شبكة قدس الإخبارية

الضم… وأسئلة الضرورة

IByXY (2)

 

خاص - شبكة قُدس: أخذت حكومة الاحتلال خطوة أخرى نحو تعميق السيطرة الاستعمارية كاملة على الضفة الغربية المحتلة، في مسار طويل بدأ منذ الاحتلال، والمشاريع الاستيطانية والأمنية الإسرائيلية، التي كان يقدمها قادة سياسيون وجنرالات في جيش الاحتلال، وصولاً إلى مرحلة سيطرة "الصهيونية الدينية" على ملفات تتيح لها تطبيق برنامجها القائم على إبادة وإزاحة الشعب الفلسطيني من أرضه، وسرقتها كاملة.

تمثل لحظة إعلان المجلس الأمني والسياسي المصغر، في حكومة الاحتلال، المعروف بـ"الكابينت" عن حزمة من القرارات التي تمثل في التعريف القانوني والسياسي والاستراتيجي تنفيذا لقرار "ضم الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية"، إحدى تجليات حالة الطغيان التي وصلت لها دولة الاحتلال، في الشهور الماضية، وهي توسع عدوانها على مساحة واسعة من الأراضي العربية والإسلامية.

لكن هذا الإطباق الاستعماري الكامل على الضفة الغربية المحتلة، يمثل نقلة نوعية في المشروع الصهيوني، الذي يرى في السيطرة على الجبال الوسطى من فلسطين، قيمة استراتيجية وأمنية وعسكرية عالية القيمة، يضاف إليها الأفكار التوراتية الممزوجة مع المفاهيم الاستعمارية الصهيونية التي تحملها التيارات التي يمثل سموتريتش وبن غفير جزءا منها، وتزعم أن الضفة الغربية المحتلة ذات "قداسة دينية"، وتحمل أفكاراً عن إبادة سكان البلاد وتهجيرهم، وإحلال المستوطنين اليهود مكانهم.

لذلك كانت (الجائزة) التي أرادت حكومة الاحتلال الحصول عليها من هذا الطغيان على المنطقة العربية والإسلامية، والحرب على حركات المقاومة بمختلف تنوعاتها، هي السيطرة التامة على الضفة الغربية المحتلة، التي طالما ما كانت إحدى العقد في المشروع الاستعماري الصهيوني، وكانت من أبرز أهداف حملات محاولة القضاء على المقاومة، وإخضاع الجميع لما يريده الاحتلال الإسرائيلي.

وجاء طغيان الاحتلال على جميع المنطقة، وسعيها لتقسيمها إلى كيانات منفصلة، كما وقع في سوريا والصومال وغيرها، حين دخلت حكومة الاحتلال تحت شعار زائف هو "حماية الأقليات" بهدف تحقيق مشروع استعماري لم ينقطع التفكير فيه، وهو تحويل الوطن العربي إلى بقع متشظية لا يجمعها سوى التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، ليؤكد على حقيقة أن قوى المقاومة التي كانت تواجه العداء من طيف واسع من الأنظمة والنخب الرسمية العربية، كانت تمنع انفجار الشر الاستعماري الإسرائيلي في وجه العرب والمسلمين والعالم.

ويفرض أسئلة على العرب والمسلمين، خاصة النخب التي تؤمن بالتحرر، حول ضرورة العودة إلى الأسئلة السياسية والاستراتيجية في بنيتها الأولى، حول طبيعة التحرر والاستقلال الذي نريده، في ظل أن دولة الاحتلال تتقدم بكل طاقتها مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، لفرض الخضوع على الجميع، وعرقلة أي مشروع تنموي عربي وإسلامي.

وبينما يذهب النقاش فلسطينياً وعربياً حول تفاصيل تتعلق بالتحليل السياسي عن علاقة دولة الاحتلال مع الإدارة الأمريكية، وتوجهات الأخيرة، وتصريحات مسؤولين فيها عن (رفض ضم الضفة الغربية)، يظهر جلياً خاصة لمن يتجول في الضفة الغربية المحتلة، أن مشروع الضم الاستعماري للأراضي الفلسطينية، وبناء دولة المستوطنين، لم يتوقف، ويتلقى كل الدعم من الإدارة الأمريكية التي يسيطر عليها شخصيات تؤمن بالمشروع الصهيوني إيماناً مطلقاً، وتعمل على تحقيقه، لكنها تعمل من خلال المناورات السياسية والإعلامية على تسكين وتخدير المنطقة، عبر الحديث عن مشاريع "سلام" إقليمية، واقتصاد يجمع المنطقة، وغيرها من الشعارات التي يرددها ترامب والمسؤولون في إدارته، لكن واقع الحال يقول إن ما يجري في العالم هو عملية إخضاع للجميع للولايات المتحدة الأمريكية، حتى أقرب حلفائها، لذلك فإن الإدارة الأمريكية ستقبل كل ما تفعله دولة الاحتلال، وقد تذهب إلى تخفيف المصطلحات، لكن في الجوهر فإن السيطرة على الضفة الغربية المحتلة، والعمل على تهجير سكانها، خاصة من المناطق المستهدفة بالكتل الاستيطانية الكبرى لا يعرقله شيء.

وهذا الانكباب على نقاش تفاصيل العلاقة بين الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال، والمبالغة في تظهير (خلافات) بين ترامب ونتنياهو، يعكس الأزمة الفلسطينية والعربية، خاصة لدى الأنظمة والحكومات، التي تهرب من الاستحقاقات الواقعية لمواجهة الطغيان الإسرائيلي، الذي لم يعد تهديده للمنطقة، مجرد توقعات أو تحليلات لتصريحات ومخططات داخل الكتب، بل واقعاً نعيشه يومياً، في كل الأرض العربية.

