شبكة قدس الإخبارية

استقالات في صفوف القضاة.. ماذا يحدث في المنظومة القضائية؟

271799856_271664248369226_8458238972715668335_n
هيئة التحرير

رام الله - خاص قدس الإخبارية: رصدت "شبكة قدس" استقالة 4 قضاة خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2021، وثقتها جريدة الوقائع الفلسطينية في أعدادها المنشورة، وأصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارات بـ"قبول الاستقالة".

تأتي هذه الاستقالات، في أعقاب عامين شهدا تغييرات جوهرية في المنظومة القضائية، حين أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبشكل فجائي، قرارا بقانون رقم (17) لعام 2019، يقضي بحل مجلس القضاء الأعلى، وإنشاء مجلس انتقالي لمدة عام لغايات إصلاح القضاء، قبل أن يمدد ولايته لاحقًا، وقد أثارت هذه الخطوة حينها ضجة كبيرة، ووثقت عدسة الكاميرا حينها منع القضاة من دخول مجمع المحاكم في رام الله، لثنيهم عن عقد مؤتمر صحفي مطالبين بحلّ "المجلس الانتقالي وإعادة الهيبة للقضاء الفلسطيني وعدالته."

Quds-net2
 

ولمعرفة أسباب الاستقالة، تواصلت "شبكة قدس" مع القضاة، وفيما يعزي قاضيان استقالتهما إلى أسباب شخصية، يقول القاضي المستقيل سامر النمري إن استقالته جاءت بسبب حال المنظومة القضائية الكاملة التي تتلاشى فيها العدالة شيئًا فشيئًا، نتيجة تراكمات طويلة، تفاقمت بعد تشكيل مجلس القضاء الأعلى الانتقالي.

ويضيف النمري، في حديثه لـ "شبكة قدس": "أصبحت القوانين تطبّق وفق مقاس أشخاص معينين، خاصة في ظل الهجمة التي شرع بها رئيس مجلس القضاء الأعلى عيسى أبو شرار على القضاة، بإحالة التقاعد القسري الإجباري، وملاحقتهم في رزقهم وعيالهم وتشويه صورتهم"، على حد قوله.

وينوّه النمري إلى أنه تعرض إلى ضغوطات في أعقاب نشره مقالًا انتقد فيه تشكيل مجلس القضاء الأعلى الانتقالي حين كان لا يزال على رأس عمله، ويوضح: "طُلب مني حينها الاستقالة بشكل فوري، ولكنني رفضتُ وحاربتُ حتى اللحظة، إلا أن القاضي يريد أن يكسب كرامته، وجميع القضاة مضطهدين ومجبرين على الاستقالة، خاصة حينما لا يجد القاضي الأمان في مكان عمله، ويصبح الأمن الوظيفي في مهب الريح."

انعدام الأمن الوظيفي

من جهته، يعزي القاضي السابق والمحامي أحمد الأشقر استقالة القضاة إلى وجود تضييقات كثيرة، وانحدار في مستوى الاستقلال الفردي والمؤسسي للقاضي، بسبب هدم السلطة القضائية عبر تشكيل المجلس الأعلى الانتقالي، وتعيينه من قبل السلطة التنفيذية، مما أفقد القضاء كمؤسسة استقلاله وأفقد القضاة كأفراد استقلالهم.

ويتابع الأشقر، في حديثه لـ "شبكة قدس": "هذا أدى بالضرورة إلى عدم شعور القضاة بالأمن الوظيفي، وكذلك تراجع حصاناتهم في ظل التعديلات التي أجريت على قانون السلطة القضائية، والتي أعطت المجلس صلاحيات كبيرة جدًا في عقاب القضاة دون مساءلة، ما أدى إلى تنامي الرغبة لدى شريحة من القضاة للاستقالة، وأيضًا إلى عزوف المحامين عن التقدم في المسابقات القضائية، سيّما المحامين المزاولين للمحاماة لفترات طويلة."

