شبكة قدس الإخبارية

6 بصمات بجسد "البرديني" والعزيمة مستمرة

666
يحيى عبد السلام

غزة- خاص قُدس الإخبارية: بست إصابات اشتركت فيها معظم أجزاء جسده، يتكئ الجريح محمد البرديني (19عامًا)، على عكازه يجر قدمه المصابة بخطىٍ متثاقلة، ينهض من بين أنين الجرح وألم الإصابات، معلنا التحدي: "لا حياة بدون كرامة"، لم يسلم والده وشقيقه أيضًا من بطش الاحتلال وقناصته.

لكل مشارك في مسيرات العودة وكسر الحصار أحداث ومواقف لا تنسى، بعضهم طبعها في شريط الذكريات، والبعض الآخر كتبها بالدم، كحال الشاب البرديني الذي يروي لشبكة "قدس الإخبارية" حكاياته مع الإصابات الست.

أول بصمة

في 2014، كانت الإصابة الأولى للشاب البرديني التي ذيّل الاحتلال توقيعه عليها، وذلك خلال مشاركته في المظاهرات الشعبية قبالة موقع "ناحل عوز" العسكري شرق غزة، التي شكلت فيما بعد الإرهاصات الأولى لشكل مسيرات العودة.

مرات الأعوام وانطلقت مسيرات العودة في 30 مارس/ أذار 2018م، لم تخمد الإصابة الأولى روح الثورة التي ظلت مشتعلة في قلب "البرديني"، انطلق يشارك في المسيرات يتقدم أولى الصفوف، رفع شعاره "ثائر يريد العودة لأرضه المسلوبة"، لم ينته اليوم حتى أصيب بقدمه، وتوالت بعدها الإصابات التي تعرض لها، كانت إحداها رصاصة اخترقت يده، وأخرى لشظية رصاصة أصيب بها قرب العين.

حوار قبل الشهادة

مواقف ومحطات عديدة واجهها هذا الشاب، يتوقف عند أحدها، بدا صباح 13 يوليو/ تموز هادئا، يحدث البرديني، رفيقه الفتى عثمان حلس 14 عامًا، "ترى من سيكون شهيد هذه الجمعة؟"، يرد عثمان: "ربما أنا"، انتهى هذا المزاح، وذهب الاثنان للمسيرة، يسرد محمد: "كنا نندفع بالقرب من السياج، كأن هناك طاقة داخلية تدفعنا وقف عثمان يرفع العلم الفلسطيني، وكنت مع شاب آخر بقربه".

لم تمح الأيام تلك الدقائق التي غيرت مجرى حياته، بعدما فقد رفيقا جمعهما حب الوطن والمسيرات: "أطلق أحد قناصة الاحتلال النار على رأس عثمان وارتقى شهيدا"، جريمة وثقتها عيون وعدسات الكاميرات، واحتفظت بها عين البرديني ليبقى شاهدًا على جريمة حدثت بقربه.

حصار من 7 جيبات

كانت أحداث المسيرة مشتعلة، يجلس البرديني قرب السياج الفاصل مع مجموعة من "الثائرين"، يحتمون من رصاص الاحتلال خلف تلة ترابية صغيرة، "تدخلوا يا شباب على السلك" دفعت الحماسة أحدهم لقول ذلك، بدأ أربعة شباب متحمسين باقتحام السياج، كان البرديني أحدهم، يقول عن تلك اللحظة: "قمنا بقص السياج، ودخلنا إلى داخل أراضينا المحتلة، كان شعورا غريبا أنك بداخل أرضك المحتلة، وصعدنا على غرف القناصة (..) تقدمنا عشرات الأمتار هناك، وحاصرتنا عدة جيبات عسكرية إسرائيلية".

"شعرت أنها آخر لحظة لي، كانت أقدام الشباب الأربعة ترتجف، لكن قمت بالزحف والانسحاب رغم إطلاق النار علي، وانسحبت ركضًا وكانوا يطلقون الرصاص وقنابل الغاز (..) كدت سأفقد الوعي، بينما اعتقل الاحتلال باقي الشباب قبل أن تقوم بالإفراج عنهم".

11 يناير/ كانون ثاني الماضي، تعرض البرديني لإصابة أخرى أسفل الركبة في قدمه اليسرى شرق غزة، غيبته عن المشاركة في المسيرة عدة أيام، لكنه نهض بتحدٍ جديد من بين الأوجاع يلملم جراحه، يبحث عن الحياة، هذا "الثائر" الذي شهد السياج الفاصل على شجاعته.

