شبكة قدس الإخبارية

عمال الفنادق والمطاعم بغزة.. استغلال للطاقات وسلب للحقوق

٢١٣

 

مصطفى البنا

غزة – خاص قُدس الإخبارية: يرتدي أحدهم أجمل الثياب؛ تعلو الابتسامة فوق شفتيه رغم الظلم الذي يتعرض له في تلك الأماكن التي تتطلب "برستيجًا" عاليًا، في مقابل حقٍ وأجرٍ أقل، قد يغبطهم البعض على جمال المكان الذي يعملون فيه ورفاهية المهنة التي يمارسونها؛ لكن ظاهر الأمر يخفي واقعا مظلما يعانيه عمال الفنادق والمطاعم في قطاع غزة.

في بحثٍ جديدٍ وقضية متجددة، وجدت شبكة قدس الإخبارية ضالتها في عمالٍ يقضون ساعاتٍ طويلةٍ من العمل ذهابا ورواحا بين طاولات الزبائن وغرف الضيوف، مقابل أجور متدنية لا تليق بتعبهم الجسدي ولا وقتهم الذي يضيع هباء دون مبالاة من أصحاب العمل.

ظروف قاسية

التقت شبكة قدس الإخبارية عاملَين من فندقين مختلفين في غزة، طلب كلاهما عدم الكشف عن اسمه أو المكان الذي يعمل فيه، وكان الخوف من أن يطرد من عمله سببُ ذلك، حيث يقول الشاب (ط.ز) أحد عمال فنادق غزة، بأن إدارة الفندق تنظر للعامل على أنه "عبد" وتتسم هذه المعاملة بالاستعلاء والتكبر وتخلو من أي حوارٍ أو مسايسة.

ووفقا للعامل الشاب الذي يبلغ من العمر 25 عامًا، فإن "الإدارة تتعامل بالتفرقة دون النظر إلى المستويات والفوارق العلمية"، يتابع قائلًا "تتبع الإدارة سياسة تثبيت العامل بعد 5 سنوات من العمل، أما ما دون ذلك فيتم التعامل معهم تحت بند العمل اليومي، حيث تمنح الإجازات السنوية للمثبتين دون غيرهم"، كاشفًا عن المماطلة في احتساب أجر ساعات العمل الإضافية، إضافة إلى خصم الإجازات المرضية من الرواتب.

فيما يروي الشاب (م.ع) تعرضه للإهانة من قبل مسؤوليه في العمل لأتفه الأمور وأقلها، "ولا مشكلة لديهم في فعل هذا أمام الزبائن". يقول أيضًا "إن الشيء الوحيد الذي تمنحه الإدارة للشاب خلاله فترة عمله الطويلة هو كوبٌ من الشاي أو القهوة وما عدا ذلك يتم خصمه من راتب العامل"، علاوةً على عدم احتساب "بدل المواصلات" في الراتب الشهري.

ويضيف، "كانت الإدارة تحاسبنا على الوجبات الغذائية بنصف السعر الممنوح للزبائن، لكنها تخلت عن الأمر لاحقًا وساوت بيننا وبين الزبائن في السعر". مبينا أنه وفي ظل الرواتب المتدنية التي تمنحها الإدارة لعمالها فإنها تجمع في اليوم الواحد مبالغ طائلة على وجبات لا تكلفها جزءا يسيرا من تكلفة بيعها، "حتى لو زادت أرباحهم أضعافًا مضاعفة لا يمكن لنا نحن العمال أن نحصل على أي مكافأة".

وتشير الإحصائيات الرسمية لوزارة العمل إلى وجود قرابة 1546 عاملًا في مختلف فنادق ومطاعم قطاع غزة، حيث يقضي معظمهم ساعاتٍ طويلة في العمل تزيد عن 12 ساعة يوميا؛ وقد تمتد في أوقات المناسبات والأعياد إلى أكثر من 16 ساعة، في حين لا يتلقى غالبيتهم أجورا إضافية أو مكافآت على ساعات العمل الإضافية.

وعلاوةً على ما يتعرض له العمال من ظروف قاسية ومعاملةٍ غير حسنة في أماكن عملهم، فإن غالبيتهم يتلقون رواتب متدنية تقدر بـ700 شيكل (أقل من 200 دولار) ولا تتعدى الـ1000 شيكل (أقل من 300 دولار) في أحسن الظروف، حيث يتقاضَون أجورًا يومية تقدر بـ30 شيكل يوميًا فقط (أقل من 9 دولارات)، ويتم احتساب تكلفة المواصلات من ضمنها حتى بلغت ربع هذا الأجر.

