شبكة قدس الإخبارية

خاص: بنك فلسطين في غزة.. بين التعطيل المالي والانهيار الإنساني

photo_2026-02-12_16-00-29

خاص قدس الإخبارية: في وقت يرزح فيه قطاع غزة تحت وطأة حرب مدمّرة وانهيار اقتصادي غير مسبوق، كان يُفترض بالمؤسسات المصرفية أن تشكّل شريان أمان مالي يخفف من معاناة المواطنين، لا أن تتحول إلى حلقة إضافية في سلسلة التعقيدات اليومية التي يواجهها الغزّيون منذ بدء حرب الإبادة.

ومنذ استئناف بعض فروع البنوك عملها الجزئي في غزة، وعلى رأسها بنك فلسطين، استبشر المواطنون خيرًا بإمكانية استعادة جزء من انتظام الدورة المالية. غير أن العودة جاءت أقرب إلى "تشغيل إداري محدود" منها إلى استئناف مصرفي حقيقي.

ويعتبر بنك فلسطين أكبر بنك محلي من حيث حجم الأصول ورأس المال وشبكة الفروع وعدد العملاء. ويبلغ رأس مال البنك المدفوع أكثر من 250 مليون دولار، في حين تتجاوز أرباحه السنوية الصافية 100 مليون دولار، وفقا لأحدث التقارير المالية.

ورغم ذلك، كرّس بنك فلسطين نفسه كأداة تضييق في خضم حرب الإبادة، وهو ما برز بالبدء بتوقيف وإغلاق حسابات مصرفية، وفرض مزيد من التعقيد على نظام التحويلات البنكية، وعدم إيجاد حلول لتفعيل نظام السحب والإيداع، ومنع فتح حسابات بنكية جديدة للمواطنين، وفصل موظفين في أحلك أوضاع القطاع.

ولا يمكن إغفال دور بنك فلسطين المتواطئ في تشديد الحصار المالي، لا سيما الإنساني، على قطاع غزة، برغبة إسرائيلية معلنة. إذا لطالما دعت أوساط سياسية إسرائيلية بمنع وصول الأموال أو تجديد النظام المصرفي في القطاع، بحجة منع تقويض المقاومة ومنع محاولات إعادة تأهيلها.

وفي الوقت الذي تمثل فيه السيولة النفدية شريان الاقتصاد، لم يكن بنك فلسطين مجرد طرف محايد، بل تحوّل إلى طرف فاعل في تنفيذ هذه السياسة، التي تزيد من معاناة ملايين الفلسطينيين في غزة، والتي ترسم صورة قاتمة لتواطؤ مؤسسات السلطة الفلسطينية، عبر آلياتها المالية، مع الحصار الإسرائيلي.

فلا تزال عمليات السحب والإيداع النقدي معطلة في غزة، في ظل أزمة سيولة خانقة. وباتت الحسابات المصرفية، وفق وصف مواطنين، أرقامًا على الشاشة لا يمكن تحويلها إلى نقد فعلي لتلبية الاحتياجات اليومية.

هذا الواقع دفع كثيرين إلى اللجوء إلى وسطاء وسوق غير رسمي، وما يعرف بـ"العمولة" لتحويل أرصدتهم إلى سيولة نقدية مقابل عمولات مرتفعة، ما يفاقم خسائرهم في وقت هم بأمسّ الحاجة فيه لكل شيكل.

ورغم أن أزمة السيولة ترتبط بعوامل سياسية وأمنية أوسع، إلا أن الانتقاد الموجه لبنك فلسطين يتمثل في غياب حلول استثنائية مرنة تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية، والاكتفاء بإجراءات تقليدية لا تعكس طبيعة المرحلة.

أحد أبرز الانتقادات الموجهة لبنك فلسطين يتعلق برفض فتح حسابات مصرفية جديدة لمواطنين في غزة خلال الفترة الماضية، أو تأجيل البت في طلباتهم دون مبررات واضحة. هذا الإجراء حرم شريحة من السكان الأشد احتياجا، من إمكانية استقبال تحويلات خارجية أو تنظيم مدخراتهم بشكل آمن.

وفي بيئة تتزايد فيها المساعدات والتحويلات الفردية من الخارج، يصبح الحساب البنكي ضرورة معيشية لا ترفًا إداريًا. وبالتالي، فإن تقييد فتح الحسابات يُنظر إليه من قبل متضررين كإجراء يضاعف العزلة المالية للقطاع، بدل أن يسهم في دمجه ماليًا في ظل الأزمة.

ومن باب التضييق، ورغم إعلانه العمل على استئناف فتح حسابات بنكية للمواطنين في غزة، إلا أن الواقع يقول إن بنك فلسطين يرفض فتح أي حساب بنكي لسكان غزة ممن يحملون هويات شخصية منتهية الصلاحية أو صادرة عن الشق المدني بوزارة الداخلية في غزة، كوثيقة إثبات شخصية رسمية في معاملاته المصرفية.

