شبكة قدس الإخبارية

المرحلة الثالثة من الحرب: الحاجة الأمريكية ومعادلات الاستنزاف

المرحلة الثالثة من الحرب: الحاجة الأمريكية ومعادلات الاستنزاف
أحمد الطناني

منذ أوائل كانون الأول/ ديسمبر المنصرم بدأ الحديث عن المرحلة الثالثة للحرب العدوانية على قطاع غزة يأخذ مساحة أكبر في الخطابين الأمريكي والإسرائيلي، بملامح بدأت تتضح تدريجياً لشكل وطبيعة هذه المرحلة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ التسويق الأمريكي لها مغاير عن صيغ التسويق المتنوعة التي يقدّمها قادة الاحتلال كلّ حسب جمهوره وتوجهاته الأيديولوجية.

بحثت الولايات المتحدة عن بضاعة جديدة تبيعها للعالم حتى تؤمن مدة أطول من الصمت الدولي على جرائم الاحتلال المستمرة في قطاع غزة، ووجدت ضالتها بالحديث المتكرر عن المرحلة الثالثة التي أوحت بأنّها من صاغتها ووضعت محددات العمل خلالها، لتدّعي أنّها تتمحور حول تجنيب المدنيين في القطاع المجازر والاستهدافات من جيش الاحتلال.

في ذات الإطار، قدّم قادة الاحتلال هذه المرحلة باعتبارها مرحلة جديدة ضمن خطة متسلسلة للحرب على قطاع غزة، وخطوة في اتجاه تحقيق الأهداف التي رفعها المستوى السياسي في كيان الاحتلال والمطلوب تحقيقها حتى تضع الحرب أوزارها، في ما يوحي المستوى العسكري بأنّ ما يجري هو استكمال لخطوات عملياتية تُشكّل جزءاً من إدارة الميدان والمواجهة.

ملامح المرحلة الثالثة

وفقاً لما نُشر في صحيفة يديعوت العبرية فإنّ المرحلة الثالثة من الحرب، ستشمل انسحاب جيش الاحتلال من مناطق هجومية معينة، بينما ستستمر في الوقت نفسه الغارات البرية على أهداف داخل قطاع غزة، بالإضافة إلى الغارات الجوية. وسيبدأ الجيش المرحلة الثالثة من الحرب في شمال قطاع غزة، بينما سيستمر النشاط الهجومي المكثّف في خان يونس. وفي المرحلة الثالثة، سيكون التركيز على أن يكون هناك بالفعل شريط أمني أو منطقة عازلة مبنية على طول الحدود بين الأراضي المحتلة وغزة، بطول أكثر من كيلومتر واحد يعمل جيش الاحتلال بالفعل على تسوية المناطق المستهدفة وتهيئتها، بالإضافة إلى ذلك سيعمل الجيش على عدم دخول أي شخص إلى المنطقة “منزوعة السلاح” بأي وسيلة، وسيثبت تموضعه في المرحلة الثالثة داخل قطاع غزة في نقاط مثل ممر وادي غزة، لمنع “العودة غير الخاضعة للرقابة” للسكان إلى شمال قطاع غزة، مع إبقاء خيار أن يُسمح لبعض السكان بالعودة، بشروط معينة وإلى حدود محددة، كخيار وارد.

في ذات السياق، أعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال “دانييل هاغاري” أنّ الجيش “يُجري تعديلات على انتشاره في غزة، تحسباً لحرب طويلة مقبلة” مضيفًا أنّ ما يجري هو “تعديل أساليب القتال لكل منطقة في غزة، والقوات اللازمة لتنفيذ المهمة بأفضل طريقة ممكنة” و”أنّ كل منطقة لها خصائص مختلفة واحتياجات تشغيلية مختلفة”.

وقال “هاغاري” إنّ الجيش سينفّذ إدارة “ذكية” للقوات في غزة، موضحاً أنّ اثنين من الألوية التي سيتمّ سحبها يتألفان من جنود احتياط، ووصف الخطوة بأنّها تهدف إلى “إعادة تنشيط الاقتصاد الإسرائيلي”، مؤكداً على أنّ “بعض تلك القوات ستكون مستعدة للخدمة على الحدود الشمالية” مع لبنان، التي تشهد تصعيداً متواصلاً بالقتال مع حزب الله.

تغليف الوهم

بالرغم من أنّ جيش الاحتلال قد بدأ بخطوات سحب وإعادة انتشار للقوات شملت انسحابات كبيرة للقوات البرية لجيش الاحتلال من مساحات واسعة في مناطق شمال قطاع غزة، مع الاحتفاظ ببعض نقاط التمركز على الأطراف، إلا أنّها خطوات بقيت دون إعلان واضح سوى ما صرّح به المتحدث باسم الجيش عن “الإدارة الذكية للقوات في غزة” كتبرير لهذه الانسحابات.

