مئات النشطاء ركبوا البحر نحو غزة باسم “أسطول الصمود”؛ المسمى الذي اختاروه لإصرارهم على عدم الاستسلام لجرائم الحرب والإرهاب الإسرائيلي الذي لم يتوقف ساعة.
أسطول الصمود يشبه في عناده صلابة أهل غزة المنكل بهم، فالنشطاء الذين ركبوا البحر حملوا أرواحهم ومستقبلهم على أيديهم ليكسروا جدار الصمت الدولي، وليُسمعوا صوت المجوعين في غزة.
المذبحة لم تتوقف
ربما يعتقد البعض أن حرب الإبادة على قطاع غزة توقفت في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2025، يوم أعلن الرئيس دونالد ترمب عن خطته لوقف إطلاق النار، ذلك الاتفاق الذي شهدت عليه نحو 20 دولة في احتفالية شرم الشيخ التي نشأ في ظلالها مجلس السلام لنشر السلام في العالم، دون أن يمر بغزة المذبوحة.
حراك، ومواقف، وهياكل وظيفية تم التنظير لها باسم مجلس السلام لإدارة قطاع غزة، ووعود بدفعة أولى تقدر بـ 15 مليار دولار لإنقاذ المدنيين من وحش التجويع والمرض، وغبار الزمان الذي لف غزة بفعل فاعل.
لكن واقع الحال لم يكن كذلك، فإسرائيل تنصلت كعادتها من كل التزام، بعد أن حققت هدفها بإطلاق سراح أسراها الأموات والأحياء؛ فبقيت غزة محاصرة والمعابر موصدة أمام المرضى، والطلاب، وأصحاب الحاجات، والمؤسسات، الدولية والصحافة العالمية.
عالم ضيق ومظلم تعيشه غزة المذبوحة، فحسب إحصاءات المكتب الحكومي لم يتجاوز ما دخل القطاع من المواد الغذائية والمستلزمات الإغاثية نسبة 37% مما نص عليه الاتفاق، بالتوازي مع إغلاق المطبخ الأمريكي، واستهداف المطابخ والتكيات بالقصف الجوي، لوقف إمداد الفقراء والمجوعين بمصادر البقاء على قيد الحياة التي تنسل من أيدي الأطفال والعائلات والشعب النازح في أرضه المسلوبة.
لم يتوقف الأمر عند سياسة التجويع، وعصر الأمعاء، فقد عمد جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى قتل الفلسطينيين منهجيا، حتى اقترب عدد الشهداء من 900 شهيد، والجرحى نحو 2500، منذ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حتى العاشر من أيار/مايو 2026.
كما وسع الجيش الإسرائيلي نطاق احتلاله المباشر للأرض في قطاع غزة، أثناء وقف إطلاق النار، ليصبح ما نسبته 60% من المساحة بيد الاحتلال، وليدفع بـ 2.25 مليون فلسطيني إلى شريط ساحلي يلفه الخوف والإرهاب القادم من البحر عبر الزوارق الحربية، ومن السماء عبر المسيرات الهجومية.
حرب الإبادة لم تتوقف والمذبحة مستمرة بعيدا عن الأضواء وفي زحمة الأحداث وانشغال العالم بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
رهينة سياسية
من نافلة القول أن إسرائيل لم تلتزم باستحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار؛ فعدد المرضى الذين ما زالوا ينتظرون الخروج للعلاج نحو 20 ألفا، ناهيك عن منع إدخال مستلزمات الإيواء؛ بسبب الدمار الذي طاول نحو 85% من البنى التحتية والمساكن.
المفارقة السياسية أن المدير التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف، المكلف بمتابعة تنفيذ الاتفاق والإشراف على إدارة قطاع غزة “مؤقتا”، لم يبذل جهدا لإلزام إسرائيل بما عليها، بل عمد في خطابه الأخير أمام مجلس الأمن الدولي إلى تحميل الفلسطينيين وحركة حماس وفصائل المقاومة، مسؤولية التعثر وعدم المضي في طريق إعمار ما دمره الاحتلال بسبب رفضهم تسليم السلاح، حسب قوله.
جاء ذلك الموقف على خلفية جلسات الحوار في القاهرة بين فصائل المقاومة الوطنية وميلادينوف، حيث أصر الأخير على تسليم السلاح والإقرار بذلك مدخلا للإغاثة والإعمار، ورفض أن يكون ذلك أساسا للنقاش والحوار بالتوازي مع إلزام الاحتلال باستحقاقات المرحلة الأولى.
ما يعني أن إسرائيل أنهت ملف الجنود الأسرى في المرحلة الأولى، ولم تلتزم باستحقاقاتها، والآن تسعى عبر ميلادينوف إلى نزع سلاح المقاومة توطئة لوعد ببدء الإعمار في المرحلة الثانية، والالتزام بإدخال المساعدات، وفتح المعابر حسب المتفق عليه في المرحلة الأولى التي تحولت إلى مسار مفتوح بلا أفق.
