ترجمة خاصة - شبكة قدس: منذ بدء الهجوم الأمريكي على إيران، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسير بلا خطة واضحة، وهو نفسه نشر سلسلة من التصريحات المتناقضة على وسائل التواصل الاجتماعي. مرة يدعو إلى انتفاضة شعبية داخل إيران، ومرة يطالب باستسلام غير مشروط، ثم يتحدث عن دوره في اختيار القيادة الإيرانية المقبلة، بينما يلمّح في الوقت ذاته إلى أن طهران تتعرض لهزيمة ساحقة وأن قائمة الأهداف العسكرية قد تتوسع.
هذا ما يقول الصحفي البريطاني ديفيد هيرست في مقال نشره موقع "ميدل إيست آي"، ويضيف فيه أن التصريح الأكثر إثارة للجدل جاء عندما وصف اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأنه "الفرصة الكبرى للشعب الإيراني لاستعادة بلاده".
ويقول "غير أن الواقع سار في اتجاه معاكس تماماً. فبدلاً من انتفاضة داخلية، خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع حداداً على خامنئي بينما كانت القنابل تتساقط. لقد كان اغتيال زعيم دولة – في سابقة نادرة في التاريخ الحديث – خطوة ربما حققت عكس ما كان يطمح إليه ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يُنظر إليه باعتباره العقل المدبر للعملية".
ويرى هيرست أن تلك الخطوة قد تكون أعادت إحياء الجمهورية الإسلامية ومنحت الثورة الإيرانية نفساً جديداً.
إيران وخطوطها الحمراء
ويذكر هيرست أنه "طوال عقود، أظهرت الجمهورية الإسلامية قدرة كبيرة على احتواء التهديدات الداخلية عندما تشعر بالخطر. غير أن خامنئي، على الرغم من صلابته الأيديولوجية، كان أيضاً سياسياً براغماتياً يحسب خطواته بدقة".
ويتابع "خلال سنوات حكمه، امتنعت إيران عن الرد المباشر على سلسلة اغتيالات طالت قادة عسكريين وعلماء نوويين. وحتى عندما ردت، كان ردها محسوباً بعناية، هدفه احتواء الأزمة لا إشعالها".
والتزمت طهران في تلك المرحلة بخطين أحمرين واضحين: عدم مهاجمة دول الخليج مباشرة، وعدم إغلاق مضيق هرمز. وصحيح أن هجمات غامضة – مثل الهجوم على منشأتي بقيق وخريص السعوديتين عام 2019 – نسبت إلى حلفاء إيران، لكن المسؤولية بقيت قابلة للإنكار، وفق الكاتب.
حتى اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني بضربة أمريكية في بغداد لم يدفع إيران إلى مهاجمة جيرانها الخليجيين. وكذلك لم يحدث ذلك بعد اغتيال إسماعيل هنية، أو بعد مقتل عدد من كبار القادة العسكريين في المواجهات مع "إسرائيل". كانت تلك هي “إيران خامنئي”: دولة تحسب المخاطر قبل أن تضغط على الزناد، كما يضيف.
ويذكر هيرست أن "خامنئي يمثل المرحلة الثانية من عمر الجمهورية الإسلامية؛ مرحلة أكثر هدوءاً من زمن مؤسسها آية الله روح الله الخميني، الذي حكم إيران في سنوات الثورة الأولى". وفي عهد الخميني كانت إيران أكثر ثورية وتقلباً. شهدت تلك الفترة أزمة الرهائن الأمريكيين التي استمرت 444 يوماً، والحرب الطويلة مع العراق التي استمرت ثماني سنوات.
لكن تلك الحرب نفسها حولت الحرس الثوري من قوة ثورية ناشئة إلى مؤسسة عسكرية ضخمة، أصبحت لاحقاً العمود الفقري للقوة الإقليمية الإيرانية. ومع استشهاد خامنئي، يبدو أن تلك الروح الثورية القديمة عادت إلى الواجهة، كما يقول الكاتب.
تحولات سريعة وخطيرة
وفي غضون أيام قليلة فقط، تغير المشهد الإقليمي بشكل جذري. وأغلقت إيران مضيق هرمز، ما أدى إلى توقف جزء كبير من تدفق النفط العالمي. ومع تعطل إنتاج النفط والغاز في الخليج، ظهرت أزمة طاقة عالمية قد تفوق في تأثيرها أزمة النفط عام 1973. كما أن انقطاع ما يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط شكّل صدمة لأسواق الطاقة العالمية.
كما تعرضت البنية الدفاعية الأمريكية في المنطقة لضربات مؤلمة، بينها أضرار جسيمة في نظام إنذار مبكر في قطر تبلغ قيمته أكثر من مليار دولار. وأصبحت الولايات المتحدة مضطرة لتعويض أنظمة دفاعية متضررة عبر نقل أجزاء من بطاريات باتريوت المنتشرة في أماكن أخرى من العالم.
