رام الله - قدس الإخبارية: نشرت مجلة فورين بوليسي مقالاً تحليلياً لشيرا إيفرون، الزميلة المسؤولة عن ملف السياسات الإسرائيلية في مؤسسة راند، حذّرت فيه من أن الضفة الغربية قد تكون الجبهة التالية للانفجار في الشرق الأوسط، في ظل تحولات متسارعة تقودها حكومة بنيامين نتنياهو.
وتشير الكاتبة إلى أن المنطقة تعيش على وقع أزمات متشابكة: توترات مع إيران، استمرار العنف في غزة رغم وقف إطلاق النار، إعادة تسليح حزب الله في لبنان، وصراعات داخلية في سوريا. إلا أن التركيز الدولي، برأيها، يغفل ما يجري في الضفة الغربية، حيث تتراكم عوامل الانفجار السياسي والأمني.
ضمّ بحكم الأمر الواقع
منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع اندلاع الحرب على غزة، كثّفت حكومة نتنياهو حضورها العسكري في الضفة الغربية، ووسّعت عمليات الجيش، وأعادت نشر الحواجز، وفرضت إغلاقات متكررة، خاصة في مخيمات اللاجئين. بالتوازي، تسارعت وتيرة الاستيطان وشرعنة البؤر الاستيطانية بأثر رجعي، فيما بات عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين حدثاً شبه يومي.
وتلفت إيفرون إلى أن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي أقرّ مؤخراً حزمة إجراءات استثنائية تنقل الضم من مستوى الممارسة الفعلية إلى الإطار القانوني، بما يشمل تخفيف القيود على بيع الأراضي للمستوطنين، وتوسيع صلاحيات الاحتلال في المنطقتين (أ) و(ب)، الخاضعتين اسمياً لسيطرة السلطة الفلسطينية.
ونقلت عن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قوله إن الهدف هو "القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية"، في تعبير واضح عن التوجه الأيديولوجي الذي يحكم هذه السياسات.
سلطة على حافة الانهيار
تحذر الكاتبة من أن الضفة الغربية تقترب من أزمة بنيوية عميقة، إذ قد تعجز السلطة الفلسطينية عن سداد ديونها خلال أشهر، ما سيؤدي إلى توقف الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين. وتشير إلى أن التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والجيش الإسرائيلي أسهم خلال العامين الماضيين في تقليص نطاق الهجمات، حيث انخفض عدد العمليات "الهامة" من 397 عام 2023 إلى 54 عام 2025، وفق بيانات الجيش الإسرائيلي.
لكن هذا "الاستقرار النسبي"، بحسب المقال، مهدد بالتآكل نتيجة سياسات حكومية تسعى إلى إضعاف السلطة وتقويض قدرتها على العمل. وتضيف إيفرون أن بعض أركان حكومة نتنياهو لا يرون في بقاء السلطة مصلحة استراتيجية، بل عقبة أمام مشروع الضم.
هندسة جغرافية للضفة
وتشير الكاتبة إلى أن حركة الاستيطان تقود عملية إعادة تشكيل جغرافية الضفة الغربية عبر توسيع حدود البلديات الاستيطانية، وشق طرق التفافية، وربط البنية التحتية بين المستوطنات، بما يخلق ممرات سيطرة استراتيجية تعزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها.
ووفق بيانات مؤسسة "تمرور بوليتوغرافيا"، شهدت الضفة طفرة كبيرة في الموافقات على البناء الاستيطاني منذ عام 2023، حيث تضاعفت في 2025 مقارنة بأعوام سابقة، متجاوزة إجمالي سنوات عدة من العقد الماضي.
ومن أبرز هذه المشاريع مخطط "E1" لربط القدس المحتلة بمستوطنة معاليه أدوميم عبر آلاف الوحدات السكنية. وقد وافق سموتريتش في أغسطس/آب 2024 على بناء 3400 وحدة سكنية ضمن هذا الممر، معتبراً أن كل مستوطنة جديدة تُقرب من طيّ صفحة حل الدولتين.
كما تسجل الضفة ارتفاعاً ملحوظاً في هجمات المستوطنين، التي زادت بنسبة 27% بين عامي 2024 و2025، وفق إحصاءات الجيش وجهاز "الشاباك". وتنتقد إيفرون ضعف إنفاذ القانون بحق المتورطين، مشيرة إلى قرار وزير الأمن يسرائيل كاتس في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وقف استخدام الاعتقال الإداري ضد المستوطنين اليهود، في خطوة اعتُبرت رسالة تساهل رسمي.
وترى أن هذا المناخ يعزز شعوراً بالإفلات من العقاب، ويقوّض ما تبقى من قدرة السلطة الفلسطينية على فرض النظام، ويغذي مشاعر الاحتقان الشعبي.
اقتصادياً، تؤكد الكاتبة أن الاحتلال شدد القيود على المشاريع الفلسطينية، ووقف تحويل أموال الضرائب منذ مايو/أيار 2025، ما دفع السلطة إلى دفع رواتب جزئية لنحو 150 ألف موظف، وتقليص الخدمات الصحية والتعليمية، واعتماد نظام دوام مدرسي مختصر.
وتحذر من أن انهيار السلطة سيضع إسرائيل أمام عبء إدارة شؤون ملايين الفلسطينيين مدنياً وأمنياً، وهو سيناريو يحمل كلفة استراتيجية باهظة، رغم المكاسب الأيديولوجية قصيرة الأمد التي قد يجنيها دعاة الضم.
وتختم إيفرون بأن بعض الأوساط الإسرائيلية والدولية تراهن على انتخابات مقبلة لإعادة ضبط السياسات، غير أن التغييرات الميدانية والقانونية التي جرت خلال العامين الماضيين قد تكون غير قابلة للتراجع بسهولة.
وترى أن أي مسار نحو حل سياسي مستدام يمر عبر سلطة فلسطينية فاعلة وشرعية، وأن إضعافها أو دفعها نحو الانهيار لا يهدد الضفة الغربية وحدها، بل يقوض أيضاً فرص تعافي غزة وأي أفق لحل الدولتين في المستقبل المنظور.



