شبكة قدس الإخبارية

آل شمعة.. عائلة عاشت ثلاثية "تشرد وهدم وفقد"

82b1bec5-3020-42c3-a64e-534c92476368
يحيى اليعقوبي

قطاع غزة - خاص شبكة قُدس: تقف السيارة أمام منزل ابتسام صايمة (شمعة) الذي أصابته قذائف مدفعية إسرائيلية، تترجل هي وبناتها الست وابنها الوحيد وزوجته الحامل وأحفادها، ينطلق الجميع نحو باب المنزل الواقع بحي "المنارة" في شارع النفق بمدينة غزة، ينفضوا تعب وإرهاق ليالٍ وأيام ورحلة تشرد تنقلوا فيها من بيت إلى آخر خلال اجتياح جيش الاحتلال البري للمدينة، وبدأوا بحملة كنس الزجاج المتطاير لجعل البيت المكون من عدة طبقات صالحا للسكن في 10 يناير/كانون ثاني 2024.

كانت هذه العودة مصحوبة بالأمل الذي تعانقت فيه نظراتهم مع جدران بيتهم بعد غياب أسابيع عنه، في أجواء ممزوجة بالشوق تداخلت فيه أصواتهم "الحمد لله رجعنا بالسلامة".

حلَّ عصر 15 يناير/ كانون ثاني، نزلت صايمة من سطح المنزل بعد إعداد وجبة خبز على الحطب والنار، لسعتها الشمس مرارا وتكرارا، وهي التي لم تعتد إلا على الحياة الأكاديمية وبين الكتب والمكاتب، فتغمست بالمعاناة التي شرب منها كل فرد في القطاع الذي يشهد حرب إبادة جعلت الجميع يدور في دوامة يومية يبحث فيها عن الخبز وتعبئة المياه.

تحمل ذاكرتها أدق المشاهد عن الـ 15 من يناير، ترسم صورة للحدث من قلبها المكلوم: "نزلت من سطح المنزل مرهقة، فقلت لهم: "أريد النوم قليلا"، وقتها جاءت ابنتي راما وكانت خائفة تريد أن تحدثني عن حلم رأته فرفضت الاستماع لأنني أصبحت أكره الأحلام، طلبت منها عدم الإكمال".

بعد رفض أمها حدثت الحلم لشقيقتها الكبرى بأنها رأت أن بيتهم قد قصف وسقط على رأسها عمود البيت واستشهدت، وكانت معها شقيقتها ربا، طمأنتها شقيقتها أنها "أضغاث أحلام" ولا تأخذ بالحلم كثيرا.

من قلب أثقله الفقد، تلملم بقية التفاصيل المتناثرة في ذاكرتها "يومها نمت الساعة الثامنة مساءً، وبقين بناتي يتسامرن الحديث بالغرفة المجاورة لغرفتي التي ينمن فيها هن وأولادهن بسبب مساحتها الواسعة، قالوا لي فيما بعد: "ولا مرة انبسطنا بالسهرة زي هديك الليلة"، تحضرهن ذكريات الطفولة، وكان أكثر يوم ضحكن فيه".

في الغرفة، كانت  ابنتها الكبرى "آية" تجلس وفي حضنها طفلها الرضيع ريان والذي لم يتجاوز شهرين وولد خلال الحرب، وبجوارها ابنها يمان (7 سنوات)، يسألها طفلها بخوف "مطولة الحرب؟" لم تجد الأم إجابة كافية يستوعبها يمان.

عمارة دفنت

بلحظة انقلبت الدنيا وكأن الأرض انشقت وأصبح الطابق الأرضي (مظلة) والطابق الأول من العمارة المكونة من أربع طبقات مدفونين تحت الأرض، بعد قصف الاحتلال للمنزل من جهة القواعد، كانت ابتسام وعائلتها في الطابق الثالث، "لم نسمع صوت الانفجار، بل شعرت بضوء أحمر قوي".

