شبكة قدس الإخبارية

إشارات التصعيد وعض الأصابع بين غزة والاحتلال

30096395
أحمد الطناني

 

تتصاعد الأحداث بشكل متسارع على الحدود الشرقية لقطاع غزة، وتتوالى وتتوسع فعاليات المواجهة الشعبية التي يخوضها الشباب الثائر بشكل شبه يومي مع جيش الاحتلال في 4 نقاط تماس موزعة ما بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه.

يفتح مجرى الأحداث التساؤل بشكل كبير حول المآلات القادمة خصوصاً وأنّ إشارات التصعيد باتت واضحة، والأرض مليئة بالوقود، ويكفي عود ثقاب واحد لإشعالها.

تسارع متصاعد

لا يمكن وصف ما يجري بأنّه عودة لمسيرات العودة، حيث يغيب العديد من عناصر المسيرات وأهمها المشاركة الشعبية الواسعة، إلا أنّ ما يجري هو استدعاء للأدوات الشعبية، أو “الخشنة” -كما اصطُلح على تسميتها لدى متحدثي الفصائل في القطاع- وتحريك لمشهد الاشتباك والمواجهة.

الاحتلال، ومنذ اللحظات الأولى لعودة المواجهات على حدود القطاع، لم يتوانَ عن استخدام كل أدوات القوة في قمع المظاهرات الشعبية، بدءاً من الرصاص الحي، وليس انتهاء بالقصف المدفعي لنقطة مراقبة عسكرية لقوة “حماة الثغور” أو “الضبط الميداني” المتواجدة قرب مخيّم العودة في مدينة غزة، في ما أصاب رصاصه الحي العديد من المواطنين والصحافيين، ومنها إصابة بالغة لأحد الصحافيين، وارتقاء خمسة شهداء جنوب القطاع.

بالمقابل، لم يبقَ الشباب الثائر على حدود القطاع يعمل بوتيرة هادئة، بل سرّع نمط الأدوات المُستخدمة في المواجهة بشكل كبير، إذ تزايد الاستخدام الكثيف للعبوات الناسفة والمتفجرات محلية الصنع، وتمكن الشبان في أكثر من موضع من إحداث أضرار بالسياج الفاصل وتحصينات الاحتلال الحدودية، في ما أعلن جيش الاحتلال أنّ آلية من آلياته تعرّضت لإطلاق النار من مسدس خلال الفعاليات على حدود غزة.

عقوبات جماعية من الاحتلال

كعادته، يلجأ الاحتلال دائماً لورقة العقوبات الجماعية في الرد على أي توتر، إذ أعلن عن إغلاق حاجز “إيرز” الفاصل ما بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وأوقف تدفق العمال اليومي للعمل في الداخل المحتل، في محاولة لخلق ضغط اقتصادي مضاعف على القطاع الذي يئن تحت ظروف اقتصادية صعبة جدا.

لم تتوقف العقوبات الجماعية للاحتلال، ضد قطاع غزة، يوما، وإن عمد الاحتلال إلى ربط تخفيفها بـ”السلوك المنضبط” و”الهدوء” الذي يحاول الحصول عليه عبر الحصار وتضييق الخناق بعد أن فشل بالحصول عليه عبر آلة الحرب والقتل.

خطوة الاحتلال بإغلاق الحاجز الفاصل أو “المعبر” تُشكّل عامل ضغط كبير على حركة حماس التي تحكم القطاع، وترى فيها رفعاً لوتيرة التصعيد، رداً على فعاليات شعبية كان العنوان الاقتصادي جزءاً من الدوافع غير المُعلنة لتحريكها، وبالتالي لن تُقابل هذه الخطوة بالورود أو الهدوء، بل بالمزيد من التصعيد.

الضفة حاضرة في المعادلة

لا تتوقف العقوبات الجماعية عند حد ما يرتكبه الاحتلال بشكل مباشر، بل إنّ سلوك الوسطاء، وبشكل خاص تخفيض قيمة المنحة القطرية المُقدمة للموظفين والمواطنين في قطاع غزة، ليست منفصلة عن توجيه وتوجُّه لدى الاحتلال بإرسال رسائل تضييق للمقاومة في قطاع غزة، كنوع من العقوبة على الدور الفاعل لمقاومي القطاع في دعم وتحريك وتمويل العمليات الفدائية في الضفة الغربية، وفق اتهام الاحتلال.

بالتالي، تعمّد الاحتلال إيصال رسائل جدية للمقاومة في قطاع غزة، بأنّ استمرار الدعم والتفاعل المباشر ما بين قيادات بالمقاومة في القطاع مع مقاومي الضفة الغربية، لن يمر مرور الكرام، وإنّ الاحتلال سيعمل على تحقيق أهدافه بوسائل أخرى بعد ما عجز الاحتلال عن تحقيقها بالعمليات العسكرية والاغتيالات التي طالت جزءاً ممن يتهمهم الاحتلال بالمسؤولية عن ما يجري بالضفة، وبشكل خاص الشهيد طارق عزر الدين، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي.