انتهاكات إنسانية

الناطق الرسمي باسم الاتحاد العام لعمال فلسطين أشرف مسلم، كشف بأن هناك انتهاكا صريحا يواجهه عمال الفندقة والمطاعم ومختلف أماكن السياحة، سواءً فيما يتعلق بالأجور أو ساعات العمل الكثيرة أو الظروف والبيئة التي يعملون بها، "فاستغلال طاعة الشباب بسبب البطالة المرتفعة في القطاع ولّد ظروفًا إجرامية بحق العامل تمثل انتهاكًا صريحًا لكرامته الإنسانية"، وفق تعبيره.

ويقول مسلم، إن النقابات ليست جهة تنفيذية ولا تشريعية؛ فكل ما تقوم به هو إيصال صورة أوضاع العمال وظروفهم ولا تستطيع فرض إرادتها على أصحاب العمل لأنها "ليست جهة قانونية". ويلقي باللائمة على الحكومة وغياب العمل بالأنظمة والقوانين والتشريعات الخاصة بالعمال، "والتي أدت بصاحب العمل إلى الضرب بعرض الحائط كل المعايير الإنسانية والحقوقية للعمال".

شادي حلس من الإدارة العامة للتفتيش والرقابة على العمل في وزارة العمل، يقول إن وزارته تنظم حملات دورية على المنشآت للتأكد من سلامة ظروف العمل فيها؛ وفقًا لقانون العمل الفلسطيني رقم 7 لعام 2000. كما أنها ستنظم حملة تفتيش شاملة على جميع المطاعم والفنادق للتأكد من السلامة المهنية والصحية في هذه المنشآت؛ بما يشمل التمديدات الكهربائية والتهوية وبيئة العمل والأجور والأمور الأخرى كافة.

وحدد قرار مجلس الوزراء لعام 2012 الحد الأدنى للأجور بـ 1450 شيكل، لكن هذا القانون ظل غير مطبق في قطاع غزة. ويعلق حلس بأن هناك صعوبة في تطبيقه في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع، لكنه يشير في ذات الوقت لسعي الوزارة لتطبيقه تدريجيا على القطاعات التي تتوفر فيها الإمكانية لذلك، كالمنشآت والمؤسسات التي لم تتضرر فعليا من الحصار.

وتتعامل الوزارة مع كل الشكاوى التي تقدم إليها من العمال حول ظروف عملهم؛ وترسل مفتشين للبحث في الأمر وتفرض في ذلك عقوبات على المنشأة، كما يقول مسلم. منوها إلى أن الوزارة تتعامل مع ذلك بكل سرية من أجل حماية العامل، لكنه يرى بأن "الأمر يتطلب أيضا شجاعة من العمال أنفسهم من أجل التقدم بشكاويهم"، حسب تعبيره.

هناك استثناءات؟؟

المدير التنفيذي لفندق (Light House) عماد الريس، رفض التعليق على كل ذلك مكتفيا بالحديث عن فندقه، حيث أكد أن الظروف التي يحظى بها عماله مميزة في ظل الظروف القائمة، مبينا أنهم يحصلون على أجور تتراوح ما بين 1100-1800 شيكل (300 دولار – 500 دولار) حسب أقدميتهم في العمل، وتزيد هذه الأجور وفقا لساعات العمل الإضافية أيضا، وفق قوله.

ويقول الريس، إن إدارة الفندق توفر للعامل أيضا حافلات وسيارات أجرة لإعادتهم إلى منازلهم بعد انتهاء الدوام، كما تمنح إجازات سنوية بمعدل (15 يوما) لمن تقل أقدميتهم في العمل عن 5 أعوام، و21 يوما لمن يزيدون عن ذلك، إضافةً إلى 14 يوما كإجازات مرضية شريطة أن يتقدم العامل بتقرير مرضي لإثبات الأمر.

وتطرح رواية الريس حول منحه للعمال حقوقهم؛ ومشاهدات العاملين للبيع وإقبال الزبائن، تساؤلا حول حقيقة التذرع بالحصار و"ظروف غزة الخاصة" لعدم منح العاملين حقوقا تتوازى مع أعمالهم والجهود التي يبذلون.