"قوة الانفجار ألقت ابنتي الأخرى على سطح الجيران، وهي التي حفرت على أولادها وأخرجتهم، وأخرجت شقيقتها العروس منذ شهرين فقط وخرجوا على قيد الحياة، ابني الوحيد وزوجته الحامل لم يصبهم أذى لأنه تواجد بالجانب الآخر من الشقة، وهو من خرج وصرخ على الجيران لإنقاذنا لأنهم كانوا خائفين إذ كانت فوق بيتنا تحلق 4 مسيرات إسرائيلية (كواد كابتر)" تروي.

تفتح جرحها العميق وهي تكمل "بعد نصف ساعة عرفوا مكاني مع زوجي وكنا مدفونين وعالقين بفراغ لا يتجاوز 5 سم، بفعل سقوط سقف البيت على قدمي، فخرجت بكسر بسيط وجروح عميقة، وابنتي "آية" خرجت حية بسبب حجر كان أمامها استطاعت التنفس، بينما استشهد طفلاها ريان ويمان، واستشهدت ابنتاي ربا وراما التي اخرجناها في اليوم التالي".

محاصرة بين الركام لا تستطيع تحريك جسدها، ظلت آية عالقة باستثناء يدها التي أمسكها ابنها الأوسط من الأعلى، فدل فرق الإنقاذ على أمه وخرجت حية.

تصف المشهد: "كنا مدفونين حرفيا يغطينا الركام، واستسلمنا للموت قبل أن نخرج في النفس الأخير، حتى صوتي لم يسمعه أحد وأنا أقول: أنا هنا، الطابق الأرضي (المظلة) نزل تحت الأرض بسيارة زوجي، فانقصف البيت من أساساته ووقعت الأسقف فوقنا وانقسم البيت نصفين انهار نصفه فوقنا، وسقطت بناتي في بيت جدتهن الفارغ".

حلم لم يكتمل

داخل زاوية منزلها، رسمت "ربا" حلمًا ملونًا بأن تصبح فنانة، تعبر بلوحاتها عن قضيتها الفلسطينية، وتخط طريقها نحو حلمها الذي لم يكتمل، فدفن الاحتلال لوحاتها تحت الردم وبقيت الصور التي تحتفظ بها والدتها شاهدة على أيام مثابرة طويلة وفنانة خطت طريق النجاح من على مقاعد تخصصها الدراسي "فنون جميلة" بالسنة الرابعة وكانت على وشك التخرج.

بمكتبها الجميل داخل غرفتها، تزينه من اليسار لوحة باللون البني رسمت بداخلها كتبا هو سلاحها في الحياة وحبات تفاح، أمامها علقت جدولا لخطة رسم، وأربع لوحات، رسمت في واحدة نافذة منزل زرقاء، وورود وردية في مزهرية، وحبات فواكه باللون الأحمر، في الأسفل وبترتيب وزعت الألوان على طاولة الرسم التي يزينها حضور دبين وفي يديها ورقة بيضاء انتهت فيها من رسم جمجمة إنسان، وثقتها أمها بصورة احتفظت بها بهاتفها.

بينما كانت تطمح شقيقتها الشهيدة "راما" والتي تدرس بالسنة الثالثة تخصص آداب لغة إنجليزية لإكمال دراستها العليا في بريطانيا وتنشط في مجموعات عن "الإعلام السياسي".

فيما كان حفيدها الشهيد يمان بالصف الثاني الابتدائي وهو طالب متفوق بمدرسة دار الأرقم ويحفظ القرآن الكريم، ويتحدث بالفصحى، أما شقيقه الرضيع ريان فولد في الحرب واستشهد فيها ولم يزد عمره عن 51 يوما، حتى أن عائلته أخرجت شهادة الوفاة قبل شهادة الميلاد.

يغلف الحزن كلماتها "من شدة حبي لهم كان قلبي يتفطر عليهم إذا أصابهم جرح صغير، وعندما رأيتهم شهيدات نزلت علي سكينة عجيبة ربط الله بها على قلبي، فتقبلت رحيلهن وكأنهن سافرن لمكان أفضل، وهذا الحال بالنسبة لابنتي "آية" رغم حبها الشديد لهم صبرت على الفراق".

