شبكة قدس الإخبارية

خاصl عودة "أطفال الخُدّج" لغزة .. عامان ونصف من الفراق تنتهي بلحظة احتضان

photo_2026-04-08_17-23-54
يحيى موسى

خاص قدس الإخبارية: مع إعلان قرب عودة الأطفال الخداج إلى أحضان أمهاتهم بعد أكثر من عامين ونصف من البعد، خفق قلب هبة صالح، وغمرتها سعادة كبيرة، وشوق لرؤية طفلتها وضمها بين ذراعيها وتعويضها عن حنان أم أفقدتها الحرب إياه، كانت تلك المشاعر ممزوجة بخوف وقلق من صعوبة تقبل الطفلة إليها.

وصلت الحافلة، وركضت نحو طفلتها التي كان يحملها والدها، ضمتها بين ذراعيها بلهفة الأيام والأشهر التي انتظرت فيها هذه اللحظة، لكن الطفلة استدارت نحو والدها وذهبت إليه، بعدما لم تألف وجهها الذي لم تره طيلة فترة وجودها بالحضانة وبعدما كبرت وبدأت تجلس وتزحف وتناغي ثم تقف على خطواتها، إلى أن أصبحت الطفلة تركض وتفهم وتحكي كلمات، وهي مراحل حرمت الحرب هبة صالح من عيشها طفلتها.

بعد أكثر من عامين ونصف من الفراق اجتمعت هبة صالح مع طفلتها أزهار (عامان وسبعة أشهر) والتي كانت حينها من أطفال الخداج حينما نزحت لجنوب القطاع مع بداية حرب الإبادة وتركت طفلتها المولودة في 16 سبتمبر/ أيلول 2023، لتلقي الرعاية داخل الحضانة مع صعوبة حالتها لوجود أكسجين على الرئة، ما يمنعها من الخروج من الحضانة.

سوار الولادة

خلال تلك المدة استطاعت صالح رؤية طفلتها مرة واحدة بعد مرور شهرين على نزوحها عن طفلتها، عندما سمح الاحتلال بإجلاء الأطفال الخدج من مستشفى الشفاء إلى المستشفى الإماراتي بمدينة رفح جنوب القطاع والتي كانت تنزح إليها، ومن "سوار الولادة" الذي يدون عليه الممرضون اسم الطفلة تعرفت على طفلتها بين أطفال الذين جرى إجلاؤهم يوم 22 نوفمبر/ تشرين ثاني 2023 لمدينة رفح، لكنها كانت لحظات قصيرة، إذ أجلي الأطفال جميعهم في تلك اللحظة إلى مصر لتلقي الرعاية.

تحكي والدة الطفلة لشبكة "قدس الإخبارية": "وضع الحرب كان يومها صعبا، وطفلتي كانت تحتاج علاجا وأدوية ورعاية ويمنع أن تخرج خارج الحضانة، فكانت المصلحة تقضي بوجودها مع الطواقم الطبيبة الذين اعتنوا بها حتى كبرت، ربما لو بقيت معنا كان فقدناها، إذ ولدت بالشهر السابع للحمل بعد عملية ولادة "قيصرية" ولم يسمح لي الأطباء بأخذها عندما نزحت خوفا على حالتها".

ما طمأن العائلة على مصير طفلتهم في مصر، أن والدها استطاع السفر إليها بعد ثلاثة أسابيع من إجلائها، فكان حلقة الوصل بين الطفلة وأمها، وهي من الأمهات القلائل اللواتي تعرفن على أطفالهن قبل عودتهن إلى مدينة غزة مؤخرا.

لم يستمر عدم تقبل الطفلة لأمها سوى ثلاثة أيام، حتى تأقلمت عليها وعادت إلى حضنها. تلهو أزهار مع أخوتها الذين تكتشف ملامحهم وتحاول حفظها، يساعد في سرعة التقبل وجود والدها الذي لحقها لمصر بعد ثلاثة أسابيع من سفرها، لتجسد قصة أزهار واحدة من قصص الحرب لأطفال خداج واجهوا الموت وسافروا للعلاج، وبالرغم من البعد والفراق عن عائلاتهم، التم شملهم من جديد ليكملوا طفولتهم بين أحضان أمهاتهم، وهم في حالة صحية أفضل.

