غزة – قدس الإخبارية: كشف تحقيق استقصائي موسّع نشره موقع "ذا نيو هيومانيتيريان" عن قائمة من المنظمات الإنسانية التي يمنحها جيش الاحتلال الإسرائيلي أفضلية للعمل في قطاع غزة، رغم حظر عشرات المنظمات الأخرى مؤخرًا بموجب قانون تسجيل إسرائيلي جديد أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية.
التحقيق، الذي أعدّه الصحفي الكندي رايلي سباركس المتخصص في تغطية قضايا غزة والهجرة وحقوق الإنسان، أشار إلى أن 37 منظمة إغاثية عاملة في القطاع – من بينها معظم المنظمات غير التابعة للأمم المتحدة – واجهت حظرًا نهاية الشهر الماضي بعد رفضها الامتثال لشروط التسجيل الجديدة. في المقابل، وافقت سلطات الاحتلال على عمل 24 منظمة قالت إنها استوفت المعايير المطلوبة، وهي شروط يرى منتقدون أنها تهدف إلى إحكام السيطرة على العمل الإنساني وتطويعه لخدمة أهداف سياسية وعسكرية إسرائيلية.
وخلص التحقيق، وفق ترجمة وكالة "صفا"، إلى أن المؤسسات التي سُمح لها بتوسيع أنشطتها في غزة تجنبت انتقاد السلوك العسكري الإسرائيلي أو قلّلت من شأنه، رغم أن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة وعددًا من منظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون الدولي وصفوا ما يجري في القطاع بأنه يرقى إلى "إبادة جماعية".
شراكات مثيرة للجدل
من بين المنظمات التي لم تواجه عراقيل، مؤسسات عملت خلال صيف 2025 كشريكة لـ"مؤسسة غزة الإنسانية"، التي أُثيرت حولها انتقادات حادة بعد أن تحولت مواقع توزيعها – وفق التحقيق – إلى نقاط استهداف عسكرية. وأشار إلى أن الهجمات التي نفذتها القوات الإسرائيلية ومتعاقدون أمريكيون في تلك المواقع بين أواخر مايو/أيار وأوائل سبتمبر/أيلول 2025 أسفرت عن استشهاد أكثر من 1100 فلسطيني وإصابة آلاف آخرين.
كما كشف التحقيق أن إحدى المؤسسات المدرجة في القائمة قدّمت تبرعات عينية للجيش الإسرائيلي، شملت معدات لوحدات كوماندوز متهمة بارتكاب جرائم حرب، فضلًا عن دعم لمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. ولفت إلى أن بعض هذه المؤسسات تنشط كذلك في مناطق جنوب غربي سوريا التي تحتلها إسرائيل منذ أواخر عام 2024، بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية.
وسجّل التحقيق تبنّي مسؤولين في تلك المنظمات روايات الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك إنكار وجود مجاعة في غزة خلال صيف العام الماضي.
فئتان من المنظمات
وبحسب ما توصل إليه التحقيق بعد مراجعة بيانات عامة وإجراء مقابلات مع مسؤولي منظمات وأكثر من 12 عامل إغاثة، فإن المؤسسات المقبولة إسرائيليًا تنقسم إلى فئتين: الأولى منظمات توصف بأنها "حسنة النية" لكنها اختارت الصمت مقابل السماح لها بالعمل، والثانية تبدو أكثر انسجامًا سياسيًا مع التوجهات الإسرائيلية.
ومن بين الأسماء التي وردت في التحقيق: "ساماريتانز برس"، و"شبكة المعونة الدولية" (GAiN)، و"تايم أوف فريدوم" (TOF)، إضافة إلى "المطبخ المركزي العالمي"، و"خدمات الإغاثة الكاثوليكية"، و"آكتد".
وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن منظمتين عضوين في منتدى "يد العون العالمية" (HHGF) – وهما Fundacja Czas Wolnosci البولندية وGAiN الألمانية – أدخلتا ما لا يقل عن 361 شاحنة مساعدات إلى غزة منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهو خامس أعلى رقم بعد أربع وكالات أممية و"المطبخ المركزي العالمي". وأشار التحقيق إلى أن المساعدات التي تدخل خارج المنظومة الأممية لا تخضع للرقابة ذاتها.
اتهامات بالتنسيق والدعم العسكري
وأفاد التحقيق بأن بعض هذه المؤسسات قدّمت تبرعات مباشرة للجيش الإسرائيلي، بينها أحذية تكتيكية، زي عسكري، ومعدات لوجستية، وجرى تسليم بعضها في فعاليات حضرها مسؤولون عسكريون ووزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
كما يضم الهيكل الإداري لبعض المنظمات مسؤولين وضباطًا إسرائيليين حاليين وسابقين. ومن بين الأسماء المذكورة لوك غاسيوروفسكي، المدير التنفيذي لمنظمة HHC، الذي استُدعي كجندي احتياط خلال عدواني 2014 و2023 على غزة، وظهر في مواقع توزيع تابعة لـ"مؤسسة غزة الإنسانية".
ولفت التحقيق إلى أن HHGF شاركت في مخطط لإقامة مخيمات للنازحين الفلسطينيين في مناطق مدمرة من غزة، عبر وحدات سكنية جاهزة من حاويات شحن ومنطقة سياحية مقترحة باسم "ريفييرا"، في خطة يشارك فيها مطور عقاري إسرائيلي، وسط مخاوف من تكريس واقع فصل جغرافي قسري.
روايات مثيرة للانتقاد
وأشار التحقيق إلى أن أندريه غاسيوروفسكي، رئيس مجلس إدارة HHGF، وصف صور الجوعى في غزة بأنها "أخبار كاذبة"، وكرر في منشورات علنية مزاعم إسرائيلية بشأن أعداد الضحايا وتحويل المساعدات واختراق حماس للوكالات الأممية. كما أعاد نشر محتوى اعتبره التحقيق تحريضيًا ضد المسلمين في أكثر من مناسبة.
وختم التحقيق بالقول إنه لا يبدو أن أياً من المنظمات التي تحظى حاليًا بالأولوية في غزة وجّهت انتقادًا علنيًا لسلوك إسرائيل، في وقت تتحدث فيه أوساط إغاثية عن إعادة تشكيل شاملة لمشهد العمل الإنساني في القطاع، عبر تهميش المؤسسات المستقلة وتعزيز أخرى أكثر توافقًا مع الرؤية الإسرائيلية.
وقال أحد كبار العاملين في المجال الإنساني – طلب عدم الكشف عن اسمه – إن "إسرائيل تعيد رسم خريطة العمل الإنساني في غزة بما يخدم مصالحها السياسية، عبر تمكين منظمات صغيرة أو حديثة التأسيس، ومنع أي عمل مستقل دون موافقتها".



