شبكة قدس الإخبارية

عيون "إسرائيل" العمياء.. من صدمة الطوفان إلى مفاجآت حزب الله وإيران

9-1720433283
أحمد مولانا

منذ سبتمبر/أيلول 2024، روجت المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لنجاح تفجيرات أجهزة البيجر واللاسلكي، وصولا إلى اغتيال عدد كبير من قيادات الصف الأول في الحزب على رأسهم الأمين العام حسن نصر الله. وبدا أن تل أبيب استعادت تفوقها الاستخباري بعد الصدمة التي تلقتها صبيحة هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لكن مفاجآت جديدة برزت مع تطورات الحرب الحالية مع إيران، وانخراط حزب الله فيها، فقد أقر قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي رافي ميلو، خلال لقاء جمعه مع سكان مستوطنة مسغاف عام في الجليل الأعلى قرب الحدود اللبنانية، بأن الجيش فوجئ بقدرة حزب الله على التعافي، قائلا: "هناك فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعليا".

عززت هذه التصريحات تقارير وتقييمات استخبارية كشفت عنها صحيفة هآرتس، وتشير إلى وجود فجوة بين الرسائل العلنية التي يطلقها الجيش، والصورة الاستخبارية الفعلية على الأرض في جنوب لبنان، ما يعني أن الحديث لا يقتصر على وجود أخطاء في التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية نتيجة إخفاقات فردية بقدر ما يشير إلى خلل في قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على قراءة الواقع بدقة.

تكررت الإشكالية ذاتها في سياق آخر أكثر خطورة يتعلق بالملف الإيراني، وفقا لما كشفته صحيفة نيويورك تايمز في تقرير مطول عن كيفية اتخاذ قرار الحرب على إيران. فقد عرض وفد إسرائيلي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض خلال اجتماع عقد في 11 فبراير/شباط 2026 صورة توحي بإمكانية تحقيق نصر شبه مؤكد في حال شن حرب على إيران.

استندت هذه الصورة إلى تقديرات استخبارية إسرائيلية تقلل من قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز أو توجيه ضربات للمصالح الأمريكية في المنطقة، إلى جانب التأكيد أن تقديرات الموساد تشير إلى أن الاحتجاجات الشعبية داخل إيران ستندلع مجددا، وأن حملة قصف مكثفة، مدعومة بتحركات سرية لإثارة الاضطرابات والتمرد، قد تهيئ الظروف لتمكين المعارضة الإيرانية من إسقاط النظام في طهران.

ومع تعثر تحقيق الأهداف المعلنة، بدأت ملامح أزمة داخلية تطفو إلى السطح داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فقد كشف موقع إنتليجنس أونلاين الفرنسي عن تبادل للاتهامات بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المختلفة، في ظل سعي كل منها إلى نفي مسؤوليته عن التقديرات التي سبقت الحرب.

فقد لجأ مقربون من رئيس جهاز الموساد ديفيد برنيع إلى اطلاع صحفيين متخصصين في الشؤون الدفاعية على رواية الجهاز بهدف مواجهة السردية التي يروج لها منتقدوه. وتقول الرواية إن الموساد وضع تصورا إستراتيجيا متكاملا يقود إلى تغيير النظام الإيراني عبر دفع قطاعات كبيرة من السكان إلى الخروج في احتجاجات جماهيرية في المدن الإيرانية، على أن يحدث هذا في مرحلة ما بعد الحرب، بعد أن يدرك الرأي العام الإيراني حجم الدمار الذي تسببت به الضربات الأمريكية والإسرائيلية. ووفقا لما أوردته المجلة الفرنسية، كان من المفترض أن ينفذ المخطط على مدى زمني يصل إلى عام كامل.