"وين بنتي؟"

أما الطفلة بيسان الكرد (عامان ونصف) فقد نجت من الموت وهي جنين في بطن أمها، لحظة قصف منزل العائلة في 22 أكتوبر/ تشرين أول 2023 في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تعرضت والدتها سندس الكرد لإصابة خطيرة في يدها وقدمها، ودخلت لغرفة العمليات الجراحية والتي خرجت منها، إلى عملية ولادة عاجلة وهي في شهر حملها الثامن.

ولدت بيسان، في ذلك اليوم ودعت أمها أختها الوحيدة بيسان، وابنتها "حبيبة الرحمن" ذات الخمسة أعوام، وقبل ذلك فقدت والديها وشقيقها، لتكون الطفلة عوضًا.

"وين بنتي؟" هذا أول سؤال سألت به الكرد الطبيبة بعدما فتحت عيناها ولم تجد طفلتها بجوارها، ليخبروها أنه جرى نقلها للحضانة للرعاية وأخفوا وضعها بالعناية المكثفة لأسبوع.

تروي الكرد عن تلك اللحظات لشبكة "قدس الإخبارية": "كنا بمستشفى الشفاء، وجيش الاحتلال كان يستهدف مباني المشفى، وفي 10 نوفمبر/ تشرين ثاني 2023 أعلن أنه سيدخل المشفى، وبدأ الناس ينزحون وكانت حالتي صعبة، إذ نقلت من القسم للطابق الأرضي على حمالة، ثم نقلت بعد ذلك على عربة كارو للمشفى المعمداني وبقيت طفلتي بيسان بالحضانة، حاولت أخذها معي لكن الطبيب قال لي: "وضعها صعب مش راح تقدري تتعامل معها، استودعيها لله".

بين قصف ومصير مجهول، تركت الكرد طفلتها في محيط كله موت وقتل وقصف، وبقيت على مدار أشهر تحاول معرفة مصيرها، بمتابعة كل ما يصدر من صور عن أوضاع الأطفال الخداج داخل المشفى، وبقيت تجهل مصيرها ستة أشهر، حتى جرى الإعلان عن نقل أطفال خداج لمستشفى مصري بمدينة العريش، وبدأت تتواصل مع الصليب الأحمر.

بين خوف قلب الأم في رحلة البحث عن مصير طفلتها، وأمل يرهق قلبها كذلك، وصلت لأحد خيوط مصير الطفلة بعد شهور عديدة من البحث والانتظار، تقول: "عن طريق معارف، وصلنا لسيدة متواجدة مع طفلتها ووجدت مكتوب في كشف أسماء الأطفال وعلى سوار الولادة "ابنة سندس الكرد"، غمرتني الفرحة وهدأت مخاوفي وبقيت على تواصل مستمرة مع الطاقم الطبي، ونرى صورها وهي تكبر عن بعد، حاولت مرة الحديث معها عبر الفيديو لكنها لم تستجب".

كانت الطفلة تكبر بعيدًا عن عيني والدتها، وحضنها، يرسل لها الممرضون صورا بين فينة وأخرى، تراقب التغيرات التي لا تشارك في صناعتها، وعند لحظة وصولها كان من الطبيعي أن لا تعرف الطفلة الصغيرة أمها، "حملتها وحاولت مشط شعرها، لكنها عندما رأت الممرض الذي كان معها ذهبت إليه، لكنها وبعد أيام من عودتها لمنزلها بدأت تتأقلم على والديها وتتعرف إليهم وتستكشف كل شيء بمحيطها، بعدما انتقلت من جواء الحضانة والرعاية في المستشفيات إلى بيتها، تلهو مع شقيقها بسيم (10 سنوات)".

الممرضان المرافقان

خلال رحلة طويلة من العلاج رافق الممرضان بلال طباسي ومحمود عفانة أطفال الخداج تاركين عائلاتهما في غزة، يكرسان جل وقتهما لعلاج الأطفال الذين ترعرعوا أمام ناظريهما.

في 20 نوفمبر/ تشرين ثاني 2023 لم يتردد بلال طباسي (37 سنة) في الموافقة على السفر مع الأطفال عندما عرضت وزارة الصحة على الممرضين السفر مع الأطفال لمصر، وبادر بتقديم نفسه مدركًا عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه في إنقاذ حياة الأطفال.

