شبكة قدس الإخبارية

اللجان القومية والإضراب الكبير

حمزة العقرباوي
لم يَمضِ على عملية الشيخ فرحان السعدي وإخوانه بضعة أيام حتى كانت نابلس قد فتحت ذراعيها لاحتضان شرارة الثورة ومحاولة ترتيب البيت الفلسطيني استعداداً لاستحقاق الحُرية. حيث تداعت نخبة نابلس وطليعتها للاجتماع يوم 19/4/1936 لتدارس الوضع السياسي وفهم مجريات الأمور ولتحديد موقف ممّا يجري في يافا من اعتداءات من قبل العصابات اليهودية على العرب. كانت لغة الخطاب ثورية وتنم عن وعي حقيقي لما تحتاجه البلاد في ظل حالة التآمر البريطاني على الفلسطينيين لصالح الصهيونية، وأن المرحلة مناسبة لتوحيد الجهود لإنقاذ البلاد من ظُلم الاستعمار. كان المُجتمعون في نابلس يُدركون طَبيعة المرحلة وأن الأمر يتطلب إجماعًا على الهم القومي بعيداً عن البُعد الحزبي، وذهبت هذه النُخبة لتبني خيار المُقاومة والمناداة به ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني باعتباره رأس البلاء. حالة الغضب في نابلس عموماً هي ما دفعت النخب جميعاً للإجماع على هذه القرارات وتبني لغة خطاب ثورية، وبالتالي استطاع الشيخ فرحان السعدي بعمليته الفدائية دفع الجماهير لتبني خيار المُقاومة المُسلحة. ووضعت ترتيبات جدية لنجاح نتائج الاجتماع وبدأت نابلس تقود التواصل مع المدن الفلسطينية لتشكيل لجان قومية تشمل المدينة والأرياف، تنادي بوقف الهجرة اليهودية داعية كل الأحزاب والنخب السياسية للمسارعة لحمل الهم الوطني. وَتُوِّجَ الاجتماع بإعلان استمرار الإضراب في نابلس والمُناداة به في كل فلسطين وأنه لا سبيل للعودة للوراء حتى نيل الحقوق. ووزعت لجنة نابلس القومية بياناتها في ذات يوم الاجتماع وكان اللافت في صيغة البيانات أنها حادة وثورية وتأبى الترقيع وتدعوا علناً للكفاح المسلح ومواجهة المشروع الصهيوني والاحتلال البريطاني. وعلى إثر ذلك تداعت النخب السياسية والوطنية لتبنّي موقف نابلس، وتشكلت اللجان القومية في كل مدن فلسطين، ثم تلاها تشكيل اللجان القومية في القرى والأرياف، كما تشكلت في القدس اللجنة العربية العُليا لتشمل الأطياف السياسية المتنافسة. شكل الإضراب حالة عصيان مدني ضد سياسة الاحتلال البريطاني وتوج ذلك برفض دفع الضرائب وصاحت النخب كما الجماهير "لا ضرائب بلا تمثيل". وصار مشهد المسيرات الغاضبة التي لا تنفض إلا بعد خطابات نارية تدعوا للجهاد في سبيل حفظ الحقوق مألوفاً في كُل البلاد. وذهبت نابلس لأبعد من ذلك في إعلانها لفعاليات أسبوع القرى، حيث تحتشد القرى في نواحي نابلس في مسيرات غاضبة ويتقدم الخطباء على المنصات وأكتاف الجماهير محُرضين على الثورة وداعين للدفاع عن الأوطان بالسلاح، فالأمر لم يعد يقتصر على النُخب إذ صار للفلاحين دور مهم في صياغة شكل المشروع الوطني المنشود. وكانت الشعارات والهتافات تدعوا علناً للكفاح المسلح:

الطيارة والدبابة.. ما هي أقوى من العصابة

وفرنسا هي الكذابة ..  والثوار هم الأحرار

 اسمع مني يا عزيزي.. ليث الشام يهزم باريز

يلعن أبو الانكــليز .. والثـــوار هُمَّ  الأمارا

  وتدرجت حالة الغليان الثوري في فلسطين وسارع الناس إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وبدء الثورة المُسلحة التي كانت شرارتها قد أبرقت في 15/4/1936. فبدأت الثورة وسط إضراب شامل عجزت بريطانيا عن تطويقه ومنعه رغم إعلان حالة الطوارئ وحشد جيشها وقوتها العسكرية، وصارت أخبار الاشتباكات والمواجهات ترد تباعاً من كل أنحاء فلسطين. ومع عجز بريطانيا عن إيقاف الثورة والإضراب العام بالقوة المُسلحة لجأت إلى المُراوغة والوعود والحديث عن إيفاد لجنة ملكية لفلسطين لأجل الاستماع لحقوق الفلسطينيين، وتدخل الزعماء العرب كوسطاء لأجل إيقاف الإضراب ونجحوا في إقناع النخب السياسية بذلك فأعلن في 13/10/1936 توقف الإضراب والثورة في فلسطين تماشيا مع رغبة الزعماء العرب.