خاص قدس الإخبارية: العيد السادس خلال الإبادة يحييه الناس في قطاع غزة كما يبدو في ظاهر الصورة، كلٌ حسب استطاعته، منهم من يشتري منهم ملابس جديدة، والبعض يعلّق الزينة على ما تبقى من جدران البيوت أو الخيام، يتزاورون ويتناولون الحلوى ولا ينسون "العيدية"، بين ثنايا هذه التفاصيل أشياء كثيرة تغيّرت، ففي القلوب آلام لا يشفيها شيء وأحزان تجعل الشعور بالسعادة أبعد وتجعل أعياد المكلومين علقما، بالإضافة إلى أن القدرة على إحياء العيد تراجعت كثيرا لأسباب مختلفة، أبرزها المال، ومنها حياة الخيمة وصعوبة التنقل وتفرق الأهل بين أماكن النزوح.
يمر العيد ونحو 300 ألف أسرة تعيش في الخيام، والفقر والجوع يستفحلان يوما بعد آخر، ناهيك عن الإصابات التي تعيق حياة أصحابها، كل هذا وسط الحزن على عشرات آلاف الشهداء والقلق على المفقودين وانعدام الأمن، وهذا الأضحى الثالث بلا أضاحي تقريبا، وسعر الخروف حاليا يتراوح بين أربعة إلي ستة آلاف دولار
لأجل ذلك، يكاد الغزيون يجمعون على أن العيد الأخير كان قبل الحرب وأنهم لم يشعروا بأعياد بعدها، تماما كحياتهم التي يشعروا أن الزمن توقف فيها لما قبل الإبادة.
وحيدا مع الذكريات
شراء ملابس العيد، وجبة في مطعم، نزهة سريعة… تفاصيل كانت من الثوابت في اليوم السابق لأي عيد لمحمود سكر وتوأمه، لكنها اليوم تداهمه من أبواب الحزن التي لم تُغلق منذ توالت اتصالات الجيران والأقارب على هاتفه مساء الحادي والعشرين من أكتوبر الأول في الإبادة ليخبروه: "قصفوا بيتكم، أهلك في مستشفى الشفاء".
يقضي سكر (22 عاما) العيد وحيدا في خيمة فوق أنقاض بيته، يقول: "كنّا 18 شخصا في البناية، استشهد 17 وبقيت أنا، بالتأكيد لا أعياد بعد هذا الألم، كيف أشعر بالسعادة دون من أحبهم؟".
ويضيف: "عيدي الأخير كان معهم، مع أبي وأمي وإخوتي، كانوا بنتين وثلاثة ذكور، وزوجة أخي وابنته، بالإضافة إلى جدي وعمي وأسرته، كان العيد في وجودهم حياة كاملة وطقوسا كثيرة كلها سعادة، أما الآن فلا أخرج من خيمتي فيه".
ويتذكر التفاصيل: "كنّا نبدأه بصلاة العيد، أنا وإخوتي وأبناء عمي، نعود لنجتمع في بيت جدي، ونلتقي بباقي أعمامي وأسرهم، نتبادل التهاني والعيديات، ثم ننطلق لزيارة الأرحام، أما اليوم الثاني ففيه خصوصية أكثر، أنا أبي وأمي وأخوتي نخرج لنرفه عن أنفسنا".
من بين كل التفاصيل، أكثر ما يقتله الحنين له، اللحظة الأولى من صباح اليوم الأول من كل عيد، حين يفتح عينيه على ابتسامة أمه وهي توقظه مع باقي إخوته ليصلوا الفجر ومن بعده صلاة العيد.
بدل الفعاليات الكثيرة، صار لسكر مشوار واحد؛ المقبرة، وحتى هذه الزيارة حرمه الاحتلال منها، كان يتوجه صباح العيد لقبور أهله، لكن حاليا المقبرة خلف الخط الأصفر، والاحتلال جرفها.