يحكي طباسي لـ "شبكة قدس الإخبارية": "رافقنا 28 طفلا من الخداج، وبقينا سبعة أشهر في مستشفى بالعاصمة الإدارية في القاهرة، استمر أطفال الخداج ثلاثة أشهر في الحضانة، توفي منهم 7 أطفال بسبب صعوبة حالتهم، أحد الأطفال توفي في اليوم الثاني لوجودنا بمصر، وهناك أطفال استلمتهم عائلاتهم بمصر، وبقي معنا 9 أطفال انتقلنا بهم بعد ذلك لدار رعاية الأيتام، كان مكانا جيدا ومريحا ومخصصا بالأصل للأطفال، خاصة أنه يوجد فيه موظفات يقمن بدور الأمهات في رعاية الأطفال وكنا حلقة الوصل بين الأهل والطفل ونرسل لهم الصور ومقاطع الفيديو لطمأنتهم".

بعد استقرار حالة الأطفال في دار الرعاية، استمرت الرعاية الطبية لهم إذ كان يأتي طبيب لفحص حالتهم ثلاثة أيام أسبوعيا، وبمرور الأيام والشهور زاد ارتباط الممرضين مع الأطفال، يحكي طباسي: "على مدار عامين كبر الأطفال على يديك وأصبحت تشعر أنه مثل ابنك، ومسؤولية كبيرة تطلب السهر على رعايتكم خاصة بالفترة الأولى داخل المشفى، لكن في نفس الوقت كنا نعتني بهم حتى يعودوا لعائلاتهم سالمين".

عاد الممرضان قبل أسبوع لغزة برفقة 11 طفلا بينهم طفلة رافقها والدها و3 أطفال مع أمهاتهم، علما أن 3 أطفال عادوا لغزة قبل إغلاق معبر رفح في مايو/ أيار 2024، وبقي في مصر 7 أطفال مع عائلاتهم، بينهم ستة أطفال مع عائلاتهم، وطفلة ظلت بالمشفى لوضعهم الخطير ومعاناتها من شلل دماغي.

عن تجربته يقول طباسي بنبرة فخر: "حملت مسؤولية وأمانة معك بالاعتناء بالأطفال وعندما كبروا كنا نلعب معهم باستمرار، كانت فترة ممزوجة بين تقديم خدمة إنسانية وقلق كبير، وتعب مستمر، لكن بمجرد أن استلمت العائلات أبنائها شعرنا براحة نفسية".

هو الآخر عاد ليجد طفليه كبرا عامين ونصف، ونزحا مع أمهم من محافظة رفح إلى مواصي خان يونس، وعاشوا فترات صعبة كان على إطلاع بها لكن ما شاهده على أرض الواقع كان أصعب: "عندما خرجت مع الأطفال خيرونا: "من يريد التبرع بالسفر مع الأطفال، بدون تردد وافقت"، وتركت أطفالي في حفظ المولى عز وجل، وعدت ووجدت قد كبروا وتفاجأت بتغير ملامحهم".

وطباسي ممرض يعمل بوزارة الصحة منذ عام 2013، وعمل في اقسام العناية والباطنة والاستقبال، لكن تجربته بالسفر مع الأطفال ستبقى محفورة في ذاكرته مسطرا بطولة إنسانية في رعاية أطفال خداج نجو من الموت والقصف الإسرائيلي أثناء تواجدهم في مستشفى الشفاء بغزة، يقول عن لحظات العودة لغزة: "ابلغنا قبل يوم من العودة، جهزت حقيبتي ولم أصدق أنني سأعود إلى غزة، لأننا يأسنا من إمكانية العودة بعد طول مدة إغلاق معبر رفح. وصلت لأطفالي ورأيت المعاناة في المواصي أكبر مما تخيلت".

الجميع شاهد صور الأطفال الخدج لحظة نقلهم من مستشفى الشفاء في نوفمبر/ تشرين ثاني 2023 إلى محافظة رفح، بعد محاصرته لعدة أيام، مما أدى لاستشهاد عديد من الجرحى، وعدد من الأطفال الخدج جراء انقطاع الكهرباء ونفاد الوقود في المستشفى، ونقص إمدادات المياه والأدوية، لكن الأطفال بقوا متشبثين بالحياة وصاروا المرض والموت والمجاعة، حتى عادوا إلى غزة وقد كبروا، واحتضنوا أمهاتهم من جديد اللواتي سيبدأن مرحلة جديدة ليتعرفوا فيها على أمهاتهم اللواتي فرقتهن الحرب عن أطفالهن طيلة عامين ونصف، وبقي سوار الولادة الذي يضع في يد الطفل معهم إلى حين العودة، ليحافظ على هوية الأطفال.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0