مطاردة الزورق الحربي

في نقطة التظاهر البحرية شمال غرب القطاع والتي تسمى نقطة "زيكيم"، يلقي جنود الاحتلال قنابل غاز كثيفة على المتظاهرين، يكمل عن ذلك اليوم: "قمت بالصعود على قارب مع أحد الأشخاص، أرفع علم فلسطين بيدي(..) مع هي لحظات حتى لاحقنا زورق حربي إسرائيلي، وبدأ بإطلاق الرصاص علينا، شعرت أنها نهايتي، كان مشهد صعبًا، لكن الرصاص أصاب المحرك".

يتساءل الشاب الغزي بلهجة عامية: "مين ضل ما أخدش من دمنا، احنا سلميين جايين بصدرنا ولا جايبين سلاح ولا شي"، رغم كل إصاباته إلا أن البرديني لا يزال يتحدى ألم الإصابة، يركن جراحه جانبًا، في رحلة البحث عن حقوقه بالعيش بكرامة، من خلال التظاهر السلمي، حقوق يرفض الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف بها، تعرضت عينه لإصابة بشظايا رصاصة إسرائيلية، ورصاصة أخرى أصابت يده، وأخرى قدمه.

إصابة عمود العائلة

هذا الشاب ليس الوحيد المصاب في عائلته، فوالده أكرم البرديني (43عامًا) أصيب في 8 فبراير/ شباط 2019م، لم تمنع المسافة البعيدة التي كان يقف فيها من إطلاق أحد جنود جيش الاحتلال رصاصة متفجرة باتجاهه، اخترقت قدمه اليسرى وانفجرت باليمنى، أدت إلى كسر في المفصل، وتفتيت العظام، أجرى له الأطباء في غزة عمليات في وصل الشرايين.

يجلس البرديني على سرير المشفى، تغطي قدميه قطع من القماش الأبيض "الشاش" في وسطها بقع دماء حمراء، لا زالت تسيل خلال عمليات الغيار والتنظيف، "نحن متظاهرون خرجنا للمطالبة بحقوقنا بشكل سلمي، نريد أن نعيش حياة كريمة كباقي شعوب العالم، وفتح المعابر، وهذه من أبسط الحقوق الإنسانية".

"صعقت بهذه الإصابة لم أكن أتوقعها (..) وكأنها قذيفة وأصابت قدمي غيرت كل مجرى حياتي وحياة عائلتي، فأصبحت بلا عمل" مطلقًا نداء استغاثة أن يتم تحويله للعلاج في الخارج.

لم تكتف تلك الرصاصة بما فعلته بقدميه، بل أقعدته عن عمله في أحد مخابز غزة، وزادت معاناة أبنائه الستة (أربعة ذكور وبنتان) فوالدهم –المعيل الوحيد للأسرة– أصبح بلا عمل، يعيشون في بيت مسقوف بالزينقو" بحي الزيتون شرق مدينة غزة، وسط أوضاع معيشية صعبة.

يضغط البرديني على شفتيه ويضع يده على قدمه المثبتة بجهاز تثبيت العظام قائلا: "نحن لا نستحق ما يحدث لنا، لأننا فقط نطالب بحرية وكرامة، بعدما كنت رب أسرة الآن أحتاج من يخدمني ويجرني على عربة بعجلات أمضي معظم الوقت وأنا نائم على السرير".

يشير إلى قدمه الأخرى متسائلا بنبرة صوت حزينة: "ماذا فعلت؟ كي يطلق عليّ الاحتلال رصاصة تعدمني بهذا الشكل (..) هذه أرضنا ومن حقنا المطالبة بحياة كريمة"، قبل أكثر 25 عاما أصيب البرديني خلال مشاركته بالانتفاضة الفلسطينية الأولى "انتفاضة الحجارة" بفخذه الأيمن برصاصة مغلفة بالمطاط، يقارن بين الإصابتين: "لقد تغيرت الظروف، الاحتلال أصبح أكثر جنونًا ووحشية، وكأنهم يجربون بنا الأسلحة المحرم دوليا ولا أحد من دول العالم يشعر بنا".

كان أحمد (15 عامًا) آخر المصابين في هذه العائلة، بعد تعرضه لإصابة في القدم من شظايا رصاصة.

#غزة #فلسطين #مسيرات العودة #مليونية العودة