عن ذكريات أيام جميلة مع بناتها، تنقلها الذاكرة لأيام الدراسة الجامعية "كانت كل ذاكرتي الجميلة مع ربا وراما، بحكم عيشهن عندي لأن شقيقاتهن الأربع الأخريات متزوجات، وكان عملي بجوار جامعتي الأقصى والإسلامية اللتين تدرسان فيهما، فنخرج للعمل ونعود للمنزل معا".

زينة باهتة

في رمضان، كانت "ربا وراما" ذراع أمهن في البيت، تجلب مشهدا من ذاكرة رمضان الماضي "كنا نقف مع بعضنا ونحضر الطعام والعصائر والشوربات الساخنة وحلوى القطايف، ونتناول الإفطار بسرعة ثم نتوجه لصلاة التراويح بمسجد الحساينة على شاطئ البحر"، لكنها أمضت رمضان هذا العام بدموع فقد زينت مائدتها الفارغة من حضورهن.

كحال كل عائلات غزة، انقلبت الحياة في منزل آل "شمعة"، وعاشت في خوف ونزوح من مكان إلى آخر، رفضت فكرة النزوح للجنوب وتنقلت بين مناطق مدينة غزة، "كنا مرعوبين من فكرة أن يموت أحدنا ويترك الباقي، خاصة يوم قصف المنزل بالقذائف قبل اجتياح المنطقة وإصابة أفراد من العائلة، وبقينا حتى الصباح نناشد ولم يستطع الإسعاف الوصول إلينا بسبب محاصرة المكان".

تكمل "يومها خرجنا بملابس الصلاة، وكنا نحو 50 شخصا ومعنا أطفال كثر، مكثنا في بيت بمنطقة الصبرة ثلاثة أسابيع، ثم قررنا الرجوع للبيت رغم أن الشقة الغربية كانت مدمرة، فأصلحنا النوافذ واعتقدنا أنهم انتهوا من المنطقة ثم قصف المنزل بالكامل".

مرَّ العيدُ كئيبًا على قلب غزة، فافترش الحزن كل بيت فقد أحبابه، فاقتلعت أشجار عائلات كاملة برحيل جماعي إثر مجازر إبادة جماعية شنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، حتى من بقي على قيد الحياة لم يشعر بالعيد لأنه إما نازح أو فقد بيته.

"كيف سيشعر الإنسان بالعيد، والعيد كانت فرحته تكتمل بتزيين البيت وعمل الكعك، وزيارة الأهل؟ كيف سيكون العيد والأهل رحلوا أو نزحوا على جنوب القطاع، كيف سيكون العيد ولا توجد طاولة ولا يوجد من كان يزينها" رغم محاولة صايمة رسم الفرح على وجوه أحفادها، ولملمة ما تبقى من العائلة بالاجتماع على مائدة غداء كما في كل عيد، كانت غصة الفقد أكبر من تلك المحاولة.

وقفت على قبر ابنتيها ربا وراما وليد شمعة والذي يضم أحفادها اليمان وريان نادر سليمان، تبكي ذكرياتهم ولماتهم في العيد، والذي مر بلا طعم سعادة أو رائحة الفرح في غيابهم الأول الذي لا زال يثقل قلبها وكأنها فقدتهم أمس، تدثر بدفء الذكريات معهم بعيدا عن آلام الحزن والفقد.

غدا ستحل ذكرى ميلاد "ربا"، في لحظة ستوقد العائلة شموع الحزن من جديد، وسيفتح الجرح من جديد في قلب والدتها المكلوم، ستقف أمها على قبرها ترسل بطاقة معايدة لروحها الطاهرة، كما فعلت عندما استقبلت العيد، وكذلك عندما استقبلت رمضان، فأصبحت تعيش الفرح بمشاعر حزينة.