أما سماء الخليج، التي كانت رمزاً للحركة الاقتصادية العالمية، فقد امتلأت بالطائرات المسيّرة.
وتعرضت مدن مثل دبي والرياض والدوحة والمنامة والكويت لسلسلة هجمات أدت إلى شلل شبه كامل في حركة الطيران.
وما بدأ مواجهة محدودة تحول سريعاً إلى صراع متعدد الأطراف، جرّ ما لا يقل عن أربع عشرة دولة في المنطقة إلى أتون الحرب، كما يقول الكاتب.
صعود مجتبى خامنئي
في الداخل الإيراني، برز اسم جديد بسرعة: مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل. فاختيار مجتبى لم يكن مجرد مسألة خلافة سياسية؛ بل رسالة مباشرة إلى واشنطن وتل أبيب بأن الضغوط الخارجية لن تكسر النظام.
وعلى عكس كثير من أبناء القادة في العالم، أمضى مجتبى سنوات طويلة داخل مؤسسات الأمن والحرس الثوري، وبنى شبكة علاقات عميقة داخل أجهزة الدولة الأمنية، بحسب الكاتب. وحتى الآن كان نفوذه يُمارس خلف الكواليس. لكن الحرب دفعت به إلى الواجهة، في لحظة تحشد فيها إيران الدعم الشعبي تحت شعار الدفاع الوطني، وفق تعبيره.
حين توحّد الحرب الخصوم
ويذكر أيضا "المفارقة أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي قد حقق أثراً لم يكن في حسابات أصحابه: توحيد قطاعات واسعة من الإيرانيين خلف النظام. وحتى بعض أبرز معارضي الجمهورية الإسلامية تبنوا خطابا وطنيا في مواجهة الحرب. ومن بينهم المفكر الإيراني المعروف عبد الكريم سروش، الذي عاش سنوات طويلة في المنفى وانتقد النظام بشدة".
ويتابع هيرست في مقاله "اليوم يقول سروش إن القوات العسكرية الإيرانية تقاتل بإيمان وشجاعة، داعياً الشعب إلى دعمها في مواجهة ما يراه عدواناً خارجياً". وفي أوقات الحروب الكبرى، غالباً ما تتراجع الانقسامات الداخلية أمام الشعور بالخطر الوجودي.
أزمة عالمية تلوح في الأفق
وبعد أيام قليلة من اندلاع المواجهة، تحولت الحرب من صراع إقليمي إلى أزمة عالمية محتملة. فإيران تهدد بقطع طرق الملاحة في مضيق باب المندب عبر حلفائها الحوثيين، وهو ما قد يعرّض التجارة العالمية لخطر غير مسبوق.
في المقابل، تحاول القوى الغربية اللحاق بالأحداث. فرنسا ترسل فرقاطات إلى المنطقة، وبريطانيا تستعد لنشر حاملة طائرات، لكن هذه التحركات تبدو أقرب إلى ردود فعل متأخرة منها إلى استراتيجية مدروسة.
أما دول الخليج، التي عاشت لعقود تحت مظلة أمنية أمريكية، فقد اكتشفت فجأة هشاشة تلك المظلة في مواجهة حرب شاملة.
مأزق ترامب
وداخل الولايات المتحدة، يواجه ترامب معادلة سياسية صعبة. فهو رئيس يتابع عن كثب تقلبات الأسواق المالية، ومع اضطراب أسواق النفط وتراجع التأييد الشعبي، تتزايد الضغوط عليه لوقف الحرب، وفق هيرست.
وبحسب الكاتب فإن استمرار الصراع قد يفرض على واشنطن خطوة خطيرة: نشر قوات برية للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية. وهو خيار مكلف سياسياً وعسكرياً. وإذا تراجع ترامب الآن، فسيكون ذلك ضربة قاسية لإرثه السياسي، لكن المضي قدماً قد يفتح الباب أمام حرب أوسع لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
أخطر لحظة في المنطقة
واليوم تقف المنطقة على حافة هاوية حقيقية. فإيران، رغم الضربات اليومية، لم تنهَر. بل أظهرت قدرة على الصمود والرد، بينما تتوسع دائرة الصراع تدريجياً. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى تحقيق رؤيته لمنطقة تُهيمن عليها "إسرائيل"، مدعوماً باندفاع ترامب غير المحسوب.
ووفقا للكاتب، فالنتيجة قد "تكون حرباً طويلة، تدمر دولاً بأكملها، وتشعل حقول النفط، وتزهق أرواح آلاف المدنيين. إنه الثمن الذي قد تدفعه المنطقة نتيجة مزيج خطير من الغرور السياسي، والرؤى الأيديولوجية، وعجز القوى الدولية عن كبح التصعيد".
ويختم في مقاله أنه "في هذه اللحظة تحديداً، يبدو أن رجلين فقط يقودان العالم نحو المجهول هما دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو".