آثر “نتنياهو” ومجلس حربه عدم التصريح بوضوح حول ارتباط الخطوات الميدانية التي يتخذها الجيش، بتدشين البدء الفعلي لما يُسمى بـ”المرحلة الثالثة” للحرب، وذلك سعياً لإبقاء هذه الورقة على أجندة اجتماعات وزير الخارجية الأمريكي

آثر “نتنياهو” ومجلس حربه عدم التصريح بوضوح حول ارتباط الخطوات الميدانية التي يتخذها الجيش، بتدشين البدء الفعلي لما يُسمى بـ”المرحلة الثالثة” للحرب، وذلك سعياً لإبقاء هذه الورقة على أجندة اجتماعات وزير الخارجية الأمريكي، ومنحه مُخرجات مرضية لجولته، لمنحه المادة اللازمة للحفاظ على استمرارية الصمت الدولي المتواطئ بقتل الشعب الفلسطيني.

في الواقع، جمع كيان الاحتلال بعض الضرورات العملياتية وفقاً لتقييم الميدان والأداء القتالي ومعادلات المواجهة، وغلّف هذه الحاجة بمجموعة من التفاصيل التي تُرضي الأمريكي، ويمكن أن تُقدَّم كمادة مؤقتة للمجتمع الدولي لتخفيف النقد المتصاعد لحرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.

جولة بلينكن: لتُذبح غزة بهدوء، ومنع توسُّع الحرب

الجولة التي نفّذها وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” في المنطقة وشملت الأراضي الفلسطينية المحتلة والاجتماع مع مجلس الحرب، إضافة للاعبين الإقليميين، حملت عدة أهداف، أعلنت الخارجية الأمريكية عن بعضها، في ما اتضح بعضها ضمنيا.

يأخذ بلينكن بعين الاعتبار في جولته أن يوازن ما بين الحاجة الأمريكية لتخفيف الضغط الدولي والضغوط الداخلية على إدارة رئيسه بايدن التي ترفض حتى الآن الدعوة الواضحة والصريحة لوقف كامل لإطلاق النار، وما بين حاجة “إسرائيل” للدعم الدولي والأمريكي المُطلق في حربها على الشعب الفلسطيني، وتلافي الإنجرار لمربع تحوُّل الحرب وكل تفاعلاتها وتجلياتها إلى مشروع انتخابي لنتنياهو.

الموقف الأمريكي واضح بخصوص السعي الجدي لعدم توسُّع الحرب من قطاع غزة إلى حرب إقليمية، أو حروب متعددة، خصوصاً مع التطور المتسارع للأحداث على الجبهة اللبنانية، والتي بلغت ذروتها باغتيال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس “صالح العاروري” في الضاحية الجنوبية في بيروت، وتلاه اغتيال القيادي في المقاومة الإسلامية “وسام الطويل”، ورفع حزب الله مستوى التحدي بتوجيه ضربتين نوعيتين لقاعدة الاستخبارات والاتصالات “ميرون” ومقر القيادة الشمالية في صفد بصواريخ دقيقة ومسيّرات انقضاضية تعطي نموذجاً مصغراً عن ما أعدّه الحزب لتوسُّع القتال.

بعد فشل وسيط الولايات المتحدة المُكلّف بمتابعة الملف اللبناني “عاموس هوكشتاين” لتقديم صيغ سياسية مرتبطة بالشأن اللبناني حصراً تقنع الحزب بإيقاف ضرباته على الحدود مع فلسطين المحتلة وتمسُّك حزب الله بإيقاف العدوان على القطاع كمدخل لتوقف الضربات، حمل بلينكن توجهاً جديداً يسعى لتقديم بعض تفاصيل المرحلة الثالثة من الحرب على القطاع بما يشمل الانسحابات الجزئية للآليات وعودة سكان شمال القطاع إليه، باعتبارها إنجاز عملياتي يمكن أن يُقنع الحزب بإيقاف عملياته، وهو ما لم يلقى آذانًا صاغية لا في لبنان ولا “إسرائيل” التي تعمّدت استباق وصول بلينكن بعملية اغتيال القيادي في حزب الله وسام الطويل.

وفقاً لوسائل الإعلام العبرية لم يخُض بلينكن لقاءاً ودياً مع نتنياهو، وبحث مع الحلفاء الأقرب للولايات المتحدة في مجلس الحرب “غانتس” و”غالانت” الضغط بشكل أكبر من أجل تنفيذ تغيرات في شكل ووتيرة العمليات في قطاع غزة، وتخفيض أسباب التصعيد والتوتر في الجبهة الشمالية مع حزب الله.

تعي الولايات المتحدة أنّ الحرب مع لبنان في هذا التوقيت هي عملية استدراج لها لحرب هي بغنى عنها، خصوصاً مع انطلاق ماراثون الانتخابات الأمريكية الذي يخوضه الحزب الديمقراطي بحصان هرم وضعيف أراد أن يُغرق روسيا في أوكرانيا، فغرق هو في الشرق الأوسط في سنته الأخيرة في البيت الأبيض في دورة رئاسية مليئة بالفشل الذريع وصور الانكسار الأمريكي. في ما تشكّل الحرب مدخلاً ذاتياً لنتنياهو للبقاء أطول مدة ممكنة في الحكم حتى لو أدى ذلك لانفجار المنطقة بأكلمها.

