شبكة قدس الإخبارية

أمهات يحتضنّ الغياب: حكايات الأمل المجهد في أزقة فلسطين

7777777777777777777-54017363-97cf-4980-993c-b249b3bcece7
سماح اليونس

لا شيء يشبه قلب أم تنتظر طفلها.

تنتظر أول ابتسامة، وأول كلمة، وأول خطوة، وتنسج أحلامًا صغيرة تكبر مع كل نبضة في قلب صغير.

لكن في فلسطين، كثيرًا ما تتحول الأمومة إلى رحلة خوف لا تنتهي. تخاف الأم من الطريق أكثر مما تخاف من ألم الولادة، ومن الحاجز أكثر مما تخاف من غرفة العمليات، ومن الرصاص أكثر مما تخاف من المرض.

في مطلع يونيو، استشهد الرضيع سام أبو هيكل، ابن السبعة أشهر، بعدما أطلقت قوات الاحتلال النار على مركبة عائلته في الخليل. لم يكن سام يعرف من الدنيا سوى حضن والدته، لكنه رحل قبل أن يعرف كيف ينطق اسمها.

وبعده بأسابيع، خرجت أم أحمد معروف من دير عمار تحمل طفلها ذا الأربعة أشهر إلى المستشفى، على أمل أن يعود إليها معافى. لكن الطريق انتهى عند حاجز، وانتهت معه حياة أحمد، لتعود الأم وهي تحمل ألمًا لا يشبه أي فاجعة؛ أن تعود بذراعيها اللتين كانتا تحتضنان طفلًا، وهما فارغتان.

واليوم، كانت أم أخرى تستلقي داخل مركبة إسعاف متجهة من قريوت إلى مستشفيات نابلس، تنزف بينما كان جنينها يقاوم داخل رحمها. احتجز الاحتلال مركبة الإسعاف على حاجز عورتا، واستمر النزيف حتى فارق الجنين الحياة. نجت الأم… لكن قلبها خرج من الحاجز مثقلًا بفقدٍ سيبقى معها ما بقي العمر.

وقبل ذلك، كانت رقية ربعي في مسافر يطا تحلم بطفل جديد يملأ بيتها. لم تكن تعلم أن هجوم المستوطنين على منزلها سيطفئ ذلك الحلم قبل أن يولد، وأنها ستفقد جنينها قبل أن تراه أو تضمه إلى صدرها.

وفي مكان آخر، لا تزال أمومتان معلقتين خلف القضبان. أسيرتان فلسطينيتان حاملان تنتظران ولادة طفليهما داخل سجون الاحتلال، حيث يصبح انتظار الميلاد محاطًا بالأسوار بدلًا من العائلة، وبالخوف بدلًا من الفرح.

في هذه البلاد، لا تخاف الأمهات فقط على أطفالهن بعد الولادة، بل قبلها أيضًا. يخشين أن يعترض الحاجز طريق الحياة، أو أن يسبق الرصاص ضحكة طفل، أو أن تنتهي رحلة الحمل قبل أن تبدأ رحلة الأمومة.

هنا، لا تُعدّ الأم عدد الأسابيع المتبقية للولادة فحسب، بل تعدّ الحواجز التي ستعبرها، وتدعو في كل مرة أن يعود طفلها معها، أو أن يصل إلى الدنيا سالمًا.

خلف كل رضيع استشهد، وخلف كل جنين رحل، أمٌ كانت قد اشترت ثيابًا صغيرة، واختارت اسمًا، وحلمت بمستقبل، ثم وجدت نفسها تحتضن الغياب بدلًا من طفلها.

إنها ليست حكايات متفرقة، بل حكاية الأم الفلسطينية نفسها… أمٌّ لا تطلب أكثر من أن ترى طفلها يكبر، لكن الطريق إلى الحياة في هذه البلاد، كثيرًا ما يمر بين الحواجز والرصاص والخوف.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0