شبكة قدس الإخبارية

عيون الأغوار المفقوءة

حمزة العقرباوي
 خاص قدس الإخبارية: بعد احتلال الضفة الغربية في حزيران 67 سارع الاحتلال لإعلان المناطق الحدودية الشرقية كمناطق عسكرية مغلفة يُمنع الوصول إليها ويشمل ذلك 400 ألف دونم، أقيم عليها 90 موقعا عسكريا بعد إخلائها من سكانها وإجبارهم على الرحيل عنها وهدم مُنشآتهم الزراعية واقتلاع خيامهم. وفي منتصف العام 1970 بسط الاحتلال سيطرته على تلك المناطق بشكل كامل وعزلها عن الضفة الغربية بزرع حقول ألغام وإشادة مواقع وطرق عسكرية، لينهي بذلك ظاهرة تهريب البضائع والعمل الفدائي عبر نهر الأردن. تلا ذلك ملاحقة المزارعين والرعاة في مناطق الغور وطردهم منها ومصادرة الأرض بحجج مناطق عسكرية أو أملاك غائبين، ليفقد الفلسطينيون 70% من مساحة الغور النابلسي المُمتد من فصايل جنوباً حتى العين البيضاء شمالاً والذي يتبع جغرافياً لقرى مشاريق نابلس وطوباس وطمون. وبذلك فقدت هذه التجمعات مصدر رزقها الأساسي الذي يقوم على الزراعة والثروة الحيوانية. فالغور يُشكل سلة الغذاء الرئيسية من القمح والخضروات ومنتجات الثروة الحيوانية.
  • ثلاث قرى وثلاثة حكايات:
تَشكَّلت التجمعات الأساسية غرب النهر قبل عام 67 بين طوباس وبيسان من ثلاثة قرى أساسية هي عين البيضاء وعين الساكوت وعين الدير، وهي ثلاث خربقرى تقوم على أرض طوباس الغورية، وتقع ضمن المنطقة المعرفة بالعين البيضاء لأنها أكبر تلك التجمعات الباقية بعد تهجير سكان الشريط الحدودي. وهذه القرى وأراضيها ليست مجرد أسماء نسردها، ذلك أن لها حكاية وارتباط بذاكرتنا وحياتنا هُناك، وَرُوِيَت تُربتها من عرق الأجداد الذين فلحوها. وأطفأت عشطها من دماء الفدائيين الذين عبروا إليها ولقوا الله شهداء على ثراها. في تلك البقعة تنتشرُ عدة عيون ماء مُشكلة "حقل العيون"،  بين نهر الأردن شرقاً وعين البيضا غرباً وبين عين الساكوت جنوباً وعين الفاطور شمالاً على طرف غور بيسان، ومن بين تلك العيون: عين الدير، عين القرعان، عين الشمسية الفوقا، عين الشمسية التحتا، عين محيدرة (لمحيدرات)، عين بليبل، عين الصفصافة، عين أبو عفيف، عين البصة، عين فراطه، عين الحمة. وغالبية هذه العيون يوجد في محيطها قنوات ماء وأساسات أبنية قديمة، وأرضيات فسيفساء وقطع فخار مُتناثرة.
  • عين البيضاء
قرية  عربية إلى الشرق من مدينة طوباس عند أقصى حدودها مع بيسان، وأرضها خصبة زراعياً. والقرية كانت مسكونة من فترات تاريخية قديمة غير أن القرية الحديثة أنشأت في أربعينات القرن الماضي. وقد بلغ عدد سكانها في إحصاء 1961م (543) نسمة. وقد سُميت العين البيضاء بهذا الاسم نسبة لعين الماء التي تتوسطها والتي كانت توصف بصفاء مائها الذي يخرج من الأرض كأنه أبيض لعذوبته ونقائه. وبعد الاحتلال عام 1967 تعرضت القرية لسلسة اعتداءات وعمليات هدم بحجج مختلفة لإجبار المزارعين وأصحاب المواشي على إخلاء المنطقة والرحيل عنها
  • عين الساكوت
عين ماء عند رأس مصب واد المالح في نهر الأردن وبجانبها بركة ماء كبيرة تتجمع المياه فيها من ماء العين الذي يجري عبر قناة مغطاة بالقصب والأعشاب الطويلة. وإلى الغرب من العين تل الساكوت الأثري الذي يحتوي على أساسات وحجارة متناثرة وقطع فخار متفاوتة عمراً وتاريخاً. وبالقرب من التل مقبرة إسلامية قديمة وقنوات مبنية من الحجارة. والى الشرق الشمالي من تل الساكوت يقع تل أبو السوس الأثري على مقربة من نهر الأردن. والساكوت كما في اللغة: كثير السكوت، والظاهر أنها سُميت بذلك لأن مائها يخرج من الأرض إلى حوض العين بهدوء تام وبشكل ناعم من غير صوت، حتى أنك لا تدرك مخرجها بالضبط من الأرض إلى الحوض. ولأجل ذلك قيل عنها عين ساكوت. وفي الموقع كانت قرية صغيرة مأهولة قبل العام 67 وبلغ تعداد سكانها في إحصاء 1961 (140) نسمة. ويعتمدون على مياه العين ونهر الأردن في ريّ مزروعاتهم وسقاية مواشيهم. وقدم هُدمت القرية ودمرت خزاناتها، وَدُمّر الموقع الأثرية والمقبرة الإسلامية وأنشأ الاحتلال على قمة التل الأثري خنادق دفاعية قبالة الحدود مع الأردن.
