شبكة قدس الإخبارية

قداسة الخُبز والملح في الاعتقاد الشعبي

حمزة العقرباوي

كتب: حمزة العقرباوي

تكاد تشترك المُجتمعات القروية في بلادنا بجملةٍ من الاعتقادات والعادات من حيثُ المُمارسة وطبيعة التصرفات والسلوك. ومن جُملة ذلك ما يَخصُ المأكل والمشرب واللباس. وذلك طبعاً قبل التحولات الاجتماعية التي غزت مُجتمعنا مُنذ عقود قريبة بفعل الانفتاح ومُواكبة الحضارة.

ولعل من جُملة ذلك النظرة الشَعبية لمكانة الخبز والملح باعتبارهما من مصادر القوت الأساسية الأهم لدى الناس مع احترامي للماء ومكانته في الحياة.

ويبرزُ الخبز والملح بحضورٍ طاغٍ في كثيرٍ من المَحكيات والمرويات والأمثال الشعبية، ولذا نسمع من قولهم: (بينّا خبز وملح)، (خاين العيش والملح)..الخ .

غير أن هُناك بُعداً آخر للموضوع فالأمر ليس مُجرد احترام نعمة وقوت أساسي وبالتالي دخوله إلى المحكيات والأمثال الشعبية، إننا نلمس روح القداسة والهالة الدينية المُضفاة على الخبز والملح وربطهما باعتقادات دينية لتزيد من أهميتهما ومكانتهما الاجتماعية في المُجتماعات العربية وتحديداً في فلسطين مجال مُطالعتي وبحثي.

والامر بلا شك سابقٌ للديانات الثلاث وهو من موروثات الحضارات البشرية الاولى التي عرفت

حافظت تلك المعتقدات على نفسها وتسربت عبر الزمن مُتمسكة بجوهر الاسطورة وعاشت بتماش حكيم مع كل الحضارات والديانات حتى بلغت الينا بصيغة القداسة التي نراها بها اليوم، دون ان نعرف سرّها واصل منشئها الأسطوري.

فنجد الخبز في الاعتقاد الشعبي اليوم مُرتبط بالقرآن الكريم من حيث القداسة وسلوك التعامل معه، كما أن الإهمال بالملح ولو بِحَبةٍ واحدة موجبٌ للنار كما في اعتقادهم، وهي بلا شك ظاهرة تلفت الانتباه وتستوجب مُحاولة فهمها وردها لأصولها ومنابعها الإعتقادية. فالمقدس مُصان ويجب أن لا يتم تجاوزه.

ونلاحظ في موضوع الخبز وقداسته في الاعتقاد الشعبي كيف يُمنع على الحائض أو المرأة غير الطاهر أن تعجنه خوفاً من انعدام البركة (بتطّير البركة). كما تُمنع تماماً من مَسِّ المُصحف الشريف.

وأيضاً عندما تسقط كسرة خُبز على الأرض فإنهم سُرعان ما يتناولونها بنوع من الاحترام المُبالغ ثُم يُقبّلونها ويُمررونها على الجبين مُرددين (حيشاك يا مُصحف الله) أو (حيشاكِ يا نعمة الله)، وهو ما يَحدثُ عند الإمساك بالمصحف إذ يُقبّلوه ويُمرروه على الجبين كنوعٍ من الاحترام لأقدس ما يملكون بأيديهم. وطبعاً الامر ليس منصوصاً عليه في الاسلام ولا أصل له، لكنه من رواسب الاعتقادات المُقدسة ذات البُعد الاسطوري لحضارات ارض كنعان القديمة التي ارتبطت بالزراعة قبل اكثر من ٨٠٠٠ عام.

وفي الاعتقاد الشعبي يَحرمُ إلقاء الخبز أو بقاياه مع غيره من الزوائد والفضلات من الطعام، ولذا كانوا يضعوه في مكان مُرتفع كي تتناوله الطيور.

وفي الأثر جملة كبيرة من الأقوال والأحاديث التي نسبوها للنبي صلى الله عليه وسلم عن الخبز وان كانت غير صحيحة، لكنها تُدلل على الأهمية المُتوارثة لمكانة الخبز ومن ذلك "أكرموا الخبز "أكرموا الخبز" : إكرامه أن لا يُوطأ ولا يُمتهن كأن يُستنجى به أو يُوضع في القاذورة والمزابل أو ينظر إليه بعين الاحتقار.

ونلاحظ تكامل صورة قداسة القمح واعتقادهم ببركته ففي بداية موسم الحصاد ويعلقوها في منازلهم طلباً للبركة والخير. وارتباط هذه السنابل المباركة بطقس الاستسقاء وطلب المطر، وحرص بعض العجائز على صبغها تماما كما تصبغ واجهات مقامات الاولياء بألوان الحناء والسيرقون وغيرة.

أما الملح في الاعتقاد الشعبي فتم ربطه أيضاً بشيءٍ من الاعتقاد الديني، والملح كما يٌقال في الأثر "سيد الطعام".فنسمعُ قول العجائز: ( إللي بسقط حبة ملح عَ الأرض بلمها برموش عنيه من جنهم يوم القيامة). وهُم يعتقدون أيضاً بأن نثر الملح على الأرض قد يُؤدي إلى وقوع ما لا تُحمد عُقباه (مُش مليح).

ومعلومٌ بأن نار جهنم مما تَنفرُ منه نفس المُؤمن وتخاف الوقوع بها وبالتالي سيحرص المرء على تجنب أي عمل يلقيه في النار. ولعل ذلك جاء للتعبير عن المَشقة الكبيرة في الحُصول على الملح وعدم تقدير هذا التعب، ولذا أضفيت أبعاد الجزاء (جنهم) لمن يُهمل أو يتهاون في هذه النعمة.

ومن خلال ما سبق يُمكنني القول بأن البُعد النفسي في هذه الاعتقادات يُعبر بوضوح عن أهمية هذين المكونين من طعام الناس ومدى تقديرهم للنعمة، وخوفهم من انعدامها. ولذا جاء موضوع القداسة والبُعد الديني ليحمي المُجمتع من الجوع وقلة المؤونة، وأن على الجميع شكر النعمة إذ بالشكر تدوم النعم.

ومن المهم ان نعلم بأن للإرث الحضاري المُتوارث عبر القدم دورا في الأمر خُصوصاً إذا طالعنا ما يتصل بالخبز والملح في الاعتقاد الشعبي لدى الحضارات والأمم السابقة. وما يجعل الأمر مُمكنا ومقبولاً هو وجود الكثير من المُمارسات أو الطقوس القديمة

والتي حافظت على نفسها وتأقلمت مع التدين الشعبي في المجتمعات الشرقية وصارت جُزءً من اعتقاده وسلوكه. إن موضوع قداسة الخبز والملح وارتباطهما بالمُقدس الديني في مُجتماعتنا حالة اجتماعية واعتقاد شعبي من جُملة ما يُكَوّنُ ثقاقتنا الشعبية القديمة في فلسطين ولأجل ذلك كان هذا المقال، وأنا قطعاً لا اتبنى أو أجعل للأمر تأصيلاً إنما أكتب موثقاً لشيءٍ كان الإعتقاد به سائداً في غالب مُجتمعنا الفلسطيني.