حصل بلينكن على إعلان الدخول في المرحلة الثالثة من الحرب، ولو بشكل جزئي في شمال غزة فقط، ولم يحصل على ما حمله في حقيبته من ملفات، سواء على صعيد منع توسُّع الحرب ونزع فتائل الانفجار، أو على صعيد الرؤى المتعددة للسؤال الكبير حول اليوم التالي للحرب، والذي استمزجت فيه الولايات المتحدة توجهات ورؤى دول الإقليم الحليفة لها، وصاغت رؤية لم تعلن الكثير من ملاحمها، إلا أنّ صيغتها أياً كانت لم تلائم مقاييس شركاء نتنياهو في الحكم من قادة الصهيونية الدينية الذين يريدون إتمام عملية الإبادة في قطاع غزة.

واقعيا: ما هي المرحلة الثالثة من الحرب؟

بالرغم من كل محاولات تغليف ما يُسمّى بالمرحلة الثالثة للحرب وتقديمها باعتبارها خطوة كبيرة وتحميلها مضامين سياسية ومحاولة تقديمها عبر صفقات سواء للمقاومة في قطاع غزة ضمن مساعي الوصول للمزيد من الصفقات الجزئية للأسرى، أو للمقاومة اللبنانية لتخفيف وتيرة الضربات أو إيقافها اسناداً لغزة، إلا أنّ الواقع مغاير تماما، والانتقال لهذه الخطوة كان حتمياً في ضوء التقييم العملياتي لجيش الاحتلال لمجرى العمليات وطول مدة الحرب.

نجحت المقاومة على مدار الأشهر الثلاثة من القتال المباشر مع جيش الاحتلال في تحويل معادلة الغزو البري إلى معادلة استنزاف مستمرة ورفع تكلفة البقاء على أراضي القطاع وتحويل كل ساعة إلى عدّاد للآليات والجنود الخارجين عن الخدمة، بإصابة كلية أو جزئية، وهي معادلة يمكن أن يحتملها الجيش بعملية سريعة، ولكن ليس على مدار 100 يوم من القتال المستمر ويزيد.

كل رهانات الاحتلال على تحقيق سيطرة عملياتية على مناطق واسعة وتحييد العُقد الدفاعية للمقاومة وتفكيك بنيتها التحتية باءت بالفشل، فالجيش ما زال يتلقى ضربات يومية في كل محاور القتال حتى تلك التي توغل فيها منذ الأيام الأولى للغزو البري، واحتلها بشكل كامل ومسح كل ملامحها الحضرية وجغرافيتها، إلا أنّ البيئة المُعقدة التي خلقتها المقاومة للمناورة والدفاع والاستنزاف كانت أكبر وأعقد بكثير مما يمكن أن يتوقعه جيش الاحتلال الذي يعجز عن تفكيك تركيبتها وتحييدها.

دفع هذا الواقع قادة جيش الاحتلال لإعادة تقييم مصير العمليات خصوصاً في المناطق الشمالية والتي ادّعى أكثر من مرة إطباق سيطرته العملياتية عليها، في ما يقول الميدان كلمة مغايرة بالضربات التي يتلقاها الجيش داخل هذه المناطق، ناهيك عن الإطلاقات الصاروخية من هذه الأراضي التي ادّعى الجيش وقوعها تحت سيطرته، وهو ما دفع إلى الحاجة لتنفيذ عمليات انسحاب واسعة من هذه الأراضي التي أنهى الاحتلال فيها التعامل مع بنك أهدافه وبات عُرضة فقط لكمائن الموت والمراوحة في المكان وتلقّي الضربات.

الاستنزاف الميداني، مترافقاً مع الحاجة الاقتصادية المُلحة لتسريح قوات الاحتياط بسبب فاتورتهم الكبيرة على الاقتصاد “الإسرائيلي” دفع قادة الجيش لتقديم رؤيتهم للمرحلة الجديدة، التي تُحقّق أهدافاً متعددة، بدءاً من تخفيف الاستنزاف على الأرض، ومروراً بتسريح ألوية من الاحتياط، وليس انتهاءً بالاستجابة للتوصيات الأمريكية التي يحرص وزير الجيش وهيئة الأركان على دفء العلاقات معها وتماسكها.

ميدانيا، تشكّل المرحلة الثالثة جزءاً من معادلات الاستنزاف لكلٍّ من المقاومة وجيش الاحتلال، ففي الوقت الذي يرى فيه جيش الاحتلال فرصة لتخفيف خسائره، يرى فيه أيضاً فرصة لاستدراج مقاتلي المقاومة لمواقع أكثر تحصيناً للجيش وبالتالي استنزاف أكبر للموارد البشرية والتسليحية للمقاومة التي تتمتع بخطوط إمداد مفتوحة، وتستخدم مقدّراتها من “اللحم الحي” وتقاتل منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر بلا توقف. في ما تجد المقاومة فيه فرصة لترتيب أوسع للصفوف، وترميم الخطوط الدفاعية وتغطية أي شواغر بشرية أو لوجستية أحدثتها الضربات الصهيونية، ومن المتوقع أن تشمل أيضاً تغييراً في نمط العمليات وعدم الانجرار لمعادلات الاستنزاف.