شبكة قدس الإخبارية

هل اقترب إغلاق المسجد الأقصى؟

506519788_1055851623398880_8983424984194273749_n-5b8b7e0c-153f-41cc-8c20-2376dd3950a8
عبد الله معروف

لم يكن أحد من المراقبين يتوقع أن تصل الأمور في المسجد الأقصى المبارك إلى الحد الذي وصلت إليه مع بداية شهر رمضان الجاري. ذلك أن التهديدات الإسرائيلية التي سبقت بداية شهر رمضان انصبت كلها على تقليل عدد المصلين في المسجد- ولا سيما من سكان الضفة الغربية- ومنع الاعتكاف فيه، والسماح باستمرار الاقتحامات خلال الشهر.

لكن ما لم يكن الاحتلال يعلنه هو نيته ضرب البنية الفلسطينية الإدارية والإعلامية في المسجد بالكامل خلال شهر رمضان، باعتباره الشهر الأشد صعوبة على الاحتلال، وبالتالي فإن ما يتمكن من إنجازه فيه ينسحب بشكل أسهل على بقية شهور السنة.

ولذلك، بدأ الاحتلال إجراءاته بالتصعيد ضد دائرة الأوقاف الإسلامية، فاستدعت الشرطة الإسرائيلية مدير دائرة الأوقاف عزام الخطيب إلى مركز الشرطة الرئيسي في البلدة القديمة المعروف بالقشلة.

وهو الأمر الذي أثار حفيظة الدائرة كونه سابقة سياسية، سيترتب عليها بالضرورة تبعية الدائرة لحكومة الاحتلال، وبسط سيادتها على المسجد، ولذلك كان من الطبيعي أن يرفض الخطيب هذا الاستدعاء.

ومن الواضح أن شرطة الاحتلال كانت تترقب هذا الرفض المتوقع لمعرفتها أبعاد طلبها، فشرعت في اتخاذ إجراءات عقابية ضد الدائرة، منها منع دخول المظلات وتهيئة ساحات المسجد للشهر الكريم، ومنع تجهيز عيادة المسجد الوحيدة لخدمة المصلين، أو إدخال وجبات الإفطار للمصلين والسحور للحراس. وهذا ما اضطر عامة الناس إلى إدخال بعض الوجبات بشكل محدود وفردي، واستخدام عيادات متنقلة مؤقتة بديلا للعيادة الرسمية.

هذه الإجراءات أضيفت إلى أعمال عدائية أقدمت عليها قوات الاحتلال قبيل بداية شهر رمضان عندما اقتحمت مكاتب الأوقاف في المسجد الأقصى ليلا قبيل بداية شهر رمضان، وكسرت قفل دار الحديث القريبة من باب الرحمة ومنعت تغييره، ووزعت أوامر لمنع دخول الأقصى بالجملة شملت تقريبا ألف مقدسي.

لا يمكن فهم إصرار شرطة الاحتلال على مثول مدير دائرة الأوقاف أمامها- سواء في مركز شرطة البلدة القديمة أو في مركز شرطة الخلوة الجنبلاطية المحتلة داخل الأقصى، أو في أي مكان آخر- إلا باعتباره نزع اعتراف -من الدائرة التي تمثل الأردن- بالسلطات الإسرائيلية مرجعا وحيدا في المسجد الأقصى.

وهذا يعني فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد، والتي لا يمكن للاحتلال الحصول عليها بالقوة المجردة فقط دون حصوله على شرعية ممارستها على الأرض من خلال اعتراف الإدارة الإسلامية للمسجد الأقصى بهذه السيادة.

جميع هذه الإجراءات يعمل الاحتلال من خلالها على ضرب البنية الإدارية الفلسطينية والإسلامية في الأقصى، والتي تمثلها دائرة الأوقاف، وتجريد هذه البنية من تأثيرها أولا، ومن وجودها لاحقا. وهذا هو الهدف النهائي الذي تطالب به جماعات المعبد المتطرفة وجماعات الصهيونية الدينية في المسجد الأقصى منذ سنوات.

لا نستبعد هنا أن يكون الهدف الأساسي لهذه الإجراءات التصعيدية غير المسبوقة في وجه دائرة الأوقاف الإسلامية، هو إلغاء الدائرة تماما في الفترة القادمة.

