبح الذاكرة التزامًا أخلاقيًا عبر الحدود، يفرض على الشعوب الأخرى واجب التذكر والتضامن مثل إنشاء النُصب التذكارية العالمية، أو إدراج ذكرى الإبادة في المناهج الدولية، أو حتى استدعائها مرجعاً أخلاقيا عند مواجهة أزمات معاصرة. بحيث تُقدَّم "درساً للإنسانية" وخطاب لحقوق الإنسان، تبنّته منظمات دولية مثل اليونسكو.
لا يعني هذا أبدًا أنّه لم يعد يحق للشعوب التضامن مع ضحايا الهولوكوست أو استنكار فظاعتها؛ بالعكس، هذا التضامن واجب إنساني. لكن المشكلة تكمن في الاستخدام المزدوج لهذه الذاكرة، فمن جهة، تُستعمل كآلية وقائية وتربوية تحت شعار "ألا يتكرر"، عبر المناهج التعليمية والنصب التذكارية والقوانين الدولية. ومن جهة أخرى، تُستخدم معياراً مقارناً يوظَّف أحيانًا لتقويض معاناة شعوب أخرى أو لتهميش سرديتها، من خلال وضع الهولوكوست بوصفه "المقياس الأسمى" الذي تُقاس عليه باقي المآسي.
هذا الاستخدام المزدوج أثار جدلًا حتى بين مثقفين وكتّاب يهود أنفسهم. مثلًا، إيلي ويزل يشدد على فرادة الهولوكوست، معتبرًا أن مقارنته بمعاناة أخرى يُفقده معناه. (12) في المقابل، فإن أصوات يهودية ناقدة مثل نورمان فنكلشتاين رأت أن "صناعة الهولوكوست" استُخدمت سياسيًا لإسكات النقد الموجّه لإسرائيل وللتغطية على معاناة الفلسطينيين. (13) وأن هذه السياسة تضر في إحياء ذاكرة ضحايا الهولوكوست أنفسهم.
في هذا السياق، يؤدي الإعلام [U1] دوراً مركزياً في توليد إطار أخلاقي بصري وأيقوني. من خلال تصوير الضحايا، الأطفال، والمخيمات، يوسع الإعلام حدود الهوية الإنسانية، ويتيح للمشاهدين تصور أنفسهم أعضاءً في "إنسانية واحدة". هذه العملية تذكرنا بمفهوم بنديكت أندرسون عن "الجماعة المتخيلة"، إلا أنها هنا تتخذ بعداً عالمياً، حيث يُتصور الانتماء الإنساني عبر مشاهد الألم المتواصلة؛ مما يعزز شعوراً بالتضامن العابر للحدود.
مع ذلك، فإن قوة الإعلام ليست متسقة، فقد تُستخدم أحياناً لتعزيز التضامن الكوني، كما في تغطية أحداث غزة، رواندا، أو أوكرانيا، لتقديم هذه المآسي كقضايا إنسانية عالمية. حيث يوسّع الإعلام حدود الهوية الإنسانية، ويتيح للمشاهدين تصور أنفسهم كأعضاء في "إنسانية واحدة". وفي أحيان أخرى، تتحول هذه القوة إلى أداة تسييس، بحيث يُحتكر البعد العالمي لحدث محدد—مثل الهولوكوست—بينما تُعرض مآسي أخرى على أنها أزمات "محلية" أو "إقليمية". في هذه الحالة، يعمل الإعلام على ترسيخ تراتبية المعاناة، ما يميز بين ما يُعد عالميًا وإنسانيًا وما يُعد ثانويًا أو محليًا.
لقد قدّمت لنا دير ياسين صورةً مكثّفة عن أركيولوجيا الذاكرة المنزوعة من الزمن؛ إذ لم يُتح للزمن أن يبني طبقاته بهدوء، كما يحدث في السياق الطبيعي حيث تتراكم الحكايات فوق الحكايات، ويمنح الماضيُ الحاضرَ فرصةً لإعادة قراءته. في دير ياسين، أُلغيت هذه المسافة الزمنية كليًّا، ودُفن "الزمن" مع الضحايا على يد الاحتلال. فاستلاب الزمن من الذاكرة يعني أن العلاقة الطبيعية بين الزمن والذاكرة قد قُطعت؛ فالذاكرة لم يعد مسموحًا لها أن تخزّن الأحداث ضمن مسار زمني متواصل.
أمّا في غزّة، فيتحوّل الزمن نفسه إلى ساحة جريمة، وانتقل الفعل من الاستلاب الى الإبادة، فالزمن يُباد مضافًا إلى المكان وسكّانه. تُبَثّ الإبادة لحظةً بلحظة، فيما يخطّط الاحتلالان لبناء مشاريعهما العقارية والاستيطانية عبر فعل الإبادة ذاته.
إن البحث في أنواع الذاكرة يكشف أن ما يتجسد كـذاكرة إنسانية ليس معطى ثابتًا، بل هو نتاج سيرورات انتقاء وصياغة تتدخل فيها آليات الإعلام بقوة. وفي مأساة غزة، تظهر الإبادة بوصفها لحظة قصوى تحاول بعض الخطابات اختزالها في لغة "الصراع" أو "الأزمة"، لتُنتزع من موقعها في سجل الذاكرة الكونية. وهكذا يغدو الإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل سلطة تحدد حدود التعاطف وتعيد تشكيل خرائط التضامن ومعايير المعنى. ومن هنا، فإن استعادة غزة كجزء من الذاكرة الإنسانية المشتركة تستلزم مساءلة نقدية عميقة لسياسات الإعلام في إنتاج التمثيل، وتأكيد أن الذاكرة ـ الفردية والجمعية ـ هي ساحة مقاومة تُكسب الوجود معناه، وضمانة أخلاقية لعدم تكرار المأساة.



