شبكة قدس الإخبارية

قتل "شأس" ويعتقل "أيهم" ويطارد ثالثًا

"كممجي" الأب .. جبلٌ صمود يحاصر الاحتلال عزيمته

file_2022-05-14_122445
يحيى موسى

جنين - خاص قُدس الإخبارية: رغم أن لديه ستة أبناء، لكن لم يرافقه منهم أحد أثناء تشييع جنازة ابنه الشهيد شأس (29 عامًا)، فقد اعتقل الاحتلال حينها أربعة منهم ويطارد خامسهم وقتل سادسهم في 14 إبريل/ نيسان الماضي، سار فؤاد كممجي وحيدًا بين حشد كبير من المشيعين من أبناء قرية "كفرد دان" في جنين، حتى بلغهم وقبيل دفن جثمان ابنه أن الاحتلال أفرج عن ثلاثة من أبنائه، فأخروا دفنه لحين وصول أخوته.

مرَّ شهر على رحيل شأس شهيدًا، الذي لحق بوالدته المتوفاة قبل ثلاث سنوات، ثلاثون يومًا مرت مؤلمة بمرارتها، فجرح الفراق لم يندمل، ووضع الاحتلال أمامه قائمة عقوبات طويلة، يمنعه من دخول الأراضي المحتلة عام 1948، ممنوع من السفر وهو الذي يعمل في مجال الحج والعمرة منذ عام 2000، لم يكتف الاحتلال بمعاقبة عائلته جماعيًا بالمنع الأمني لكافة أبنائه، بل يحاربه في رزقه فأثناء تسييره لقوافل العمرة في شهر مارس/ أذار قام الاحتلال منعه من السفر، ويواصل التضييق عليه، بشتى الوسائل والطرق.

Quds-net2
 

كان حلم فؤاد كممجي، أن يجتمع مع أبنائه على طاولة واحدة، لكن هذا الحلم كان صعبًا وأصبح الآن غير ممكن "قدرنا فوق أحلامنا، توفيت زوجتي، واستشهد شأس، ولا زال الاحتلال يعتقل أيهم ويلاحق عهد، وأملنا أن نجتمع بالآخرة".

"الأب بضل مدرسة شو ما بعمل الأولاد بنسخوه" .. تخرج الكلمات من فهمه صابرة متراصةَ الحروف والأفكار، ولكن تخنقها مرارة التفاصيل والمستقبل المجهول وهو يروي لـ "شبكة قدس الإخبارية": "حاليا عهد مطلوبًا للاحتلال ومطاردًا، يريدون اعتقاله، وضربتين في الرأس توجع ويحاربني في رزقي، لكن ما كتبه الله هو ما سيحدث، وأنا أقبل فيه، ودائمًا أقول سمعنا وأطعنا".

على رأي المثل الذي استحضره العم كممجي "تعود الخد على اللطم" .. ابتسامةٌ مكسورةٌ عبرت مجرى الحديث: "عندما يغيب الاحتلال عنا قليلاً، نفتقدهم، كحال الصحابة عندما لا يتعرضون للابتلاء على مدار أربعين يومًا فإنهم يراجعون إيمانهم، ونحن كذلك عندما يغيب الاحتلال نراجع وطنيتنا، وهذا حال الشعب، فهناك بيوت فيها أكثر من شهيد، من هدمت بيوتهم".

14 إبريل/ نيسان 2022، الأحداث في جنين متوترة قوات جيش الاحتلال تقتحم منازل أخوة شأس كممجي، زوجة أحدهم تتصل بوالد زوجها مذعورة يتدفق الخوف والقلق من صوتها المرتجف "عمي، الجيش أجى عنا وأخدوا عهد"، شأس الذي سمع الكلام ظل يتحرك أمام والده الذي يعيش معه في منزل واحد جيئة وعودة وكأنَّ النار تشتعل بداخله، ما لفت انتباه والده: "اهدى يا رجل .. فيك ايشي!؟" ليطلب منه الإذن بالانصراف "أطلع، أطلع؟، أكيد راح ينزلوا الجيش ياخدوني!"، اذن له بالابتعاد خوفًا من اعتقاله، وما دري أنه ذهب للشهادة.

