قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.
سبق لجريدة "واشنطن بوست" الأمريكية أن أحصت لترمب 30 ألفا و573 تصريحا غير دقيق خلال رئاسته الأولى، كان نحو ربعها (25%) تضخيم إنجازات وادعاءات نجاح!! وفي ولاية ترمب الحالية يرى المراقبون أنه تابع السلوك نفسه. وهذا يجعل من المستحيل على أي متابع أن يأخذ كل تصريحاته على محمل الجد.
لذلك، فإن فهم إدارة ترمب للحرب تحتاج إلى القراءة الحذرة لتصريحاته، وإلى التعامل مع عدد من العوامل المؤثرة على سلوكه وصناعة قراره، ومعرفة مجمل التعقيدات والتداخلات الفاعلة في ذلك.
العوامل المؤثرة
1. الطبيعة الشخصية لترمب: يمتلك الرئيس الأمريكي شخصية قوية واثقة إلى حد بعيد من نفسها، ويمارس إدارة مركزية لعمله، ويستخدم صلاحياته بشكل مفرط، وهو مسكون بعقلية التاجر القادر على عقد الصفقات، وبالرغبة في الإنجاز السريع. غير أن ثمة صفة أساسية مجمعا عليها لدى دارسيه، هي أنه غير قابل للتوقع "Unpredictable"، وهو ما يشتكي منه حتى أقرب مساعديه.
فإذا ما أضيف لذلك، طبيعته التي تميل للبقاء في مركز الحدث، فإن ذلك يجب أن يدفع المتعاملين معه، أو المتخصصين إلى الانتباه، ووضع كل صفاته (وليس صفة واحدة) في الاعتبار.
2. طريقة إدارة العلاقات الدولية: طور ترمب أسلوبه الخاص في إدارة علاقاته الدولية بحيث جمع بين المدرسة الواقعية والمدرسة المحافظة الانعزالية، ليعبر عن مدرسة "قومية شعبوية Populist Nationalism" أو "المدرسة الترمبية"، التي هي أقرب إلى العقلية التي سادت في البيئات الاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر، وقبيل الحرب العالمية الأولى.
وهي قائمة على أساس تحقيق المصالح العليا، في غياب كامل للمعايير الأخلاقية والإنسانية، والتعامل مع العالم كغابة، البقاء فيها للأقوى، أو كسوق كل شيء فيه قابل للبيع والشراء، مع استخدام أدوات الابتزاز والاحتكار والهيمنة، حيث يجتمع "الجشع والبراغماتية والقوة"؛ بعيدا عن المؤسسات الدولية، والقوانين العالمية، وحقوق الإنسان.
3. الخلفيات الدينية والثقافية: عندما يتعلق الأمر بالصراع في المنطقة العربية والإسلامية، وخصوصا قضية فلسطين، وإسرائيل ومكانتها ودورها وهيمنتها؛ فإن المسيحية الإنجيلية تصبح عنصرا فعالا في خلفيات التفكير والقرار. وترمب وفريقه (خصوصا وزير حربه هيغسيث) مسكونون بهذه الروح والاعتبارات. وهي وإن كانت ليست بالضرورة الاعتبار الحاكم دائما، فإنها عنصر له وجاهته إلى جانب العناصر الأخرى.
4. اللوبي الصهيوني: لا يزال للوبي الصهيوني دور فعال في صناعة القرار الأمريكي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفلسطين و"الشرق الأوسط"، وهو حاضر بقوة في فريق ترمب وإدارته وفي حزب المحافظين. وهو عنصر فاعل في دعم إسرائيل والحرب على إيران. وكما هو معروف، فقد كان لنتنياهو وللتقارير الإسرائيلية التي رفعت لترمب دور مهم في إقناعه بشن الحرب. كما تقبع في الظل "ملفات إبستين"، حيث تثار تساؤلات ما إذا تم استخدامها (وليس كل الظن إثما) في صناعة قرار ترمب، أو القرار الأمريكي في الحرب على إيران؟
5. الاتزان الإستراتيجي: يظهر أن قرار ترمب في الحرب على إيران، ورفع سقف الشروط والتوقعات، كان يفتقر إلى توفر معطيات حقيقية حول إيران وطبيعة نظامها السياسي، وطبيعة شعبها، وإمكاناتها الذاتية، وقدرتها على الصمود والتكيف، واستخدامها أوراق قوة مختلفة. كما كان يفتقر إلى القدرة على تقييم "الذات"، وإمكانية حسم الحرب بسرعة، والتكاليف والخسائر المحتملة، واستنزاف مخزون الصواريخ الهجومية والدفاعية، والقدرة على الدفاع عن الحلفاء.. وكلها أوقعت ترمب في حالة "انعدام اتزان إستراتيجي"، جعلت حساباته وتوقعاته مخالفة للحقائق على الأرض؛ وجعلته يصعد سلما يصعب النزول عنه.
6. الرأي العام الأمريكي: وهو عنصر له اعتباره، إذ إن غالبية الشعب الأمريكي غير راضية عن سياسة ترمب تجاه إيران. ووفق استطلاع أجرته "واشنطن بوست" و"إيه بي سي" ومعهد "إبسوس"، وأعلنت نتائجه مطلع مايو/أيار 2026، فإن 61% من الأمريكيين يرون استخدام القوة ضد إيران كان خطأ؛ وهناك فقط 20% يرون أن العمليات الأمريكية ضد إيران كانت ناجحة. بينما تراجعت نسبة دعم المجتمع الأمريكي لترمب إلى 36% فقط، وهي الأسوأ منذ بدء ولايته الثانية، حسب استطلاع وكالة "رويترز" الذي نشر في 21 أبريل/نيسان 2026.