تكشف هذه النماذج جميعها عن نمط يتجاوز حدود الخطأ العارض أو سوء التقدير الظرفي. فالفجوة المتكررة بين التصورات الاستخبارية الإسرائيلية والواقع الميداني، سواء في لبنان أو في إيران، تفتح الباب أمام تساؤل يتعلق بطبيعة الفشل داخل المنظومة الاستخبارية الإسرائيلية: هل هو نتيجة إخفاقات متفرقة تفرضها تعقيدات البيئة الأمنية؟ أم يرتبط بمشاكل راسخة تتعلق بطريقة عمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية؟

إجابة فرنسية

حاول كليمنت رينو، الباحث الفرنسي في الاستخبارات والحرب والإستراتيجية، تقديم إجابة على التساؤلات أعلاه في دراسة مطولة نشرها عام 2025 في معهد البحوث الإستراتيجية بعنوان "المراقبة عن بعد: أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وفشل السابع من أكتوبر"، وهو معهد بحثي تابع لوزارة القوات المسلحة الفرنسية، ويعد مركز البحوث الرائد في دراسات الحرب في العالم الناطق باللغة الفرنسية.

انطلق رينو من نقطة أساسية، وهي أن الإخفاق الاستخباري الإسرائيلي لم يحدث بسبب غياب المعلومات. فقد توفرت لدى الأجهزة الإسرائيلية قبل هجوم 7 أكتوبر مؤشرات متعددة، شملت تدريبات عسكرية لحماس على اقتحام مستوطنات، وتحذيرات من مصادر بشرية، وإشارات تقنية من بينها تفعيل المئات من شرائح الاتصالات الإسرائيلية في غزة ليلة الهجوم، فضلا عن تنبيهات خارجية من دول إقليمية. لكن هذه المعطيات لم تتحول إلى تقدير استخباري يعكس خطورة التهديد.

على مستوى جمع المعلومات، يلفت رينو إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية واجهت قيودا، خاصة فيما يتعلق بالاستخبارات البشرية داخل قطاع غزة بعد الانسحاب منه عام 2005، مما دفعها للاعتماد أكثر على الوسائل التقنية. غير أن هذا الاعتماد تعرض للإعطاب بعدما طورت حماس أساليب مضادة، أبرزها استخدام الاتصالات السلكية داخل الأنفاق، وبث إشارات مضللة عبر قنوات الاتصالات التي تراقبها إسرائيل، ما أدى إلى إضعاف قدرة الأجهزة الإسرائيلية على التقاط المؤشرات التي تؤكد قرب شن الهجوم.

يؤكد رينو أن تلك العوامل لا تكفي لتفسير الفشل. فالمشكلة الأهم ظهرت في مرحلة التحليل، حيث سيطرت مجموعة من الافتراضات المسبقة على محللي الاستخبارات الإسرائيليين. ومن أبرزها الاعتقاد بأن حركة حماس باتت تفضل الحفاظ على وضعها في غزة بدلا من المخاطرة بمواجهة كبيرة. ونتيجة لذلك، جرى تفسير العديد من المؤشرات على أنها تحركات روتينية أو تدريبات لا ترقى إلى مستوى التحضير لهجوم فعلي.

ترجع هذه المشكلة إلى الثقة الكبيرة في فعالية منظومة المراقبة الإسرائيلية، بما فيها الجدار الأمني والتقنيات المتقدمة المستخدمة فيه، ما عزز الاعتقاد بأن أي هجوم من غزة لا يمكن أن يحدث دون اكتشافه مسبقا. وجعلت هذه القناعة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، مثل الشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" تميل إلى استبعاد التحذيرات التي لا تتوافق مع التصور السائد، حتى مع تزايد الإشارات قبل الهجوم بساعات.

على المستوى التنظيمي، يشير رينو إلى أن بنية الاستخبارات الإسرائيلية نفسها ساهمت في المشكلة. إذ إن توزيع المهام بين أجهزة متعددة، مثل الشاباك وأمان، دون وجود جهة مركزية تجمع التقديرات، أدى إلى تشتت المعلومات وعدم دمجها ضمن رؤية موحدة. كما أن التنافس البيروقراطي داخل الأجهزة، إلى جانب الحذر من رفع تحذيرات كبيرة قد تتحمل مسؤوليتها القيادات، ساهم في إضعاف الاستجابة.

أما على المستوى السياسي، فيرى رينو أن العلاقة بين القيادة السياسية والأجهزة الاستخبارية لعبت دورا مهما. فقد جاء الهجوم في ظل أزمة داخلية حادة في إسرائيل عام 2023، حيث انشغلت القيادة بملفات داخلية مثل تشريعات الإصلاح القضائي، ما قلل من الاهتمام بالتحذيرات الأمنية. كما أن التقديرات الاستخبارية نفسها كانت منسجمة إلى حد كبير مع التصور السياسي السائد الذي اعتبر أن غزة تحت السيطرة، وأن التهديد الرئيسي يأتي من جبهات أخرى مثل لبنان والضفة الغربية، فضلا عن إيران.