 

لم تكن هذه المحاولة هي الأولى، فقد سبق لإسرائيل محاولة إلغاء الدائرة عند احتلال شرقي القدس عام 1967، حين أرسلت الحكومة الإسرائيلية إخطارا إلى دائرة الأوقاف بضرورة إرسال كشوف بأسماء العاملين في المسجد الأقصى إلى وزارة الأديان تمهيدا لإخضاع المسجد لسيطرتها.

غير أن موقف الشيخ عبد الحميد السائح وعدد من مشايخ القدس الرافض ذلك، واعتصامهم وتأسيسهم الهيئة الإسلامية العليا، قطع الطريق على هذه الخطوة، وأجبر إسرائيل على إعادة إدارة المسجد الأقصى إلى دائرة الأوقاف الإسلامية.

لكن الأمور اختلفت اليوم، والاحتلال بات أشد اقتناعا بضرورة استغلال حالة الانشغال العالمي عما يجري في غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، وانتهاز التحشيد والتأهب الدولي للصدام المرتقب للولايات المتحدة مع إيران، لضرب قضية القدس والمسجد الأقصى في مقتل وحسمها بالكلية.

وهنا تأتي الخطوة الثانية التي أقدم عليها الاحتلال قبل أيام قليلة، وهي ضرب البنية الإعلامية الفلسطينية في القدس بالكامل. وذلك حين أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في منتصف ليلة الاثنين 23 من شهر فبراير/شباط الجاري، حظر كبرى المنصات الإعلامية المقدسية: البوصلة، والعاصمة، ومعراج، والميدان، وقدس بلس.

وهذه المنصات تعتبر المنصات المركزية الأوسع انتشارا التي تنقل أخبار المدينة المقدسة إلى الخارج، وبالتالي فهي العين الإعلامية الأقوى في منصات التواصل الاجتماعي على ما يجري في مدينة القدس وفي المسجد الأقصى.

هذا الإعلان ربط بين هذه المنصات والمقاومة الفلسطينية في محاولة لوصمها بالإرهاب، حيث اعتبر كاتس في تبريرات قراره أن هذه المنصات تعتبر أذرعا لحركة حماس، وأن الأخبار التي تبثها تدخل في باب "التحريض" على إثارة الشغب في القدس والمسجد الأقصى.

ومع ما يشوب هذا الادعاء من سذاجة في الحقيقة، إلا أن استخدام اسم حركة حماس ولفظ "الإرهاب" و"التحريض"، يكشف عن مدى ما سببته قدرة هذه المنصات على إيصال ما يجري في القدس إلى العالم من ذعر لدى الاحتلال، خوفا من تبعات انتشار أنباء اعتداءاته المتصاعدة بحق المسجد الأقصى، ودور هذا الانتشار في التأثير سلبا على مسار الحسم الإسرائيلي في المسجد، خشية من أي تصعيد فلسطيني محتمل؛ بسبب حالة الاحتقان الشديدة لدى المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس خلال عامَي حرب الإبادة على قطاع غزة.

هذا الأمر يعني أن الاحتلال يريد في الحقيقة تغييب الشهود على ما ينوي فعله في المسجد الأقصى في الأيام القليلة القادمة، سواء خلال شهر رمضان أو بعده مباشرة.

فالاحتلال يرى في هذه الأيام فرصته الذهبية التاريخية لتحقيق طموحاته في المسجد الأقصى بالكامل، ووضعه تحت السيطرة الإسرائيلية التامة كما فعل في المسجد الإبراهيمي في الخليل. خاصة أن إسرائيل قد شكلت بالفعل ما يسمى: "إدارة جبل المعبد" المكونة من عدد من أبناء تيار الصهيونية الدينية المتطرف، وتتعامل معه وكأنه أمر واقع.