على الجانب الآخر، أخذت المقاومة بتحريك مشهد المواجهات الحدودية لجملة من الأسباب، على رأسها دافع الانخراط والتكامل مع ما يجري في الضفة الغربية والقدس، من زخم نضالي كبير، وجرائم لا تتوقف من الاحتلال، وبالتالي، فإنّ المطلوب أن لا تبقى صورة غزة كالمتفرج، بل كالمتفاعل والمستكمل لصور النضال الوطني والالتحام الملحمي.

حسابات متداخلة

وفقاً للمراسل العسكري لصحيفة معاريف العبرية، تال لايف رام، فإنّ “تجدد أعمال التظاهرات على السياج، حتى لو حدثت على نطاق صغير في هذه المرحلة، يتمّ تمييزها في المنظومة الأمنية بأنّ فيها الإمكانية على الإشارة إلى بداية تغيير في الاتجاه، وبالتالي يبحثون في كيان الاحتلال عن هذا الاتجاه لكبحه قبل أن يتوسع، وأحداث السياج التي بدأت كظاهرة مسيرات العودة في محاولة من حماس لإيجاد أداة وسطية ومرحلية للمواجهة مع إسرائيل دون إطلاق صواريخ والمخاطرة بالتصعيد العسكري، أصبحت مرة أخرى اتجاهاً دائماً يهدد استقرار الحدود ويضر بطبيعة حياة سكان الغلاف”.

بالمقابل، فإنّ الاحتلال وأمام تزايد العمليات الفدائية في الضفة واستمرار التمسك بالاتهامات الموجهة لقيادة المقاومة في القطاع بالضلوع في توجيه هذه العمليات، وضع المقاومة أمام تقدير بأنّ هناك ضربة غادرة يُجهّز لها الاحتلال لاستهداف قيادة المقاومة سواء بالقطاع أو خارجه، ولذلك، فإنّ التوجُّه لابتداع وسائل اشتباك واستنزاف وإشغال لجيش الاحتلال، هو هدف تكتيكي مهم لإرباك حسابات الاحتلال الأمنية وإجباره على إعادة النظر في مخططاته الغادرة.

في ذات الإطار، ترغب حماس في إرسال رسالة جدية للوسطاء جميعا، أنّ محاولة معاقبة القطاع بالمعنى الجماعي كرد على دور القطاع في المقاومة بالضفة الغربية، لن يمر مرور الكرام، ولن يتمّ السماح بتحويلها لمعادلة، وبالتالي فإنّ جزءاً من رسائل التوتر الحالي هي للوسطاء بأنّ القادم سيكون انفجاراً كبيراً يغيّر كل حسابات المنطقة، خصوصاً في لحظة الانكشاف والضعف الصهيوني الحالية.

ماذا بعد “عض الأصابع”؟

المرحلة الحالية التي يعيشها الوضع في القطاع هي مرحلة “عض الأصابع” حيث تتمسك المقاومة بتكتيها بالتصعيد الشعبي الحدودي وخلق معادلة مواجهة يومية على نقاط التماس مع القطاع، في ما يتمسك الاحتلال بالعقوبات الجماعية التي يفرضها، ويسعى من خلالها لتحقيق ردع جوهره اقتصادي، وفق معادلة الهدوء مقابل التسهيلات.

مرحلة “عض الأصابع” الحالية، وبالرغم من تمسك الاحتلال والمقاومة بتكتيكهم الحالي، فإنّها مرحلة لن تدوم طويلاً ما لم يتراجع طرف من الأطراف عن أدواته الحالية، في ما من المستبعد أن تقبل المقاومة إيقاف معادلات المواجهة شبه اليومية على الحدود، لعدة اعتبارات أهمها أنّ جزءاً من أهداف الخطوة هو إدامه الاشتباك وتحفيزه للمزيد من التحرك والتوسع في الضفة الغربية.

لن تصمت المقاومة طويلاً على إغلاق المعابر أو أي شكل عقابي جماعي آخر، ولكن ليس بالضرورة أن يكون ردها من قطاع غزة، بل إنّ توسع وتزايد الساحات يتيح خيارات أكثر في التعامل مع تعنت مشابه، وهو ما حدث من قبل حينما أغلق الاحتلال المعابر، ونجحت في دفعه لإعادة حساباته، عبر إطلاق صاروخ واحد فقط من الأراضي اللبنانية، ليكون أوضح رسالة وقد وصلت سريعاً والاحتلال التقطها، وأعاد النظر في قرار فتح المعابر منعاً للتدحرج لمواجهة هو في غنى عنها.

بعيداً عن هذه الحسابات، فإنّ للواقع الميداني حسابات أخرى، إذ أنّ أي تطور دراماتيكي غير محسوب سيكون كفيلاً بإشعال جولة قتال واسعة، يسعى خلالها الاحتلال لتحقيق أهدافه بما فيها تحييد غزة عن معادلة الضفة الغربية، في ما لن تتوانى المقاومة عن الرد على أي تغول صهيوني على دماء الشبان في القطاع، مما يضع معادلة الانفجار على الطاولة بالرغم من عدم وجود توجه واضح للتصعيد الواسع في اللحظة الحالية.

#الاحتلال #المقاومة #المسيرات