شهيد يرشد المسعف

بعد لحظات .. يسأل سائق سيارة الاسعاف عن منطقة الأحداث، عندما تقابل مع شأس الذي كان يركض، فرد الأخير "الحق الحق .. بدي استشهد!"، يروي والده لـ "شبكة قدس الإخبارية" قائلاً: "بعد استشهاد ابني، جاءني المسعف وقال لي مندهشًا: لأول مرة أحمل شهيدًا، كان يتحدث معي قبل عشر دقائق ويقول لي، إنه سيستشهد ثم يرشدني لمكان الحدث، وفي محادثة جماعية من أخوته وزوجاتهم كان يتحدث عن الشهادة وأن الشهيد يتزوج 72 من الحور العين".

"كان جيش الاحتلال منقسم إلى قسمين، أحدهم في بيت أبنائي والثاني في نقطة أخرى يشتبك معهم الشبان، وهنا حدثت جريمة قتل شأس عندما ذهب لمواجهتهم بالحجارة مع أبناء القرية، وقتها كنت أعتلي سطح المنزل أتابع ما يجري، فأخبرني ابن أخي بإصابته (..) ذهبت إلى المشفى ورأيت تجمهرًا كبيرًا من الشبان، دخلت بين الناس، ورأيت الأطباء يحاولون إجراء تنفس صناعي لابني، لم تمر عشر دقائق حتى استشهد، فقد اخترقت جسده ثلاث رصاصات في رقبته، وكتفه وخاصرته" هكذا عاش الأب كممجي آخر اللحظات.

تزوج شأس قبل عامين، لكنه لم يرزق بطفلٍ، يعلق والده "أكثر من مرة ذهب للأطباء ولم يكن لديه مشكلة، وربما الحكمة، هي أن ولدًا بدون والده سيعيش بمشكلة كبيرة طوال عمره يتيمًا، صحيح أن الطفل من رائحة الشهيد، ولكن نحن لا ننسى شهدائنا، الشهداء الذين سبقوه من البلدة لم ننساهم نهائيًا".

"شأس" من الأسماء النادرة التي قد تمر عليك في حياتك، لكنه اسم نابع من الجمع "أشاوس" وهي دارجة بين الناس، اختيار والده للاسم جاء من متابعته للمسلسلات الفرسان القديمة، وكان أحد أبطاله يحمل الاسم، فنال أعجابه وهو معناه الصلابة والرجولة.

شأس هو شقيق الأسير أيهم كممجي المعتقل منذ عام 2003، وأحد الأسرى الستة الذين انتزعوا حريتهم، لم يجتمع الأخوة مرة واحدةً منذ سنواتٍ طويلة، تطفو تفاصيل أسر أيهم على حديث والده "كان سينفذ عملاً مقاومًا بسيارة مفخخة، لكنها تعطلت، وانكشف الأمر، بعد يوم جاء للبيت احترت أين أبعده عن عيون الاحتلال، فلو أردت ابقائه بالبيت كأني أوجه دعوة للاحتلال باعتقاله، ولو سلمته، فمن يعز علي أكثر من ابني!؟، فقمت بتسليمه احترازيًا للسلطة، وأرسلوه إلى سجونها في أريحا".

بعد عام أمضاه أيهم في سجون السلطة بأريحا استطاع الهرب، فلم تكن عملية سجن "جلبوع" هي الأولى في حياته، " أرسلناه إلى رام الله، بسبب بحث الاحتلال المكثف عنه، وهناك قتل مستوطنًا بعدما خطفه، ومرة أخرى أرسلته إلى السلطة، لكن الاحتلال حاصروا منطقة "البالوع" برام الله وتم اعتقاله".

أيهم كممجي المحكوم بالسجن المؤبّد مرّتَين، وهو واحد من الأسرى الستة أبطال عملية "نفق الحرية" الذين تمكّنوا من الفرار من سجن "جلبوع" الإسرائيلي في سبتمبر/ أيلول من عام 2021، قبل أن يعاود الاحتلال اعتقالهم.