بذلك تكون فعاليات العيد انتهت بالنسبة له، فماذا يفعل؟ الإجابة على لسانه: "أتنقل بين الصور والذكريات في الخيمة، أسترجع أعيادي مع أهلي، أفكر كيف كنا وكيف أصبحنا، ويزيد الأمر صعوبة أن خيمتي على أنقاض البيت، فهنا لي في كل شبر ذكريات جميلة، وتخفف عني كثيرا زيارات أصدقائي، لا يتركونني وحيدا".
توأمه يحتل المكانة الأكبر في الألم والذكريات، فهو شريكه في كل شيء، تقاسما معا كل خطوة وكل حلم، كانا يستعدان للعيد معا، ولا يفترقان خلاله.
بعد كل ما تجرعه من ألم، صار العيد بالنسبة له من أسباب الحزن بعدما كان وقتا للسعادة الخالصة.
ويلفت إلى أنه أُصيب قبل ثمانية أشهر بشظية في ظهره أقعدته فترة، وحاليا يمشي بصعوبة، ما جعل فكرة الاحتفال بالعيد أبعد.
"نفسي يكون عندي رِجل"
لن يلعب "عبود" مع أقرانه أمام البيت في العيد، سيجلس على كرسيه المتحرك يراقب حركات الأطفال، ويسترجع ذكريات العيد مع والده الشهيد وساقه المبتورة، حتى يدفع الكرسي أحد إخوته في إيذان لبدء جولة ترفيهية علّها تخفف عنه.
عبد الكريم عزيز (9 سنوات) واحد من آلاف الغزيين الذين فقدوا أطرافهم خلال الحرب، بُترت ساقه اليمنى في ديسمبر 2023 بسبب قذيفة انفجرت في البيت، ومنذ ذلك الحين، تغيّر كل شيء، وبعد نحو سنة استشهد والده فأضاف إلى ألمه أحزانا وأشواقا لا تنتهي، ومع ذلك فإن "معنوياته عالية"، كما تؤكد والدته.
تقول ميساء عزيز عن ابنها: "كان كثير الحركة قبل الإصابة، وهذا ما ساعده بعدها، فلم يُعجزه البتر، يقفز من مكان لآخر بلا هدوء نشاطه منحه الصبر على معاناته".
وتضيف: "مهما بدا قويا، فهو طفل يشتاق لطفولته، وهذا ما يبوح به حين يحدّثني عن أمنياته بالركض والخروج من البيت بسهولة، يكرر بين وقت وآخر (نفسي يكون عندي رِجل)".
في العيد، يفتقد عبد الكريم والده كثيرا، ويتمنى لو كان قادرا على اللعب وزيارة الأقارب كما يفعل الناس، لكنه الإصابة تجبره على الاكتفاء بالجلوس أمام "الحاصل" الذي تسكنه الأسرة بعد تدمير بيتها، فيما يحاول أن إخوانه، وهو أصغرهم، التخفيف عنه، فيأخذوه أينما استطاعوا.
تحبس والدته دموعها وهي تقول: "فقدنا أغلى إنسان في أسرتنا، ومنذ ذلك الوقت يمر العيد بلا فرح، لكنني أفعل ما بوسعي ليعيش أبنائي أيامهم بسعادة، وأحاول أن أفعل ما استطعت من طقوس العيد".
حين انقطع الأمل
"كنت آمل في الأعياد السابقة أن يكون ابني المفقود حيّا، لكن تأكدت من استشهاده في رمضان السابق"، بهذه الكلمات تشرح والدة المفقود "م" لماذا كان عيد الفطر الأخير الأصعب عليها منذ بدء الإبادة.
الأم المكلومة التي طلبت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية تتعلق بملاحقة الاحتلال لعائلات المشاركين في عملية السابع من أكتوبر. تقول: "لا أقول إن العيد الأخير فقط كان قبل الحرب، بل الحياة كلها انتهت في نظري، فكيف تعيش الثكلى عيدا؟ وهل تستمتع بالأيام بعد رحيل فلذة كبدها؟".
