شبكة قدس الإخبارية

رفعنا سرعتك والأزرق بخدمتك

تنشر لأوّل مرة... "أم أحمد جرار" تروي مواقف عن نجلها الشهيد

92
سائد نجم

جنين-خاص قدس الإخبارية: ما أن يُذكر "عيد الأُم" أمام ختام جرار حتى تلهج بالرضى على نجلها "أحمد"، وتستذكره كطفل لا يفارق جوارها، أو كرجلٍ لم يستشهد بعد.

تقول والدته "ختام" إنها وبعد أكثر من عامٍ كامل على رحيله، أحمد لا يزال حاضراً في كل التفاصيل والمناسبات، وتُقسم على قولها بأنه ليس مجازاً، فله رائحة زكية ومميزة حضرت عندما خطب شقيقه الذي يكبره بعامين (صهيب)، وتحضر من حين لآخر، وتذكر شطراً من الآية "بل أحياءٌ".

مخاض الحياة بعد الولادة الأولى

بعد أن تزوجتُ عام 1988 وأنجبتُ طفلي الأول صهيب، وأذّن أبوه نصر في أذنه، بمنزلنا الأول بمخيم جنين، لم يمضِ أكثر من 21 يوماً، حتى اعترض الاحتلال المركبة التي كانت تقلنا في طريق بلدة قباطية جنوب المدينة، واعتقل زوجي ليُفرج عنه بعد فترة ويتتالى اعتقاله ومطاردته إلى أن أصيب واستشهد 14\8\2002، أُم صهيب تروي لـِ "قدس الإخبارية".

وما بين اعتقال وآخر كان يكبر صهيب وأحمد وجينا بعيدين عن والدهم، لتتحمل أُم صهيب بذلك العبء الأكبر من المسؤولية.

وبعد استشهاد "نصر" بـِ 37 يوماً أنجبت طفلها الأصغر محمد دون أن تحظى بوقوف أبو صهيب إلى جانب سريرها ليؤازرها بالقبض على يدها، أو برؤيته يؤذن في أُذن مولودها الجديد، الذي لم يعرف والده سوى صورة وسيرة.

أحمد الذي لا يعرفه الكثير

رغم محاولة مراسل "قدس الإخبارية" بتركيز الحوار على شخصها كأُم، إلا أنها كانت تتكلم عن نفسها بوصف أحمد من خلال ذاكرتها وعينيها، سوى تلك الصورة التي عرفها الناس في الإعلام.

لقد كان مميزاً طيلة حياته، هادئ الطبع نشيط الحركة، حيوي الروح ومَرِح، لا يغيب عن ذهن والدته مشهد عندما كان طفلاً يومياً يصلي العصر وينطلق للعب في الحارة مع الجيران وأبناء عمومته ببواريد الخرز، يحب السباحة والرياضة بأنواعها المختلفة، كان جامعاً لأولاد العائلة كلهم بشخصيته المحبوبة والقيادية، فلا أحد يلعب إذا كان أحمد لا يريد المشاركة.

بعد أن دمرت قوات الاحتلال منزل العائلة الأول عام 2002، كلنا تألمنا كثيراً ولكن أحمد الطفل خطَّ على الجدار الخارجي "والله لن أُسامح"، وتقول أُم صهيب قرأتها ولم أعلم أنه كان يعنيها.

تروي أُم صُهيب بعد ثلاثة أعوام على استشهاد زوجها، استيقظت على أحمد يهزها ويقول مبتهجاً لقد أنار علينا، فسألته: "مَن؟"، واعتقدت في بادئ الأمر جيش الاحتلال فأسدلت الستار، وقرأت له القرآن إلى أن غفو، وبينما هي تقرأ وإذ بنور يضيء غرفة الضيوف -تقسم بذلك- ولم يكن للنور ذاك من مصدر خرجي من النافذة، وفي اليوم التالي قال لي أحمد: "رأيت والدي يتجول في الغرفة ويضيء عليكم واحداً تلو الآخر وأنتم نائمون".

كان مميزا في المدرسة، وذكياً، سافر إلى فرنسا وهو في الصف التاسع للمشاركة في رياضة المصارعة، وكانت علاماته جيدة، بارّاً بي، مواضباً على صلاته فإذا فاتته صلاة الفجر يظل يعاتبني بقية اليوم بأني لم أوقظه، وتخرج من الجامعة العربية الأمريكية في جنين بتخصص "إدارة مستشفيات" لكنه عمل في مجال مختلف، أٌم صهيب تكمل.

هدم الذكريات وبقاء الذاكرة

وتصف أُم صهيب بِتَحبُّب صور أحمد الطفل يحمل بارودة الخرز ببراءة، متخذًا وضعية التصويب، "لم يكن لأحد أن ينتبه بأنّه سيصبح بطلاً يجنن جيشاً منظماً شهراً كاملاً بمفرده".

ولكن تلك الصور التي أخرجتها قبل يوم من هدم المنزل تتأملها، ضاعت تحت الهدم الذي دُمّر إلى جانب الكثير من المقتنيات ككتب أحمد التي كان يقرأها والملابس والمقتنيات، لتُهدم الذكريات بذلك وتبقى الذاكرة.

وتذكر كيف اعتقله الاحتلال قبل رمضان بيوم ومكث 50 يوماً في التحقيق، فلم تهنأ العائلة في أي اجتماع بغيابه، وحين أفرجوا عنه سألته: لماذا اعتقلوك، فأجاب حققوا معي ولم يجدوا عليّ شيئاً فأطلقوا سراحي، فاطمأنت.

وتقول أُم صهيب: ها هو صهيب يتزوج، ورائحة شقيقه أحمد ووالده لا تفارقنا والحمدلله، وللحظة أشعر كأني في حلم، استشهد زوجي وهُدم منزلنا الأول، وبعد 16 عاماً استشهد ولدي أحمد وهُدم منزلنا الثاني، وها نحن في المنزل الثالث نشعر بالألم ولكن بالعِزّة والفخر.