ويخلص رينو إلى أن الفشل الاستخباري الإسرائيلي في 7 أكتوبر حدث نتيجة اجتماع عدة عوامل: قيود في جمع المعلومات، وافتراضات تحليلية لم يتم التشكيك فيها، وتشتت تنظيمي، وتأثير سياسي على التقدير الاستخباري، وتضليل وخداع ناجحة قامت بها حركة حماس، أنتجت جميعها في النهاية حالة عجزت فيها الاستخبارات الإسرائيلية عن فهم ما يحدث حولها.

إجابات من الداخل

اعتنى خبراء الاستخبارات الإسرائيلية من الضباط المتقاعدين والباحثين بتقديم إجابات أعمق للأسئلة أعلاه، ومن أبرزها سلسلة مقالات نشرت بالتعاون بين "مركز تراث الاستخبارات" ومجلة معراخوت، ثم جمعت في كتاب، وقد ترجمه إلى اللغة العربية مركز "عماد للأبحاث والترجمة" بعنوان "الاستخبارات والسابع من أكتوبر".

ويعد مركز تراث الاستخبارات أحد المؤسسات المعرفية الرئيسية ضمن هيكل الأمن الإسرائيلي، حيث يرتبط بشبكات من ضباط سابقين وخبراء أمنيين، ويضطلع بدور يستهدف جمع وتوثيق تاريخ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وتحليل الخبرة الاستخبارية المتراكمة واستخلاص الدروس منها، ونشر دراسات وأبحاث تتعلق بالفكر الاستخباري والإخفاقات والنجاحات.

فيما تمثل معراخوت منصة الفكر العسكري الأبرز في إسرائيل، فهي مجلة تصدر عن الجيش الإسرائيلي، وتؤدي دورا محوريا في بلورة النقاشات الإستراتيجية والعملياتية داخل المؤسسة العسكرية. وتنشر المجلة مقالات لضباط وباحثين تتناول قضايا العقيدة القتالية والحروب الحديثة والدروس المستفادة من التجارب الميدانية، بما يمنحها مكانة خاصة كجسر بين التفكير النظري وصناعة القرار العملي. ومن ثم يهدف التعاون بين "معراخوت" و"مركز تراث الاستخبارات" إلى تحويل الخبرة الاستخبارية إلى نقاش يسهم في إعادة تشكيل التصورات الأمنية، وتوجيه مسارات التطوير داخل الجيش الإسرائيلي.

يشير العقيد احتياط آساف هيلر، الذي خدم في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" في مجالات تحليل الأداء، إلى أن الفشل الاستخباري في 7 أكتوبر يرجع إلى تغير الدور الذي تلعبه "أمان" من التقدير الاستخباري وفهم العدو وتقديم إنذار مبكر، إلى التركيز على مفهوم الإنهاك السريع، الذي يقوم على استهداف مقدرات الخصم عبر آلاف الضربات في بداية الحرب، اعتمادا على بنك أهداف ضخم.

يعزو هيلر هذا التحول إلى تغير البيئة العملياتية، حيث تراجع خطر الجيوش النظامية العربية، وبرزت تنظيمات مسلحة تمتلك قدرات نارية متطورة في غزة ولبنان، بالتوازي مع ظهور التهديد الإيراني. وفي ضوء ذلك، خلص الجيش الإسرائيلي إلى أن المناورة البرية لم تعد النهج الرئيسي لعملياته، واتجه إلى نموذج يعتمد على الضربات الجوية الدقيقة والمكثفة. ومن ثم تم تطوير مفهوم "الدمج العملياتي"، الذي يقوم على رصد التهديدات في الزمن الحقيقي وتحويلها مباشرة إلى أهداف تقتنص بسرعة. كما تم إدخال نموذج "القتال الصناعي" الذي يعتمد على أتمتة عمليات جمع المعلومات ومعالجتها وتوزيعها، بما يسمح برفع وتيرة الضربات وزيادة دقتها.