لمة مستحيلة

عام 2017 كانت آخر زيارة لشأس لشقيقه الأسير أيهم الذي يمثل الأب الروحي لإخوته حتى وهو في الأسر يحملون صورته في كل مناسبات العائلة، رافق فيها والدته بصحبة شقيقه عماد، في شهر مارس/ أذار 2019 لم يسمح الاحتلال لوالدة أيهم بزيارته، عادت إلى المنزل حزينة مقهورة، على اثرها أصابتها جلطة وتوفيت، كان الموقف صعبًا على العائلة في ظل اعتقال اثنين منهم "عودت أبنائي أن الرجولة مواقف، وتثبت في الموقف الأول، تتحمل أكثر الصدمات، ورغم صعوبة الأمر تقبلوه".

بينما كان الجميع يتحضر إلى تشييع أمه، جاء اتصال من قلب السجن إلى والدهم، يكنس غبار النسيان عن ذاكرته "اتصل أيهم وطلب منا التماسك، وكان برفقته في الأسر شقيقه عهد وهو توأم شقيقه الآخر مجد، فطلب منه وضع الهاتف على أذن أمه وهي بالنعش، تخيل شاب السجن لا يستطيع القاء نظرة الوداع على أمه، لم أعلم ماذا قال لها؟، وعندما خرج من السجن: قال لي إنه: بقي الأمر بيني وبينها".

عندما انتزع أيهم حريته من سجن "جلبوع" مع خمسة أسرى، غمرت الفرحة قلب عائلته، صورة فرحة شأس تقفز أمام عيني والده "كان يوزع الحلوى في البلد سعيدًا بانتزاع شقيقه الحرية، وكان وقتها عماد وعهد في السجن، وفي الخارج شأس ومجد ومحرم، استدعيت مع مجد لمقابلة مخابرات الاحتلال، مكثنا هناك عدة ساعات، استفسروا عن الأماكن التي يمكن أن يلجأ إليها أيهم، أصدقائه".

يصف العلاقة بينه وبين أبنائه بعلاقة "الصديق بالصديق" وهي أبعد من علاقة الأب بابنه، كعلاقة أبوية فقط، بحكم زواجه المبكر فعندما بلغ أربعين عامًا من عمره كان أيهم يبلغ من العمر عشرين عامًا، أي من نفس الجيل، نسيم ذكرى تنتزع ضحكةً منه بلهجة عفوية "اسم الله عليهم، أجسادهم طويلة، رحت أزورهم وأخد صورة معهم، لما وقفت بين أيهم وعهد كنت أقصر منهم، فمازحتهم: بتندم على فوتي عندكم؛ هيك خسفتوني".

شأس هو "آخر العنقود" بين أخوته، يعيش هو زوجته في بيت العائلة مع والده، بينما يعيش أخوته في منزل آخر، مواطن كثير من بر الابن بوالده تملأ ثنايا الذاكرة، لا تفر من حديث والده بعدما ألقى على روحه السلام "لم أذكر أني كنت أعمل شيئًا حتى لو كان بسيطًا، ككنس الرمال أمام المنزل، إلا وقفز وسحب المكنسة مني رفض العيش عند أخوته وكأنَّه أراد المكوث أطول فترةٍ ممكنة، قبل ساعتين ذهبت إلى قبره، ناجيت الله أني راضٍ عنه فارضَ عنه يارب".

شأس صاحب مقولة "أجمل ما في حيآتي إني فلسطيني ومن جنين تحديدآ" فاجأ والده بصوته العذب وهو ينشد للحنين والوطن "لم ينشد أمامي، وتفاجأت بعذوبته، مثل شقيقه الأسير أيهم الذي حفظ القرآن وشاعر غنت فرقة غرباء أناشيد من كلماته، وفي الأسر يطلبه الأسرى للإمامة، وكذلك عهد المطارد صاحب صوتٍ جميل".

#جنين #نفق الحرية #أيهم كممجي #كفر دان #شأس كممجي