في سجون الاحتلال لم يعد للتفتيش معنى التفتيش الذي كان يجري في الماضي. لم تعد هناك "ممنوعات" كما يسمونها، ولا متاع يذكر ليقلبوه رأسا على عقب. ما يبحثون عنه لم يعد أشياء مخبأة، بل لحظة إذلال. ما يبعثرونه في الحقيقة ليس الأغراض القليلة داخل الغرف، بل كرامة الإنسان.
خلف الأبواب الحديدية الثقيلة، تلك التي حفظت صدى الألم لسنوات طويلة، تقف الساعات على أهبة الاستعداد لمشهد جديد من القسوة. هنا زمن مختلف، زمن تتكسر فيه اللحظات على وقع القنابل الصوتية التي تلقى في ساحة القسم، بل أصبحت تلقى داخل الغرف الضيقة نفسها، كأن صوت الانفجار إعلان رسمي عن بدء جولة جديدة من الإذلال.
فجأة تعلو الصيحات في الممرات: انبطح على الأرض.. "على بيتن" يندفع الجنود من وحدات مختلفة -لأن لكل منها لون عذاب مختلف عن الأخرى- إلى الغرفة محملين بأسلحتهم ووجوههم القاسية، بنادق تطلق رصاصات حارقة تترك أثرها على جسد الأسير كما تتركه في روحه، وعصي تنهال على الأجساد بلا تردد.
يبدأون بجر الأسرى إلى الخارج، والرؤوس مخفضة نحو الأرض، بينما يتردد أنين الألم في الممرات كأنه صدى جدران قديمة اعتادت هذا المشهد حتى صار جزءا من ذاكرة المكان.
ولأن الإذلال عندهم طقس كامل، لا يكتفون بكل ذلك. يرافقهم كلب ضخم مدرب، كأن كل هذه القوة أمام أسرى عزل لا تكفي، وكأن المشهد يحتاج دائما إلى مزيد من الإهانة.
أول ما يطلب من الأسير هو أن يخفض رأسه، ليس لأن هناك خطرا، بل لأن الرأس المرفوع يزعج السجان، يصبح خفض الرأس قانونا غير مكتوب، طقسا يوميا يراد له أن يروض الكرامة. يجر الأسرى بسرعة عبر الممرات، يصطدمون بالجدران والحديد، كأن التعذيب عند السجان مهارة يتقنها، أو لعبة يكررها كل يوم.
ثم تبدأ المرحلة الأشد قسوة في ساحة القسم، يؤمر الأسرى بالانبطاح على بطونهم. الأرض باردة كأنها قطعة من ليل الشتاء، والملابس خفيفة بالكاد تقي الجسد من لسعات الهواء، تبقى الأجساد ملتصقة بالإسفلت البارد ساعات طويلة، بينما تمر الريح فوق الظهور كأنها سكاكين صغيرة تقطع الصمت.
لكن البرد ليس العدو الوحيد في تلك اللحظات، حين اقتحموا غرفتنا في قسم 22 في سجن عوفر، أخرجوني بملابس خفيفة لأنني لا أملك غيرها، رموني على الأرض فوق الماء المتجمع في الساحة، فصار البرد أشد قسوة، حتى بدأ الجسد يرتجف بلا قدرة على التوقف.
ثلاث ساعات كاملة بقيت أرتجف
كان جسدي يهتز كغصن زيتون تضربه رياح الشتاء. حولنا وقف أفراد شرطة إدارة السجون يضحكون ويسخرون. كانت إحدى المجندات تدوس على أقدامنا العارية وهي تطلق النكات، تمشي فوق أصابعنا لتعلو ضحكاتهم أكثر، بينما يتضاعف الألم في صدورنا.
في تلك اللحظة تدرك الحقيقة كاملة: الهدف ليس التفتيش، بل كسر الروح، أن يرى السجان جسدا يرتجف، ورأسا منكسرا، وصوتا يخشى الاعتراض، لكن ما لا يراه السجان أن في صدر كل أسير عالما آخر لا تصل إليه أوامرهم.
فالقيود البلاستيكية التي تشد المعاصم خلف الظهر كانت تغوص في الجلد كأنها شظايا صغيرة، تزيد الألم وتضاعف الوجع. ومع اشتداد البرد وضيق الجسد عن الاحتمال، يبدأ القلب رحلة أخرى.
نبدأ بالهمس: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فالهمس هنا شكل من أشكال النجاة، رفع الصوت يعني أنك ما زلت تقاوم، وهذا ما لا يحتمله من اعتادوا تحطيم النفوس، لذلك نكتفي بالهمس، ونستحضر في داخلنا آيات الصبر، كأن القرآن يتحول إلى بطانية خفية تدفئ الروح حين يعجز الجسد عن الاحتمال.
في تلك اللحظات يصبح الصبر عبادة صامتة، ويتحول الثبات إلى صلاة بلا ركوع، السجان يرى أجسادا ممددة على الأرض، لكنه لا يرى ما يجري داخل الصدور. لا يرى تلك اللحظة التي يرفع فيها الأسير قلبه إلى السماء ويقول في سره إن الكرامة لا تقاس بوضع الجسد، بل بثبات الروح.
بعد ساعات طويلة يأمرون الأسرى بالعودة إلى الغرف. يجروننا بقسوة، وأجسادنا ما تزال ترتجف من البرد، لكن شيئا في الداخل يبقى ثابتا لا يرتجف، فالسجان يستطيع أن يخفض الرأس لحظات، لكنه لا يستطيع أن يطفئ المعنى الذي يحمله الرأس حين يرفع من جديد.
وهكذا تمضي الأيام في سجون الاحتلال: اقتحام يتبعه إذلال، وإذلال يعقبه صبر، وصبر يتكئ على يقين قديم تعلمه الأسرى من حكايات الأنبياء...أن الليل مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر من القدوم.