لقد عززت تلك المفاهيم الكفاءة العملياتية، لكنها غيرت طريقة التفكير داخل "أمان". فقد أصبحت قيمة الأداء تقاس بعدد الأهداف التي تحدد وتستهدف، وبسرعة التنفيذ، بينما تراجع الاهتمام بالأسئلة التي تتعلق بفهم العدو ودوافعه وسلوكه وإستراتيجيته. على سبيل المثال، فيما يتعلق بقطاع غزة، انصب التركيز على تحديد مواقع الصواريخ، ومسارات الأنفاق، وشبكات الاتصال، ضمن مسائل يمكن التعامل معها عبر أدوات جمع المعلومات دون الحاجة إلى تحليل معمق. ومع مرور الوقت، أثر هذا التحول على الكوادر البشرية، فقد توجه الضباط الأكفاء نحو مهام تحديد الأهداف، التي أصبحت في صدارة أولويات "أمان"، ما قاد إلى تطوير المهارات التشغيلية مقابل تراجع مهارات التفكير التحليلي والنقدي.

ولذا أصبح ضابط الاستخبارات الإسرائيلي أكثر قدرة على الإجابة عن أسئلة جزئية دقيقة، لكنه أقل قدرة على بناء صورة شاملة. وأدى التقدم التكنولوجي، خاصة في مجالات الحرب السيبرانية والبيانات الضخمة، إلى تدفق معلومات دقيقة ومباشرة، ما عزز الاعتماد على المعلومة ذاتها، وأضعف الحاجة إلى تفسيرها. فكلما زادت دقة المعلومات، قل الاعتماد على التحليل. ومع تدفق كميات كبيرة من المعلومات الدقيقة، ترسخ وهم السيطرة الكاملة على الواقع وفهم سلوك حركة حماس، وتراجع الإحساس بإمكانية حدوث مفاجأة.

وقد عبر العميد عميت ساعر، رئيس قسم البحوث في شعبة الاستخبارات "أمان" وقت هجوم طوفان الأقصى، عن هذه الحالة بوضوح حين أشار إلى أن المشكلة تمثلت في عدم فهم ما كان يجري داخل حماس على مدار سنوات، حيث إن التركيز على الكفاءة التشغيلية، وعلى إنتاج الأهداف، أضعف القدرة على إدراك التحولات داخل الحركة، ما أثر على الوظيفة الأساسية لأي جهاز استخباري، والمتمثلة في تقديم تقدير دقيق حول قدرات وتوجهات الخصم، وإنذار مبكر عن الهجوم الذي قد يقوم به قبل حدوثه.

بنية استخبارية مجزأة

تشير العقيد احتياط شاريت شافيرا، التي شغلت منصب رئيسة منظومة العلوم السلوكية في "أمان"، إلى أن الإخفاق الاستخباري يرتبط أيضا بالثقافة التنظيمية التي تنتج التقديرات داخل شعبة الاستخبارات، والتي تصفها بأنها منظمة معقدة وغير متجانسة، تضم وحدات متعددة لكل منها ثقافتها الخاصة، إلى درجة أن بعض هذه الوحدات لا تعرف تفاصيل عمل الأخرى.

على مدار سنوات، شاع اعتقاد صحيح نسبيا أن "أمان" تضم عدة كيانات تعمل جنبا إلى جنب، ما يجعل إنتاج صورة استخبارية موحدة تحديا دائما. فالعزل بين الأجزاء، الذي يستخدم أحيانا لأسباب أمنية، ساهم في إضعاف القدرة على بناء فهم مشترك، وتحويل المعلومات المتفرقة إلى تقدير موحد.

بالتوازي، شهدت الشعبة تحولا في طبيعة دورها. فبعد أن كان تركيزها الأساسي على التقدير الاستخباري الشامل في إسرائيل، ارتبطت مهمتها بشكل أكبر بدعم تنفيذ الهجمات التي يشنها الجيش. ونتيجة لذلك، تغيرت الثقافة السائدة داخلها، ونتجت ثقافة تركز على الإنجاز والنتائج السريعة مع نوع من الثقة المفرطة، وصولا إلى الاستهانة بقدرات الخصم، مقابل تراجع قيمة النقاش الإستراتيجي والفهم التاريخي والمعرفة التراكمية.