لذا يمكن أن تعلن إسرائيل نقل إدارة المسجد الأقصى إلى ما يسمى: "إدارة جبل المعبد"، كما فعلت عندما نقلت الإدارة الدينية للمسجد الإبراهيمي مطلع هذا العام إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع، وليس حتى إلى وزارة الأديان.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما مدى احتمالية إقدام إسرائيل على إغلاق المسجد الأقصى ومتى يمكن ذلك؟ والواقع أن الإجابة عن هذا السؤال المشروع في هذا الوقت لا تقل ألما عن طرحه، بالنظر إلى حالة الضعف والهزال التي تتملك العالم العربي والإسلامي اليوم.

إن إسرائيل اليوم في ذروة الغرور والعنجهية لم تعد تفكر بعقلها كما كانت إبان فترة حكومات اليسار واليمين القومي قبل حكومة 2022 الحالية ذات التوجهات الصهيونية الدينية المسيحانية. وهذه مسألة حاسمة في فهم تصرفات إسرائيل الحالية. فهي لا تضع في الاعتبار حسابات سياسية أصلا.

كما لم تعد شرطة الاحتلال في القدس تكبح جماح الجنون السياسي الحكومي؛ لأن قائد شرطة لواء القدس الجديد أفشالوم بيليد، الصديق المقرب لإيتمار بن غفير، يحمل نفس الأفكار والأساطير المسيحانية التي يعتمد عليها هذا التيار، واختاره بن غفير أصلا؛ لأنه مطيع له تماما، ومقتنع بفكرة تمكين المستوطنين من إدخال الطاولات والكراسي والخزائن إلى المسجد الأقصى.

وحتى جهاز الشاباك الذي كان دائما يمثل صمام الأمان بما كان يتمتع به من استقلالية وبعد نظر لم يعد كذلك، منذ أن عمل الثنائي "سموتريتش- بن غفير" على تغيير قيادة الجهاز إلى قيادة موالية لهما، بدلا من التأكيد على ضرورة بقاء القيادة السابقة التي أثبتت نجاحها في ملف استشراف المستقبل في القدس بالذات في عدة محطات.

بذلك نستطيع أن نقول إن جميع الظروف باتت مهيأة الآن لتعلن إسرائيل إغلاق المسجد الأقصى المبارك بالكامل في وجه المسلمين حتى في شهر رمضان، ولم يبقَ لاتخاذ مثل هذه الخطوة الخطيرة إلا فرصة يغتنمها الاحتلال، بل لعله يعمل على صناعتها بنشاط؛ وقد تكون هذه الخطوة هي ضرب إيران.

فمثل هذه الخطوة تعني بالضرورة إعطاء قدرة لا محدودة للاحتلال على فرض سلطته بالقوة بحكم حالة الطوارئ في ظل الحرب. وهذا الأمر توجد له مؤشرات كثيرة داخل المسجد الأقصى وفي محيطه، ومن خلال تصريحات بعض رموز جماعات المعبد المتطرفة وتيار الصهيونية الدينية، والتي أثبتت التجارب أنها لا تأتي من فراغ، وإنما من تفاهمات غير معلنة مع الحكومة.

كما أن لمثل هذا الإغلاق بحجة الحرب شاهدا تاريخيا ليس بعيدا عنا؛ حين أقدم الاحتلال على إغلاق المسجد الأقصى بالفعل خلال حرب الـ12 يوما مع إيران في شهر يونيو/حزيران عام 2025، وبالتالي فإن السابقة قد حصلت بالفعل، وإن كان الفارق في كون الإغلاق المحتمل سيكون في شهر رمضان بكل ما له من مكانة ورمزية.

وفي حال إقدام الاحتلال على مثل هذه الخطوة، فإن ذلك يعني باختصار إحكام السيطرة على المسجد الأقصى في أخطر أيام السنة وأصعبها عليه وهو شهر رمضان، مما يسهل عليه العمل على إدامة هذا الإغلاق بعد الشهر الفضيل؛ لانعدام العنصر البشري الضاغط الذي يتمتع به رمضان بالرغم من قيود الاحتلال الكثيرة على الوصول للمسجد.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العنصر الوحيد الذي يمكنه إفشال هذا المخطط بلا ريب هو حضور الوجود الشعبي داخل المسجد الأقصى، والإرادة الشعبية التي ظن الاحتلال أنه كسرها بحرب الإبادة، وهذا هو العنصر الوحيد القادر على قلب المعادلة رأسا على عقب قبل فوات الأوان.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0