شبكة قدس الإخبارية

خاص| قادة في فتح: المؤتمر الثامن غيّر بعض الوجوه وأبقى ذات النهج بعدم الصراع مع الاحتلال

photo_2026-05-23_12-37-17

خاص قدس الإخبارية: عبّر قادة تاريخيون من حركة فتح عن استيائهم من مخرجات مؤتمر الحركة الثامن، إذ اعتبروا "أنها لم تحمل جديدًا، ولن تتجاوز السقف السياسي المسموح به، وقد أفرزت قيادة جديدة لن تذهب نحو الصراع مع الاحتلال، عدا عن كون جزءًا منها تقلّد مناصب في المجلس الثوري، أو اللجنة المركزية، ولم يكونوا يومًا يحملون تاريخًا نضاليًا داخل الحركة".

وكانت حركة فتح في السادس عشر من الشهر الجاري قد أنهت أعمال انتخاباتها الداخلية، ضمن مؤتمر الحركة الثامن، حيث أفرزت قيادة جديدة للمجلس الثوري الذي زادت نسبة التغيير فيه عن 80 بالمئة، بينما فصّلت اللجنة المركزية الجديدة بشكل دقيق، وفق توجّهات الرئيس وموازين القوة داخل الحركة.

وعكست مخرجات مؤتمر حركة حركة فتح، وفق تقديرات قيادات وكوادر داخل الحركة، حالةً من الجدل الواسع بشأن آليات التمثيل والانتخاب، وسط اتهامات بتغييب شخصيات تاريخية وكوادر فاعلة عن المشهد التنظيمي. وفي هذا السياق، رأى عضو المجلس التشريعي السابق عن الحركة موسى أبو صبحة في حديثه مع شبكة قدس، أنّ "مخرجات المؤتمر جاءت مشابهة لمدخلاته، وكذلك نتائجه، إذ لم تكن صائبة بعد تغييب الكادر التاريخي والأساسي للحركة"، معتبرًا أنّ طبيعة إدارة العملية التنظيمية أثّرت بصورة مباشرة على النتائج النهائية.

وفي انتقاد مباشر لآلية تشكيل القوائم والانتخابات الداخلية، اعتبر أبو صبحة أنّ اللجنة التحضيرية للمؤتمر كان ينبغي ألّا تخوض الانتخابات، موضحًا أنّ "من يختار الأسماء لا يحق له الترشح في الوقت نفسه"، لأن ذلك يفتح المجال، بحسب وصفه، لـ"هندسة مسبقة للأسماء بما يخدم التصويت له، وتحديد أعضاء المجلس الثوري واللجنة المركزية وحتى البرنامج السياسي".

وبحسب تقديره، فإنّ المؤتمر لم يقتصر على إقصاء شخصيات تاريخية داخل الحركة، بل شمل أيضًا شخصيات كان يمكن أن تُحدث تحولًا في مسارها التنظيمي والسياسي وتحظى بقبول شعبي واسع. وأشار في هذا الإطار إلى أسماء من بينها قدورة فارس، الذي قال إنه "عمل بجهد في ملف الأسرى وكان لا بد من إقصائه"، إضافة إلى عباس زكي الذي رأى أنه "اتخذ مواقف إيجابية بعد السابع من أكتوبر"، وكذلك حسام زملط الذي "قدّم صورة دبلوماسية مشرقة في الساحة الأوروبية".

وامتدّ النقد ليشمل نتائج انتخابات المجلس الثوري واللجنة المركزية، إذ اعتبر أبو صبحة أنّها "لا ترقى إلى عظمة الحركة إطلاقًا"، مضيفًا أنّ شخصيات "بلا تاريخ نضالي" وصلت إلى مواقع قيادية داخل الحركة، فيما فاز آخرون بمواقع متقدمة "رغم عدم انطباق شروط العضوية عليهم، حتى وإن كانوا محسوبين على فتح".

وفي ما يتعلّق بخيار "المقاومة الشعبية" الذي تبنّته الحركة في مؤتمراتها السابقة، رأى أبو صبحة أنّ هذا الملف لم يحظَ بأي إنصاف داخل المؤتمر الأخير، بل "تم تجاهله كليًا"، على حد تعبيره. وأضاف أنّ الحركة رفعت هذا الشعار خلال المؤتمر السابع، “لكنها لم تُفعّله أبدًا، بل وضعت عراقيل كثيرة أمامه”، رغم تصاعد التحديات الميدانية في الضفة الغربية.