وأصبح ينظر إلى الجدل والنقد على أنه عائق أمام الفاعلية بدلا من اعتبارهما أدوات لتحسين التقدير الاستخباري، ما جعل عناصر الاستخبارات أقل استعدادا لطرح آراء مخالفة، أو التشكيك في التقديرات السائدة، خشية التأثير على مكانتهم المهنية. ومع غياب النقاش النقدي، تراجعت القدرة على اختبار الفرضيات أو مراجعتها.

يشير ضابط الشاباك السابق شارون طال، في الفصل الذي دونه في الكتاب، إلى أن الإخفاق الاستخباري في غزة يرتبط بطبيعة البنية المجزأة التي عملت من خلالها الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية مع غياب مركزية واضحة. وتعود هذه البنية إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث جرى تقسيم العمل وفق أساس جغرافي: الشاباك مسؤول عن الأمن في الداخل، و"أمان" عن الجبهات العسكرية والدول المجاورة، والموساد عن العمليات في الخارج. ورغم استمرار هذا التقسيم، فإن التغيرات التي طرأت على طبيعة التهديدات جعلت هذه الحدود أقل وضوحا، ما أدى إلى تداخل الأدوار بين الأجهزة.

ظهر هذا التداخل بوضوح في الساحة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو، ثم الانسحاب من غزة عام 2005، حيث تغير الوضع القانوني والسياسي للقطاع ولم يعد تحت الاحتلال الإسرائيلي. وكان يفترض نقل القطاع إلى نطاق عمل "أمان" بدلا من الشاباك، ومع ذلك، أبقيت مسؤولية غزة بيد الشاباك بسبب خبرته الممتدة في القطاع، ما أدى إلى نشوء نموذج مشوه: جهاز أمن داخلي يتولى إدارة ساحة تعامل كأرض معادية.

خلق هذا النموذج مشكلة. فمن جهة، يعتمد الشاباك في عمله على السيطرة الميدانية التي تتيح الاعتقال والتحقيق وتجنيد المصادر، وهي أدوات لم تعد متاحة في غزة بعد الانسحاب منها. ومن جهة أخرى، لم تنقل المسؤولية إلى جهاز يمتلك أدوات العمل في بيئة خارجية. ولذا تراجعت قدرة الشاباك على جمع المعلومات البشرية داخل القطاع، خاصة مع صعوبة الوصول الميداني، وتقييد عمليات الاعتقال والتحقيق، واقتصارها على حالات محدودة، فضلا عن تحسين حماس لإجراءاتها الأمنية ومنظومة مكافحة التجسس، ما أدى لتراجع القدرة على فهم تطور حماس، خاصة في مجالات مثل الأنفاق والتصنيع العسكري والبنية التنظيمية.

أثرت أيضا أولويات الأمن القومي الإسرائيلي على توزيع الجهد الاستخباري. فبعد حرب لبنان 2006، ومع تصاعد التهديد من حزب الله وإيران، تم توجيه الموارد بشكل متزايد نحو هذه الجبهات، على حساب غزة، التي تراجعت في سلم الأولويات. أما السياسة تجاه غزة فاعتمدت على إدارة الصراع من خلال جولات قتالية دورية تهدف إلى إبقاء حماس ضعيفة لكن قادرة على السيطرة على القطاع، ومن ثم ركزت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على التهديدات اليومية، مثل إحباط العمليات والحفاظ على التهدئة، دون مراجعة شاملة للسياسة المتبعة، ما أسفر عن صورة استخبارية غير مكتملة لم توضح حجم التغيرات داخل حماس.

العاصفة المثالية

يطرح العميد احتياط يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لقسم البحوث في "أمان"، تفسيرا يقوم على أن الفشل الاستخباري في 7 أكتوبر حدث نتيجة تراكم إخفاقات متعددة تفاعلت معا في وقت واحد، مثل ترسخ تصور خاطئ عن العدو، والثقة المفرطة بالقدرات، وتراجع أدوات الإنذار الاستخباري، وضعف النقاش الداخلي، وفجوات التغطية الاستخبارية، وأخطاء إدارة مؤشرات الإنذار، ما أدى إلى حدوث ما يطلق عليه "العاصفة المثالية".