فإذا كان مجلس السلام عجز أو صمت عن إلزام إسرائيل باستحقاقات المرحلة الأولى بعد إيفاء الفلسطينيين بالتزاماتهم، فما الذي سيغير سلوك الاحتلال إن سلم الفلسطيني سلاحه؟ وما الضامن في ظل التجربة المرة والمكررة مع الاحتلال؟
ففي ذلك مدعاة للخشية من استمرار الاحتلال في عمليات القتل والتنكيل والتجويع؛ بهدف تهجير الفلسطينيين والسيطرة على أرضهم وإنهاء القضية الفلسطينية، بالتوازي مع ما يجري في الضفة الغربية من تقويض لهوية السلطة الفلسطينية السياسية، وسيطرة الاحتلال على الأرض وتهويد القدس، والتنكيل بالفلسطينيين على يد مليشيا المستوطنين المدعومين من جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية.
وفي هذا السياق، فقد صرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بقوله: “الحرب يجب أن تنتهي بتغيير حدود إسرائيل في غزة والضفة، ولبنان، وسوريا، ولا أهتم بعدد القتلى من الأعداء، وما يعنيني هو السيطرة على مساحات واسعة من الأرض”.
ما يشير إلى أن الفلسطيني ما زال يراوح مكانه بين سندان التجويع والموت ومطرقة التهجير من الأرض التي يسعى الاحتلال إلى السيطرة عليها كجزء من مشروعه الاستيطاني الإحلالي.
الاحتلال لا يزال يعمل على تنفيذ أجندته السياسية بالسيطرة على الأرض بدون سكانها عبر القتل الممنهج قصفا أو تجويعا، أو عبر خلق بيئة طاردة وغير قابلة للحياة، لبث اليأس في نفوس الفلسطينيين ومن ثم دفعهم إلى الهجرة قسرا، بأساليب وآليات شتى.
ما يعيب مجلس السلام أنه بصمته، يعطي الموافقة ضمنا على استمرار سياسة التجويع والتنكيل والحصار؛ لتحقيق أهداف الاحتلال السياسية، ما يجعل من الفلسطيني مادة لمختبرات الموت؛ لتحقيق أهداف المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة.
ما جرى في غزة وصمتت عليه الدول يجري الآن في جنوب لبنان بنفس الوتيرة والمنهجية، بتدمير القرى والبلدات بعد تهجير أهلها قسرا، ومن بقي منهم لا يكترث الاحتلال بقتلهم، ما دام سيف المحاسبة غائبا عن المشهد الدامي، حيث إسرائيل كيان فوق القانون.
المناورة وانعدام اليقين
مع تراجع مفاعيل القانون الدولي ودور الأمم المتحدة، واندثار العملية التفاوضية واتفاقيات أوسلو، ومع محدودية القوة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال المندفع نحو الحسم الوجودي، لم يبق أمام الفلسطيني إلا مساحات ضيقة للمناورة لكسر موجة التطرف والجنوح الإسرائيلي في هذه المرحلة المعقدة، ومن ذلك:
أولا: حرمان الاحتلال من الشرعية؛ برفض الفلسطيني، صاحب الحق الأصيل، الاعتراف بسياسة الأمر الواقع الاحتلالية أو مفاعيلها، فما يقوم به الاحتلال غير شرعي وباطل قانونا مهما طال الزمن. وهذا يعني بالضرورة تمسك الفلسطيني بحق الأجيال في الأرض والمقدسات، ورفض التهجير، ورفض التنازل عن مبدأ حق الشعب في المقاومة بكافة أشكالها وفق القانون الدولي.
ثانيا: إعادة تفعيل الحوارات الوطنية الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس وكافة الفصائل الوطنية، للتوافق على برنامج وطني وآليات مواجهة الاحتلال على كافة الصعد المتاحة.
ثالثا: استثمار التعاطف الدولي لا سيما على مستوى الشعوب التي اكتشفت حقيقة الاحتلال الإرهابية البشعة، وتفعيل الحراكات الشعبية لنزع شرعية الاحتلال أمام العالم، والضغط عليه عبر الحكومات الغربية تحديدا؛ لوقف جرائمه الوحشية بحق الشعب الفلسطيني، وفي ذلك آليات سياسية وقانونية واقتصادية متعددة.
وهذا يحتاج إلى توفير شبكة أمان عربية وإسلامية عبر جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وعبر العديد من الدول الفاعلة كمصر، وقطر، والسعودية، وتركيا، والجزائر، والأردن، وغيرها من الدول التي لها باع مهم في القضية الفلسطينية، وسياقات الصراع مع الاحتلال.
الاحتلال خلال الأشهر القادمة، وقبيل انتخابات الكنيست (البرلمانية) سيعمد إلى التصعيد ضد الفلسطينيين كورقة انتخابية، ما يستدعي مزيدا من التماسك الداخلي، وبذل المزيد من الجهد مع الدول العربية والإسلامية والشعوب الصديقة، لتجاوز هذه الفترة العصيبة بأقل الخسائر، مع الاهتمام والسعي الحثيث لتنظيم الفلسطينيين أوراقهم السياسية؛ استعدادا لمرحلة قادمة غامضة، كالغموض وانعدام اليقين اللذين يلفان الشرق الأوسط والعالم على حد سواء.