وربط أبو صبحة ذلك بتصاعد التوسع الاستيطاني في مناطق جنوب الضفة، مشيرًا إلى أنّ محافظتي بيت لحم والخليل تشهدان تمددًا استيطانيًا متسارعًا، "من دون دعم حقيقي للمقاومة الشعبية أو تمثيل لكوادرها داخل المؤتمر"، بحسب قوله.

وفي المقابل، دعا إلى أن تتعامل الحركة خلال المرحلة المقبلة مع ملف المصالحة الوطنية باعتباره "الأولوية الفلسطينية الأبرز"، مشددًا على ضرورة اختيار شخصية تتولى هذا الملف تكون على علاقة جيدة مع مختلف القوى السياسية وتحظى بقبول واسع لديها، معتبرًا أنّ ذلك يمكن أن يشكّل أحد الجوانب الإيجابية القليلة التي قد تخرج عن المؤتمر.

كما أشار إلى أنّ حالة من "المناطقية" برزت في نقاشات كوادر الحركة خلال المؤتمر، نتيجة النهج الذي اتبعته اللجنة التحضيرية، رغم أنّ النقاش يفترض أن يدور ضمن إطار "حركة ثورية جامعة". ولفت إلى أنّ مناطق الخليل وبيت لحم والقدس تعرّضت للتهميش في النتائج، في مقابل حضور واسع لكوادر من شمال الضفة الغربية.

وأشار أبو صبحة بالقول إنّ مخرجات المؤتمر المتعلقة بمنطقة الخليل “لا تتناسب مع عظمة هذه المنطقة ولا مع حجم كوادرها ودورها داخل الحركة”، في إشارة إلى استمرار الجدل الداخلي بشأن طبيعة التمثيل والتوازنات التنظيمية داخل فتح.

وفي مقابل الأصوات التي انتقدت مخرجات المؤتمر من زاوية التمثيل التنظيمي، برزت قراءات أخرى اعتبرت أن الأزمة أعمق وتتعلق ببنية الحركة السياسية وأدائها خلال السنوات الماضية. وفي هذا السياق، كشف عضو المجلس الثوري السابق في حركة فتح، لؤي عبده، أنّه قاطع المشاركة في المؤتمر الثامن رغم عضويته فيه، موضحًا في حديثه مع شبكة قدس أنّ موقفه جاء "عن قناعة راسخة"، لأنّه كان يرى مسبقًا أنّ "المخرجات لن تكون ناجحة".

ورأى عبده أنّ المؤتمر شابه عدد من الإشكاليات الجوهرية، حدّدها في ثلاث ملاحظات رئيسية، أولها غياب الهدف السياسي الواضح، معتبرًا أنّ سقف أهداف المؤتمر "بقي محدودًا ضمن إطار اللجنة المركزية السابقة". كما وصف مضمون المؤتمر بالضعيف، مشيرًا إلى أنّه "لم يُعَدّ وفق التدرج التنظيمي والزمني المطلوب حتى تمثّل فيه صفوة الحركة"، قبل أن يضيف أنّ توقيت انعقاده كان "فاشلًا أصلًا" لأنّه جاء، بحسب تقديره، استجابةً لضغوط غربية أو من بعض الدول العربية.

وفق قراءته، فإنّ رئيس السلطة ورئيس فتح، محمود عباس بقي المتحكم الأول في تفاصيل الحركة وقراراتها، رغم أنّ فتح، منذ المؤتمر السابع وحتى اليوم، "كانت غير نشيطة وضعيفة وغير حاضرة"، فضلًا عن عجزها، وفق تعبيره، عن تقديم حلول قريبة أو بعيدة لملفات الانقسام والاستيطان ومدينة القدس وقطاع غزة.