وتضيف: "أسترجع كل ذكرياتي معه في الأعياد، أتذكر الملابس التي اشتريتها له في طفولته، وتلك التي اشتراها بنفسه حين كبر قليلا وجاء ليسأل عن رأيي فيها، أكاد أراه يخرج من غرفته صباح العيد لقبل يدي ويد أبيه ويعطيني عيديتي ثم يزور أخواته".
وتتابع: "أتذكر أيضا كيف تغيّر اهتمامه بأمر الملابس حين انتظم في صفوف المجاهدين، خاصة في الأشهر الأخيرة، زاد اهتمامه بالدين وعزوفه عن الدنيا، لا أقصد أنه تخلى عن ترتيب هندامه ونظافته، ولكن ثمة شيء آخر كان يشغل عقله، ولم أتخيل أبدا أنه من عناصر النخبة في كتائب القسام، رغم أنني وزوجي شجعناه على المضي في طريق الجهاد".
قبل أن تتأكد من استشهاده، كان تفكيرها فيه وفي مصيره يزيد في المناسبات، ومن بينها العيد، تتساءل إن كان أسيرا أو شهيدا، وعمّا يعيشه إن كان في قبضة الاحتلال، أما الآن فقد انقطع الأمل، وانقطعت معه تلك الأفكار، وباتت أكبر أمنياتها أن تجد جثته فتدفنها، كما توضح.
انتظرت الحرية ولكن...
قضى نسيم الرضيع أربعة أعياد خلف القضبان، خطط خلالها لأيام جميلة يقضيها مع أسرته بعد الإفراج عنه، لكنه خرج من السجن ليجد خمس شهادات وفاة، وناجية وحيدة، إذ استشهد والده وزوجته وابنه واثنتين من بناته، وبقيت طفلته "سما"، وتأخرت معرفته برحيلهم، فلم يعلم الخبر الصعب إلا لحظة وصوله لغزة وهو يبحث بين وجوه الأهالي القادمين لاستقبال أبنائهم المحررين.
بفعل تلك التجربة القاسية، يتبني الرأي السائد في غزة: "العيد الأخير كان قبل الحرب، بعده لا معنى ولا طعم للأعياد"، كما يقول.
ويضيف عن أعياده في السجن: "أول يوم من عيد الفطر الأول في الإبادة ظننت أني عائد إلى غزة حين أخرجني السجّانون من العزل، بعدما قضيت أياما صعبة بين غرف التحقيق وزنزانة انفرادية، حتى صدمتني الحقيقة بأنني في الطريق إلى مسلخ عوفر، وبعدها كانت الأعياد في سجن نفحة".
ويتابع: "كان السجانون يمنعوننا من أداء صلاة العيد، ويستنفرون لقمع أي احتجاجات، لكننا كنا نتحايل على الظروف القاسية علّنا نرسم البسمة على وجوه بعضنا".
ويواصل: "كنا 15 أسيرا في الزنزانة، نردد تكبيرات العيد بصوت منخفض لا يسمعه السجانون، نبدأ التكبير معا، ثم ننسحب واحدا تلو الآخر، فيتخذ كل منّا زاوية ليبكي حين تحاصره الذكريات ويغلبه الحنين".
وبمزيد من التفصيل، يوضح، "كنت أتذكر الأعياد السابقة، والطقوس الخاصة بها، وبينما أسترجع تلك السعادة أجد نفسي بين جدران الزنزانة فأنهار".
بخلاف مخططاته كان أعياده بعد الحرية، فقد صارت امتدادا للذكريات، لكن بلا أمل باللقاء كما كان الحال في السجن، يوضح: "لم أقضِ الأيام السابقة له في الأسواق لانتقاء أجمل الملابس لأبنائي، ولم يلتفوا حولي ليطلبوا العيدية، ولم نلتقط صورة العيد معا، كنت أشتري هدايا بسيطة أعطي كل منهم واحدة يقدمها لأمي، هم استشهدوا وأمي في بلاد أخرى للعلاج من الإصابة".