وإلى جانب ذلك، يرى الأشقر أن عدم الاهتمام بزيادة الرواتب أحد الأسباب التي تدفع القضاة إلى الاستقالة، مبينًا، "في ظل تآكل هذه الرواتب منذ العام 2002، ومنذ صدور قانون السلطة القضائية، لم يتم إجراء أي زيادة على رواتب القضاة، والتعديلات التي طرأت على السلطة القضائية بقرارات بقانون لم تكن إلا لزيادة السيطرة على القضاة، ولم تجنح إلى زيادة رواتب القضاة، بل إلى زيادة الراتب التقاعدي لرئيس مجلس القضاء الذي يتجاوز عمره الـ85 عامًا."

لا قضاء مستقل

القاضي السابق والمحامي رائد عصفور يصف في حديثه لـ "شبكة قدس"، أن القاضي أصبح "ألعوبة في يد الأجهزة الأمنية"، وذلك بعد إنشاء مجلس قضاء أعلى انتقالي، وإحلال قرار بقانون بدل قانون السلطة القضائية.

ويوضح: "إذا لم تعجب قرارات القاضي الجهات الأمنية والجهات النافذة في البلد، أصبحت وظيفته مهددة في أي لحظة، إما ينقله لمكان بعيد، أو بالضغط عليه لتقديم استقالته أو حرمانه من الترقية، وفي ظل هذه الظروف جميعًا أصبح القاضي خائفًا من أن يزعج النيابة والسلطة والأمن الوقائي ومكتب الرئيس ومجلس القضاء الأعلى، والتي تؤثر تقاريرهم على بقاء القاضي واستمرار العمل أو ترقيته أو علاواته أو دوراته."

ويشير عصفور إلى أن القاضي في ظل هذه المرحلة أصبح "أضعف شخص في المنظومة القضائية، وبدلًا من أن يصدر القرارات وهو مطمئن، يصدرها الآن وهو خائف، وتُملى عليه لرضى أشخاص متنفذين، وليس ضميره أو القانون الذي هو مقتنع به."

وحول تأثير الوضع القضائي وانعكاسه على تحصيل الناس لحقوقها بعدالة، يعقّب عصفور: "لا يوجد عدالة نهائية، وإذا حصل أحدهم على حقه يحصل عليه بمحض الصدفة ممن تبقى من بعض القضاة الذين لم ينتبه لهم أحد بعد، أو إذا كانت قضيته غير مهمة للناس المتنفذة."

ويتطرق القاضي السابق إلى قضية التوقيف في الاعتقالات على خلفية الرأي والتعبير، ويشير إلى أن المحكمة لا تجرؤ على إخلاء سبيل الموقوف الذي حولته لها النيابة العامة، بل يستطلع القاضي حينها رأي النيابة في قضية الموقوف، والتي بدورها تقدم رأي الأجهزة الأمنية، خاصة في الملفات ذات العلاقة بحرية الرأي والتعبير والبعد السياسي والحزبي."

وبحسب عصفور، فإن هذه الحالة القضائية تفاقم من معاناة الناس وتزيد من تغوّل الجهات الأمنية، حيث "أصبحت الأجهزة تعلم أن بإمكان كل القضايا الصمود أمام القضاء، وهو ما نراه حين يتم توقيف شخص على حيازة سلاح دون وجود سلاح، مع معرفة القضاء بأن هذه التهمة مجرد تغطية، والهدف منها اعتبارات سياسية وحزبية، ولكن القاضي يقرر تمديد التوقيف مرة ومرة."

في شهر نوفمبر 2019، أحال مجلس القضاء الأعلى الانتقالي المحامي الأشقر، وكان قاضيًا، إلى المجلس التأديبي على خلفية مقالٍ كتبه عبر وكالة "وطن"، حول انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة ولاية حكومة رئيس الوزراء حينها رامي الحمد الله، وفي عام 2021، أصدر الرئيس محمود عباس قرار رقم (5) أحال فيه 6 قضاة إلى التقاعد المبكر منهم أحمد الأشقر ورائد عصفور.

#القضاء #استقالات #مجلس_القضاء_الأعلى