  • عين الدير
خربة تقع بين العين البيضا وعين الساكوت وتحتوي على تل أثري وتنتشر فيها قطع الفخار وقنوات الماء وأساسات لأبنية قديمة. وفي الخربة عين ماء كانت تستخدم للزراعة وسقي الأغنام، وهي نسبة لأحد الأديرة القديمة التي زالت ودرست معالمها. وكان في خربة الدير عدة بيوت ومنشئات سكنية هدمت وأزيلت، وبلغ تعداد سكانها في إحصاء 1961 (109) نسمة. وكان فيها مطحنة قمح لا تزال جدرانها شاهدة على عهد الحياة قبل الاقتلاع والتهجير. وقد غير الاحتلال كثيراً من معالم خربة الدير ومنطقة لِجوَيبه إلى الجنوب من خربة الدير  بإنشاء خنادق للدبابات وثكنات في التلال مقابل الحدود مع الأردن. ومن خربة الدير يمكنك مُشاهدة حدود خط الهدنة بين أراضي 48 وأراضي 67، وكذلك تشاهد أبراج ومواقع الجيش الأردني على الضفة المقابلة للمنطقة.
  • الأولياء يحمون الأرض
على مقربة من العين البيضا يقع مقام الشيخ محمد أحد الأولياء الصالحين، وكان مقصداً للناس في الغور لطلب الحماية والبركات، وكان البدو يضعون في حماه أمتعتهم وبعض مُنتجاتهم من سمن وجبنه وغيرها، فتبقى على حالها لا يمسها أحد حتى يعودوا لأخذها، ذلك أن للأولياء حُرمة وكرامة أحياءً وأموات. ومقام الشيخ محمد واحد من المقامات الدينية المنتشرة على ضفتي نهر الأردن. قال محدّثي:" الناس كفرت بالأولياء وبطّلت تؤمن بولاياتهم فرفعوا أيديهم عن البلاد، فذل أصحابها وضاعت الأرض من أيديهم".
  • الفدائيون في غور العين البيضا
شهدت السنوات بين 1967-1970 عمليات تسلل وتهريب عبر نهر الأردن إلى فلسطين المُحتلة على طول الشريط الحدودي مع الأردن، وكانت مخاضات فتح الله وفتّال الصفاح وأبو السوس إلى الشرق من العين البيضاء وعين الساكوت واحدة من الأماكن التي يتم العبور منها إلى فلسطين. وكان التسلل والعبور للتجارة وتهريب البضائع الممنوعة. ومن هذه المخاضات عبر الثوار والمجاهدون في الثورة الكبرى 36-39 وكذا في حرب 47-48، وكذلك كانت دوريات الفدائيين تعبر لتنفيذ مهمات في العمق وهي ما عرفت باسم دوريات الأرض المحتلة. وقد تنبه الاحتلال لظاهرة دوريات الأرض المحتلة، وجرت عدة معارك على ضفاف النهر الغربية، ولا تزال ذاكرة الناس تروي تفاصيل بعض تلك المعارك التي دَوّى صوت رصاصها قبل أن تُكتب الشهادة للفدائيين وتدفن جثامينهم في مقابر الأرقام شرق فصايل أو جنوب جسر دامية في الغور. ومن بين تلك المعارك التي يذكرها الناس: معركة إم عشيش جنوب العين البيضاء عام 1968، ومعركة البري إلى غرب من عين البيضا عام 1968، ومعركة واد شوباش شمال العين البيضاء عام 1969، ومعركة جباريس عام 1969، ومعركة العين البيضاء عام 1970.
  • العودة مُجدداً
بانسحاب جيش الاحتلال من بعض نُقاطه العسكرية غرب نهر الأردن أخلى تلك السهول لمستوطني الأغوار كي يزرعوها بالفواكه والخضروات والأعشاب الطبية والقمح وغيرة. فالأرض التي تم مُصادرتها كمناطق عسكرية من أهالي العين البيضا والساكوت والدير وطوباس أضحت أراضٍ زراعية للمستوطنين، وهنا تداعي ملاك الأرض وفي أيديهم "الكواشين" لاسترداد حقهم المسلوب. فاستعادوا جزءاً يسيراً من أرضهم ويبقى الحُلم الكبير بِكَنس الاحتلال واسترداد الأرض من بحرها لنهرها.