ولابنه محمد (10 سنوات وقت استشهاده) ذكريات خاصة وألم خاص، يوضح: "هو ابني البكر، وأول الأحفاد الذكور في العائلة، لذا كانت مكانته كبيرة في العائلة، ينتظره الجميع في زيارات الأعياد، كنت أختار ملابسه لتشبه ملابسي، أراه رجلا وسندا رغم صغر سنه، تغمرني السعادة حين أصطحبه معي، يركب خلفي على دراجتي النارية ونمضي".
أما "سما" فسألته كثيرا عن أمها وإخوتها في العيد، تذكرت ابنة السنوات الخمس والدتها وهي تجهزها مع إخوتها للعيد، ولأجلها كان مجبرا على التماسك، لكنه مهما فعل لا يعوض النقص، على حد قوله.
وعن العائلة الأكبر، يقول: "انتهت فكرة اجتماع الإخوة والأخوات في بيت الأهل، فالأب شهيد، والأم طالت غربتها، وتفصل بين أماكن سكن الإخوة مسافات طويلة"، مضيفا: "في العيد السابق، زرت وإخواني الذكور أخواتنا البنات كما اعتدنا، لكن تلك الزيارة أججت الحزن أكثر لما أثارته في عقولنا من ذكريات".
اعتقل الاحتلال الرضيع في ديسمبر 2023، وأفرج عنه في أكتوبر الماضي، نحو عامين كان يواسي نفسه خلالهما بلقاء أهله بعد التحرر، لكنه تحرر ولم يجدهم.
حبيسة الخيمة
العيد السادس دون تجهيزات العيد في بيت إيمان فرج الله، فالبيت مدمر، وإيمان أقعدتها الإصابة، وها هي تتحسس ساقها أمام تزايد احتمالات بترها ما لم تسافر لإجراء عملية جراحية.
تقول: "انفجرت في بيتي قذيفة في الشهر الثالث من الحرب، فأُصبت بكسور في الساق، وظننت الأمر سينتهي بعد إزالة الشرائح المعدنية في غضون أشهر، لكنني لم أتخلص من البلاتين إلا قبل أسبوعين، دون شفاء، بل بتراجع".
وتضيف: "أزال الأطباء الشرائح بعدما صدأ داخل جسدي لطول المدة، ولكثرة الالتهابات واستمرار خروج الدود من ساقي، والآن أمامي خياران، إما البتر، أو أن أحصل على حقي في العلاج خارج غزة، وفرص السفر شبه معدومة".
تتذكر العيد بألم، وهي تخبرنا أنها كانت تستعد له برفقة زوجها، يشتريان الحلوى، ويزينان البيت، وبالطبع لا بد من ملابس جديدة، يزوران المعارف، ويستقبلان الأحباب.
توضح: "الآن، أنا في الخيمة، أنام على فراش أرضي، ولا أملك كرسيا متحركا، لا أتحرك إلا للضرورة حيث منعني الأطباء من الحركة بعد إزالة البلاتين، واستخدام العكازين على الأرض الرملية يزيد فرص الوقوع"، مبينة: "مهما حاولت أن أتجاوز الإصابة في العيد لا أستطيع، أتألم على مدار الساعة، وأمي تساعدني، وزوجي يتولى استقبال الزائرين".
أصعب عيدين في الحرب، كانا في فترة اعتقال زوجها في سجون الاحتلال، إذ كان غياب السند يزيد ألمها.
وتقول بأسى: "منذ بدأت الحرب، أنا محرومة من الأعياد بكل تفاصيلها، لا أستطيع أن أخرج من خيمتي لأي مكان، وأنا التي كانت لي حياتي ومهنتي، كنت أقدم العلاج للناس في الصيدلية التي عملت بها، والآن أتمنى أن أحصل على العلاج".