ولم يقتصر رفض البنك على الهوية الدائمة، بل شمل أيضا بطاقة التعريف المؤقتة التي صدرت كبديل طارئ خلال أشهر الحرب. ويأتي موقف إدارة بنك فلسطين في وقت أعلنت فيه وزارة الداخلية في رام الله اعترافها الرسمي بالوثيقتين (الهوية الدائمة والتعريف المؤقتة)، مع توجيهات صريحة لسلطة النقد باعتمادهما في كافة المعاملات المالية والمصرفية، إلا أن مجلس إدارة البنك لا يزال يرفض التعامل بهذه القرارات.

ورغم أن البنوك تبرر هذه الإجراءات باعتبارات تنظيمية وامتثال مصرفي، إلا أن منتقدين يرون أن تطبيق المعايير دون مراعاة الواقع الاستثنائي يحوّل الضوابط إلى عوائق، ويضع المواطن في مواجهة بيروقراطية قاسية في وقت فقد فيه منزله أو مصدر رزقه.

ولأن بنك فلسطين يبدو أكثر انفصالا عن معاناة أهل غزة، فقد أكدت شهادات ميدانية قيامه بفصل وإنهاء خدمات عدد من موظفيه في القطاع، منذ بداية العام الجديد، ضمن إعادة هيكلة أو تقليص للنفقات. ورغم أن أي مؤسسة قد تلجأ إلى إجراءات تقشفية في ظروف الحرب، فإن توقيت هذه القرارات أثار تساؤلات حول البعد الاجتماعي لدور البنك، خصوصًا أنه يُعد من أكبر المؤسسات المالية الفلسطينية وأكثرها تأثيرًا.

ويرى مراقبون أن فصل موظفين في بيئة تعاني أصلًا من بطالة مرتفعة وانهيار اقتصادي يبعث برسالة سلبية حول التزام المؤسسة بمسؤوليتها المجتمعية في أصعب مراحل القطاع.

ولا يمكن إنكار أن البنوك العاملة في غزة تواجه تحديات هائلة، تشمل الدمار الواسع، وانقطاع الكهرباء والاتصالات، وصعوبة إدخال النقد، وتعقيدات تنظيمية خارج سيطرتها المباشرة. غير أن الانتقاد الجوهري الموجه لبنك فلسطين يتمثل في غياب مبادرات استثنائية واضحة تعكس حساسية المرحلة.

ففي أوقات الاستقرار، قد تكون الإجراءات الصارمة مبررة ضمن إطار الحوكمة والامتثال. أما في زمن الحرب، فإن المواطن ينتظر من مؤسسته الوطنية الأولى ماليًا أن تنحاز إلى التيسير لا إلى التضييق، وإلى إيجاد حلول خلاقة لا الاكتفاء بتطبيق اللوائح بحرفيتها.

اليوم، يقف بنك فلسطين، بوصفه أكبر بنك وطني، أمام اختبار حقيقي لدوره المجتمعي. فإما أن يتحول إلى ركيزة دعم اقتصادي في وجه الانهيار، عبر تسهيلات استثنائية وشفافية أكبر وتواصل مباشر مع الجمهور، أو أن تتسع فجوة الثقة بينه وبين المواطنين الذين أنهكتهم الحرب. وفي قطاعٍ تتآكل فيه مقومات الحياة يومًا بعد يوم، لم يعد المطلوب من البنوك مجرد فتح الأبواب، بل إعادة تعريف دورها في زمن الكارثة.

في غضون ذلك، يقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ شبكة قدس الإخبارية إن "افتتاح فروع البنوك في غزة دون إتاحة السحب والإيداع الفعلي للمواطنين لا يغيّر من الأزمة شيئا، ففتح الأبواب بلا سيولة يترك الحسابات مجمّدة ويجبر الناس على اللجوء إلى السوق السوداء ودفع عمولات باهظة للحصول على الكاش".

وأضاف أبو قمر "لا معنى لعودة العمل المصرفي ما لم تُضخ أموال نقدية تتيح التعامل الطبيعي دون خسائر، فالسيولة هي شريان الحياة الاقتصادية وضمان استمرار النشاط التجاري ودفع الأجور". وأكد أيضا أنه "بعد عامين من الدمار الذي أصاب 95% من البنية المصرفية وتسبب بخسائر بمئات الملايين، لا يكفي تشغيل فروع محدودة مرحليا دون خطة عاجلة لتأمين السيولة وحماية مدخرات المواطنين".

وفي الوقت الذي قدّرت التقارير الدولية كلفة إعادة الإعمار المالي بنحو 42 مليون دولار، تبرز الحاجة الفورية في كبح السوق السوداء وضمان وصول النقد للفروع والصرافات، بحسب أبو قمر.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0