وأشار عبده إلى أنّ عملية الإعداد للمؤتمر الثامن وإعادة ترتيب الهيكل التنظيمي للحركة بدأت فعليًا قبل سنوات، بما يخدم بقاء القيادة الحالية التي خرجت بعد المؤتمر، معتبرًا أنّ القيادة تتجه اليوم نحو "سياسة النأي بالنفس"، في ظل رغبة واضحة، بحسب قوله، بعدم الدخول في أي صدام مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي توصيفه لطبيعة التحولات داخل الحركة، اعتبر عبده أنّ فتح "أصبحت في خدمة ولاية الرئيس، ولم يعد الرئيس في خدمة ولاية الحركة"، مضيفًا أنّ النظام الداخلي للحركة بات أقرب إلى "النظام الرئاسي، كما أصبح طريق التسوية هو المسار الوحيد المعتمد سياسيًا وتنظيميًا".

كما قلّل من إمكانية إحداث تغيير فعلي عبر تركيبة المجلس الثوري واللجنة المركزية الجديدين، موضحًا أنّ صلاحيات المجلس الثوري "محددة ومعروفة، ولا تتجاوز كونه مجلسًا للنقاش والتداول". نافيًا أن يكون "برلمان فتح" كما يصفه بعض كوادر الحركة.

وامتدّ نقده إلى طبيعة النتائج التي أفرزها المؤتمر، إذ رأى أنّها كرّست "مركزية مطلقة" داخل الحركة، لا تسمح بأي تغيير في القرارات أو حتى بوجود معارضة داخلية قادرة على التأثير، معتبرًا أنّ القيادة الحالية تملك القدرة على “استيعاب ردود الفعل واحتواء أي تكتل تنظيمي”.

وفي السياق ذاته، توقّع عبده ألّا يكون لأعضاء المجلس الثوري واللجنة المركزية الجدد تأثير فعلي داخل الحركة أو خارجها، سواء على المستوى التنظيمي أو القيادي أو في صناعة القرار، مضيفًا أنّ "النضال الفردي لا يجدي نفعًا في العمل الفلسطيني"، حتى وإن امتلك بعض الأعضاء تاريخًا نضاليًا على المستوى الشخصي.

وتوقف عبده عند قضية إقصاء قدورة فارس، معتبرًا أنّ ما جرى معه ليس استثناءً، بل امتداد لنهج متكرر طال "العشرات من الأشخاص سابقًا داخل المجلس الثوري واللجنة المركزية، حيث كانت الخلافات، تُدار غالبًا عبر المراضاة وتسوية الخلافات". وفي المقابل، رأى أنّ من شارك في المؤتمر عليه أن يقبل بنتائجه، حتى لو كان مقتنعًا بوجود "تزوير أو إقصاء"، لأنّ مشاركته بحد ذاتها تعني قبوله بقواعد العملية التنظيمية القائمة.

وذهب عبده إلى أبعد من ذلك في توصيف واقع الحركة، متسائلًا: "أقول للغاضبين داخل فتح: ماذا بيدكم أن تفعلوا؟ هل تريدون إصلاح فتح؟ لا يوجد شيء اسمه إصلاح فتح. كيف تريدون تطوير العمل التنظيمي وكل شيء تحت السيطرة الكاملة للاحتلال، وكل أمر صغير وكبير في السلطة وفي فتح يخضع للمراقبة الإسرائيلية". وأضاف: "لا يمكن تغيير اسم شخص في موقع قيادي إذا اعترض الاحتلال عليه"، ولذا، فإن السلطة الفلسطينية لن تنزلق إلى معركة مع الاحتلال".

بدوره، اعتبر القيادي في الحركة أبو علي يطّا في حديث مع شبكة قدس أنّ المؤتمرات الأخيرة، منذ المؤتمر السادس وحتى الثامن، كرّست نمطًا قائمًا على العلاقات الشخصية أكثر من اعتماده على المعايير التنظيمية والتاريخ النضالي. وأوضح أنّ الفائزين بعضوية المجلس الثوري واللجنة المركزية "هم الذين تربطهم علاقات شخصية ببعضهم البعض"، مضيفًا أنّ بعض من وصلوا إلى هذه المواقع "كانوا موظفين في المكاتب وليسوا كادرًا حركيًا تنطبق عليه المعايير التنظيمية".