وتظهر المرحلة الحالية عمق الأسئلة وضرورتها التي يجب أن يطرحها الفلسطينيون على أنفسهم، عن السؤال الكبير (ما العمل؟)، والمشروع المناسب الذي يجب أن يجتمعوا عليه لمواجهة مخططات الاحتلال التي لم تعد سرية، وهي إبادة الشعب الفلسطيني، وإحلال المستوطنين على كل متر من أرضه، وإن كان صمود قطاعات واسعة من الفلسطينيين، رغم ضراوة حرب الإبادة، إلا أن الخطر لم يتوقف، ومواجهة مشروع يحمل كل هذا الإجرام والشر، يجب أن يدفع كل الفلسطينيين إلى التفكير عميقاً، والخروج من حالة الصدمة التي تسيطر على قطاعات شعبية واسعة.

لذلك فإن نقاش (المشروع الفلسطيني) يجب أن لا يبقى حبيس النقاشات النظرية الباردة فقط، سواء في المؤتمرات أو الهيئات الأكاديمية والبحثية، أو في اجتماعات القيادات، بل يتموضع ضمن الشعور بالخطر الذي تمثله هذه المرحلة من المشروع الاستعماري الصهيوني، الذي صارت كلمة (النكبة) لازمة على لسان مسؤوليه ومستوطنيه، وبات شعور الطغيان وانعدام قوة عربية وإسلامية قادرة أو تريد فرملة الاندفاع الاستعماري الإسرائيلي، يدفع المستوطنين إلى مزيد من الطموحات للسيطرة على مساحات كانت إلى سنوات قريبة بعيدة عنهم، وصاروا أشد جرأة في اقتحام قرى وبلدات كانوا يخشون المرور قربها، دون حراسة عسكرية مشددة، خلال فترة الانتفاضة ونشاط خلايا المقاومة.

والهدف الأول فلسطينياً يجب أن يكون تعزيز صمود الناس على الأرض، ليس بالشعارات فقط، بل بالمشاريع والعمل الدائم، خاصة في المناطق التي صار التهجير الكامل قريباً منها، ويواجه الناس فيها وحدهم عدوان المستوطنين وجيش الاحتلال.

وتعزيز الصمود ليس مجرد شعار وطني عام، يرفع في المناسبات وخلال الخطب، بل ضرورة استراتيجية يجب أن يكون لها التفكير الأساسي والموارد المتوفرة، وتخصيص هيئات حكومية وشعبية كاملة لها، لأن الصراع الأساسي هو الأرض، وفقدان مزيد من المساحات لصالح المستوطنين، يجعل من مشروع التهجير ومحاصرة الفلسطينيين في كتل سكانية لا تملك سوى حدود البيوت فيها، قابلاً للتحقق أكثر.

والجزء المركزي في نقل الواقع الفلسطيني نحو التعامل مع واقع الاحتلال كما هو، هو التحرر من أوهام السلطة والحكومات والاتفاقيات، والتعامل مع حقيقة أن دولة الاحتلال الإسرائيلي أقصت (الشعار السياسي) من منظومة وجود السلطة، وتعمل على تعزيز تحويلها نحو جهاز أمني فقط، يسيطر على تجمعات الفلسطينيين، في المناطق المحاصرة بالاستيطان.

وأظهرت حرب الإبادة الجماعية، في غزة، ضعف كثير من التشكيلات السياسية والنقابية الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية والقدس المحتلتين، إذ عجزت عن القيام بأدوار شعبية وجماهيرية وسياسية، وهو ما يجعل من التفكير في الحالة التي وصلت لها النقابات والهيئات الفلسطينية، ضرورة عاجلة، تفرضها المقارنة التاريخية بين الأدوار التي لعبتها هذه الهيئات في مراحل سابقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، كما في السبعينات والثمانينات والانتفاضة الأولى وغيرها، والمرحلة الحالية التي تشهد انهياراً لكل البنية التي كانت تسند الفلسطيني وتجعله قادراً على مواجهة وحشية السياسات الاستعمارية ومساعي تعويمه داخل الأسرلة والقبول بأمر واقع هو الاحتلال.

ويؤكد انقضاض حكومة الاحتلال بهذه الوحشية الاستعمارية على الفلسطينيين، على تركيبة النظام الدولي المتواطئ بصيغته العامة مع دولة الاحتلال، ورغم حرب الإبادة الجماعية، في غزة، والعدوان الواسع على لبنان وإيران واليمن والعراق وقطر وسوريا وغيرها، والغضب الجماهيري الواسع، في العالم، والمطالبات بإخضاع قادة الاحتلال لمحاكمات دولية، واعتقالهم بسبب جرائم الإبادة التي ارتكبوها، إلا أن معظم الحكومات خاصة الغربية، واصلت دعم حكومة الاحتلال، وفرغت الغضب العالمي من إمكانية ترجمته، في هذه المرحلة، على الأقل نحو شيء محسوس يرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني.

وهذا يفرض على القوى المساندة للشعب الفلسطيني العودة بقوة للعمل، ضمن استراتيجيات كاملة، لتثمير الغضب العالمي من دولة الاحتلال، في سياسات واستراتيجيات وتكتيكات تجعل من العمل المساند لفلسطين، ليس مجرد ردات فعل غضب، بل توجهاً كاملاً يربط بين النضال ضد دولة الاحتلال، والسعي العالمي للتحرر من الطغيان الأمريكي والغربي، وتحقيق العدالة لجميع المظلومين، بما فيهم الشعب الفلسطيني.

#حكومة الاحتلال #ضم الضفة #سموتريتش #بن غفير #الضم
google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0