ويعزو كوبرفاسر الإخفاق الأول إلى غياب الإنذار، فعلى المستوى الإستراتيجي، لم تشخص نية حماس في شن هجوم كبير، واستمر تصويرها على أنها تركز على إدارة قطاع غزة وتحسين الأوضاع فيه. وعلى المستوى العملياتي، لم يتوقع حدوث الهجوم رغم وجود خطة حمساوية مطابقة معروفة لدى الاستخبارات الإسرائيلية باسم "سور أريحا".

وعلى المستوى التكتيكي، لم تترجم المؤشرات في الساعات الأخيرة مثل تفعيل شرائح الاتصال، وتشغيل مقار الطوارئ لدى حماس، ورصد نشاط غير اعتيادي في منظومة الصواريخ لدى كتائب القسام، إلى إنذار أو إجراءات ميدانية، مثل رفع الجاهزية أو تعزيز القوات.

أما الإخفاق الثاني فتمثل في تقييم الردع، إذ اعتقدت المنظومة أن حماس لا ترغب في التصعيد، بينما كانت الحركة ترى في المواجهات السابقة فرصة لبناء قدراتها، وتعمل على تطوير خطة تعتمد على المفاجأة والهجوم.

وأخيرا، كان الإخفاق الثالث في تقدير قدرات الاستخبارات نفسها، فقد افترضت الأجهزة أنها تمتلك وصولا كافيا إلى المعلومات المهمة داخل حماس، وأنها قادرة على معرفة ما تريد معرفته في الوقت المناسب. وعزز هذا التقدير الثقة في الفرضيات القائمة، رغم وجود معلومات تناقضها، مثل التدريبات المتكررة لكتائب القسام على اقتحام المستوطنات في غلاف غزة.

وعلى المستوى المهني، يتحدث كوبرفاسر عن فجوات إضافية، منها تراجع المعرفة العميقة بثقافة الفلسطينيين وفصائل المقاومة، نتيجة انخفاض عدد الباحثين الإسرائيليين المتخصصين في اللغة والثقافة العربية، إلى جانب قصر فترات خدمة الضباط والجنود في المناصب البحثية، ما حد من تراكم الخبرة في هذه المجالات. ومن ثم تراكمت عوامل الفشل على مدى سنوات، قبل أن تظهر دفعة واحدة في لحظة مفاجئة.

تكشف هذه المعطيات عن نمط متكرر في أداء المنظومة الاستخبارية الإسرائيلية، إذ إن التقديرات الاستخبارية التي لم تتحول إلى إنذار مبكر في 7 أكتوبر، هي ذاتها التي لم تنجح في قراءة تعافي حزب الله، أو تقدير تعقيدات الحرب مع إيران. وفي الحالات الثلاث، ظهرت الفجوة ذاتها: معلومات كثيرة متوفرة عن الخصم، وقدرة ضخمة على إلحاق أضرار فادحة به، وبنك أهداف متجدد، في مقابل قراءة قاصرة للمشهد، وثقة مبالغ فيها بالقدرات الإسرائيلية، وتقدير ناقص لسلوك الخصم وقدرته على المباغتة أو التعافي فضلا عن الصمود.

يلفت هذا التشابه الانتباه إلى أن الإخفاق الاستخباري الإسرائيلي لا يتعلق بخلل في ساحة بعينها، بقدر ما يرتبط بطريقة إنتاج التقدير الاستخباري والتعامل معه. فمع تراجع الاهتمام بالتحليل الذي يتتبع الخلفيات التاريخية والبنى الأيديولوجية والعقائد الدينية والفكر الإستراتيجي للخصم، مقابل التركيز على مؤشرات آنية قابلة للقياس، بالإضافة إلى تحليل شخصيات القادة، وأنماط تفكيرهم، وآليات اتخاذ القرار لديهم، وقدرتهم على التعلم والتكيف تحت الضغط، تنتج تقديرات خاطئة بسبب ضعف الفهم وتراجع القدرة على قراءة الصورة الكلية. وهو ما ينتج المفارقة التي نشهدها اليوم للاستخبارات الإسرائيلية: نجاح هائل على مستوى التفاصيل، وفشل ذريع في إدراك الصورة الكبيرة.

 

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0