وبحسب رؤيته، فإنّ المؤتمر الثامن لم يحمل أي مؤشرات على تغيير فعلي في المسار السياسي للحركة، بل بقي ضمن الإطار التقليدي ذاته، بما في ذلك ملف "المقاومة الشعبية" الذي قال إنه "يبقى مسقوفًا بما يسمح به الاحتلال، في ظل استمرار الاقتحامات اليومية للمناطق الفلسطينية وتوسّع الاستيطان وهدم المنازل".

وفي تقييمه لنتائج المؤتمر، رأى أبو علي يطّا أنّ الوجوه الجديدة التي أفرزتها الانتخابات "لن تجدّد شيئًا في فتح"، كما أنّ البرنامج السياسي لن يشهد أي تحوّل جوهري، مضيفًا أنّ بعض الفائزين قد يعتقدون أنهم قادرون على تقديم طرح مختلف، "لكن المجتمع الدولي لا يتيح لهم فعل أكثر مما هو قائم".

كما اعتبر أنّ النقاش الذي دار خلال المؤتمر حول تطوير البرنامج السياسي لم يكن سوى "خطاب إعلامي"؛ هدفه الإيحاء بوجود مسار إصلاحي داخل الحركة، موضحًا أنّ جميع المؤتمرات السابقة كانت تبدأ بحالة من الحماسة والوعود، "ثم تنتهي كما بدأت دون تغيير حقيقي".

وفي معرض إجابته عن جدوى عقد المؤتمر أصلًا، رأى أبو علي يطّا أنّ الرسالة الأساسية كانت موجهة إلى الخارج، وتحديدًا إلى المجتمع الدولي والدول العربية، عبر محاولة تقديم صورة عن الحركة باعتبارها "ديمقراطية وتسعى إلى الشفافية والإصلاح داخل أداء السلطة عبر الحزب الذي يديرها”. وأضاف أنّ المؤتمر جاء، في جانب كبير منه، "كشكل من أشكال الإرضاء لدول العالم والدول العربية"، مؤكدًا في المقابل أنّ "الواقع على الأرض لن يتغير كثيرًا".

وحذّر من أنّ انعكاسات المؤتمر قد تكون سلبية أكثر من كونها إيجابية، خصوصًا في ظل حالة الاحتقان التنظيمي التي سبقت انعقاده واستمرت بعده. وأشار إلى أنّ الخلافات التي كانت قائمة بسبب تهميش بعض القيادات تعمّقت أكثر بعد إعلان النتائج، ما أضاف، بحسب قوله، "مزيدًا من الغاضبين والساخطين الذين شعروا بالإقصاء"، في حين جرى "إرضاء فئة قليلة على حساب شريحة واسعة داخل الحركة".

وفي انتقاد لطبيعة الصعود التنظيمي داخل الحركة، قال أبو علي يطّا إنّ عددًا من الذين وصلوا إلى اللجنة المركزية منذ المؤتمر السادس "لم تكن لهم صلة فعلية بفتح، بل كانوا منشغلين في مجالات التجارة والاقتصاد والسفر، قبل أن يصلوا لاحقًا إلى مواقع قيادية وكأن شيئًا لم يكن". معتبرًا أنّ الأمر ذاته ينطبق على بعض أعضاء المجلس الثوري، بما يتعارض مع مبدأ "التدرج التنظيمي داخل الحركة".

كما توقّع ألّا يخرج أي من الأعضاء الجدد عن الخط السياسي القائم، موضحًا أنّ تركيبة اللجنة المركزية والمجلس الثوري ما تزال خاضعة للنهج ذاته، الأمر الذي يمنع ظهور أصوات تدعو إلى التصعيد أو الانتفاضة أو أي تغيير جذري، سواء بصورة علنية أو غير معلنة.

وختم أبو علي يطّا بالتأكيد على أنّ جميع من أفرزتهم مخرجات المؤتمر سيلتزمون بالبرنامج السياسي نفسه، القائم على السعي لإقامة الدولة الفلسطينية عبر "النهج السلمي ومطالبة المجتمع الدولي بدعم هذا المسار. وأي شخص يفكر في تصعيد لهجته وخطابه، إن سلم من الاحتلال، لن يسلم من قيادة الحركة التي لا تريد التصعيد".

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0