كما تشير استطلاعات الرأي إلى فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم.
وبالطبع، فإن تكاليف الحرب (نحو 50 مليار دولار)، وزيادة أسعار الوقود، وفشل ترمب في فتح مضيق هرمز، وانعكاس الأزمة سلبيا على حياة المواطن الأمريكي، تمثل جميعها عنصر ضغط على الرئيس وصناعة قراره.
7. سلوك الحلفاء: خاض ترمب حربه ضد إيران منفردا إلى جانب إسرائيل، ولم يقم بعمل تحالفات تعطيه غطاء إقليميا أو دوليا. ولم يتمكن الأمريكان من توفير غطاء دولي في مجلس الأمن والأمم المتحدة لعدوانهم. ورفضت دول "الناتو" المشاركة في الحرب، كما رفض بعضها السماح للأمريكان باستخدام أجوائها؛ ورفضت دول الخليج المشاركة الرسمية في الحرب، التي تعرضت بناها التحتية للهجمات الإيرانية، بينما تعرض عدد من هذه الدول للحصار البحري؛ نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
وهو ما هز صورة أمريكا كقوة ذات مصداقية قادرة على الحماية والردع، كما تهاوت صورة إسرائيل في إمكانية أن تكون أساسا في معادلة الأمن الإقليمي. كل هذا بعكس الصورة التي أراد ترمب بناءها عن نفسه، وعن الولايات المتحدة، بعد أن أخذ الحلفاء الإقليميون يتلفتون يمينا وشمالا للبحث عن مصادر دعم محتملة؛ لتعزيز أمنهم القومي، حتى وإن ظلت أمريكا شريكا أساسيا.
مأزق ترمب
ليست المشكلة في قوة شخصية ترمب ولا في قدرته على الحسم واتخاذ القرار؛ فهو من أكثر الرؤساء في التاريخ الأمريكي ميلا للحسم وفرض السيطرة، وشطب الخصوم والمخالفين.
لقد أخذ ترمب نحو 200 قرار تنفيذي في الأيام الأولى لحكمه؛ وأقصى وعزل نحو 140 مسؤولا كبيرا خلال الفترة الماضية، وأعطى الضوء الأخضر لعزل رئيس أركان الجيش الأمريكي، بينما كانت الحرب على إيران في أوجها؛ وقبل ذلك نقل السفارة الأمريكية لشرقي القدس، واعترف بضم الجولان السوري لإسرائيل.
غير أنه بالرغم من تهديداته المتكررة بسحق إيران، وادعاءاته بانتصارات حاسمة، فإنه منذ إعلان الهدنة مع إيران في 8 أبريل/نيسان 2026 تجنب العودة للحرب، وفشل في فتح مضيق هرمز، ولم يتمكن من إخضاع الإيرانيين لتهديداته، واضطر لتمديد الهدنة على نحو متواصل.
تكشف النقاط السبع المشار إليها أعلاه أن ترمب أمام حالة معقدة تتداخل فيها مجموعة عوامل، لا تتناسب معها رغباته في فرض إرادته وتحقيق انتصارات سريعة وحاسمة. هنا تظهر الفجوة بين "الرغبة" وبين "القدرة".
بينما يكمن جوهر المأزق في أن حسابات ترمب لم تكن صحيحة في إخضاع النظام الإيراني، وأن نتنياهو وداعميه في الإدارة الأمريكية نجحوا في جره إلى حرب أصعب بكثير من توقعاته، وأنه صعد سلما لا يسهل الثبات عليه، عندما تحدث عبر منصة "تروث سوشيال" بعد بضعة أيام من الحرب عن "استسلام غير مشروط" لإيران، وأن المرحلة التالية ستشمل اختيار قيادة جديدة ومقبولة لإيران.
وكرر الحديث بعد ذلك عن تبخر القيادة الإيرانية، وعن تدمير الجيش الإيراني والحرس الثوري ومقدراتهما. ثم وجد نفسه أمام حقائق مرّة أبسطها تماسك النظام السياسي، وقدرته على ترتيب أوراقه، والفشل على مدى عشرات الأيام التالية للهدنة في فتح مضيق هرمز، وتعويض الإيرانيين للكثير من خسائرهم؛ وصلابة المفاوض الإيراني.
إستراتيجية خروج لحفظ ماء الوجه
فقدت تصريحات ترمب وتهديداته الكثير من مصداقيتها، كما فقدت أساليبه في التهديدات العسكرية والاقتصادية تأثيرها، ولم يعد الوقت يلعب لصالحه. ولذلك، أصبح بحاجة إلى "إستراتيجية خروج" تحفظ له ماء الوجه.
ويجري الحديث عن الوصول إلى اتفاق إطار أو اتفاق مبادئ، يفكك فيه أزمة إغلاق مضيق هرمز وأزمة حصار الموانئ الإيرانية، لتتبعه خريطة طريق لمفاوضات لاحقة بشأن البرنامج النووي الإيراني. وغالبا ما سيبقي على عدد من العقوبات على إيران، حتى لو توصل إلى اتفاق إطار، لاستخدامها كأدوات ضغط تفاوضية.
وربما يتم الحفاظ على حالة من التوتير، التي تهدد بالعودة لاستخدام القوة. ولكن ترمب، في كل الأحوال، سيخفض سقف توقعاته بشأن إسقاط النظام، أو الإغلاق التام للملفين النووي والصاروخي الإيرانيين. ولأن إيران تريد إنهاء الحرب ورفع الحصار فإنها قد تقدم بعض التنازلات، التي تسهل آلية خروج مناسبة لترمب، ولكن لا تضر بما ترى أنها حقوقها السيادية.



