شبكة قدس الإخبارية

«حنين».. حكاية قهرٍ والمٍ تحت ركام البيت وقيد الاحتلال في نحالين

photo_٢٠٢٦-٠٧-٢٥_١٩-٢٧-٣١

خاص - شبكة قُدس: لم تكن الساعة قد تجاوزت السابعة والنصف من صباح يوم الأربعاء، حين كان البيت يلفّه الهدوء والسكينة، والأطفال الخمسة غارقون في نومهم العميق. لم يكن يُسمع في أرجاء المكان سوى أنفاس الصغار الوادعة؛ من أصغرهم الذي لم يتجاوز الخامسة، حتى أكبرهم "لمار" ابنة الأربعة عشر ربيعاً. كان صباحاً صيفياً أليفاً في بلدة "نحالين" غرب بيت لحم، تحديداً في منطقة "صبيحة"، حيث تقف "حنين محمود فنون" (39 عاماً) تتأمل منزلها المكون من طابقين، البيت الذي ظل حلم حياتها لـ 15 عاماً قبل أن تنتقل إليه لتعيش بأمان مع زوجها "محمود فنون" وأطفالهما.

لكن هذا الأمان المكتسب بعرق السنين، كُسر فجأة على أصوات محركات ثقيلة واقتحامٍ مدجج بالسلاح؛ استيقظت "لمار" وإخوتها الصغار مذعورين على أصوات الصراخ وطرقات الأبواب القاسية، ليجدوا جرافات الاحتلال تطوق منزلهم وتُبلغهم بالإخلاء الفوري تمهيداً لهدمه، ضمن حملة طالت ثلاثة منازل مجاورة لأهالي البلدة.

رفضت "حنين" أن تستسلم لهذا الكابوس وأطفالها يُطردون من أسرتهم إلى الشارع، لم تفكر بالقوة العسكرية التي تقف أمامها، بل تحركت فيها غريزة الأمومة وحب الأرض والبيت الذي احتضن أغلى ذكريات صغارها. وقفت بيديها الفارغتين وصوتها المبحوح تدفع الآليات، حاولت بجسدها الأعزل أن تصنع سداً بين الجرافة وحلم العمر، فيما كان زوجها "محمود" يحاول حماية عائلته.

أمام هذا المشهد، لم يستطع الجار الملاصق للمنزل، الشاب رزق غياظة، الوقوف متفرجًا على الاعتداء على جارته؛ فتقدم نحو الجنود محاولًا إقناعهم بتركها والإفراج عنها. لم يرفع يده في وجه أحد، ولم يعتدِ على الجنود، لكن قوات الاحتلال قابلت محاولته بالعنف، فانهالت عليه بالضرب المبرح، وسحلته على الأرض أمام أعين الأهالي، قبل أن تعتقله وتنقله إلى جهة مجهولة، حيث لا يزال مصيره غير معروف حتى اليوم.

وفي موقع آخر من البلدة، كانت جرافات الاحتلال تواصل هدم منازل العائلات المجاورة، فيما تعرض الأهالي لاعتداءات خلال محاولتهم حماية منازلهم. كما اعتقلت قوات الاحتلال الشابين فؤاد جميل وصبحي عبد العزيز، بعد محاولتهما الدفاع عن مأواهما، ليتسع بذلك جرح نحالين في ذلك الصباح، بين الهدم والاعتداء والاعتقال.

كبّل الجنود يدي "حنين" خلف ظهرها، وعصبوا عينيها، وألقوا بها في أرضية الدورية العسكرية. ولأكثر من ثلاث ساعات ونصف، بقيت ملقاة هناك على الحديد البارد تحت وطأة الألم والحرارة، تستمع لصوت الجرافات وهي تسوي بيت حياتها بالأرض، وتدهس أثاث العائلة، وألعاب أطفالها، وأسرة نومهم التي استيقظوا منها قبل قليل، ليتحول حلم الـ 15 عاماً إلى كومة من الغبار والركام.

ومع انسحاب الآليات، اقتيدت الأم حنين إلى جهة مجهولة، أربعة أيام مرت منذ ذلك الصباح، والعائلة تعيش رحلة مضنية من التضليل والمعلومات المتضاربة؛ تارة يُقال إنها في مركز تحقيق "عتصيون"، وتارة في شرطة "بيتار عيليت"، ثم في "المسكوبية" بالقدس، ورغم الوعود المتكررة بالإفراج عنها، لا تزال حنين غائبة خلف القضبان، لا يعلم أحد عن حالها أو آلامها شيئاً.

يقول زوجها محمود: "كل ما جرى معنا من هدم وفقدان لكل ممتلكاتنا وأثاثنا صعب، لكنه أهون عليّ ألف مرة من اختطاف زوجتي والتنكيل بها وحرمان أطفالنا الخمسة منها".

اليوم، تقف "لمار" وإخوتها الأربعة فوق أنقاض منزلهم في نحالين، لا يملكون ألعاباً ولا ثياباً ولا سقفا يقيهم، يبحثون بين الركام عن بقايا طفولتهم التي بُترت على يد قوات الاحتلال وجرافاتهم العسكرية، لكن الأقسى عليهم من فقدان البيت والأسرة التي استيقظوا عليها مذعورين، هو غياب أثر أمهم التي أُخذت من بين أيديهم، وغياب جارهم "رزق" والشابين "فؤاد" و"صبحي" الذين دفعوا حريتهم ثمناً لموقفهم في الدفاع.

تحول البيت إلى ركام، وتشردت العائلات المجاورة، لكن صورة تلك الأيدي الفارغة التي قاومت حتى اللحظة الأخيرة تظل شاهداً على قصة صمود أمٍّ فلسطينية. تنادي "لمار" وإخوتها اليوم كل ضمير حي في هذا العالم: "اعيدوا لنا أمنا.. فحريتها أغلى من كل الجدران".

وتشهد بلدة نحالين غرب بيت لحم تصاعدًا في عمليات هدم المنازل الفلسطينية، بعد اقتحام قوات الاحتلال منطقة "صبيحة" وهدم عدد من المنازل المأهولة، ضمن حملة طالت عشرات المنازل في الضفة. وأسفرت عمليات الهدم عن تشريد عائلات فلسطينية، تزامنًا مع اعتداءات واعتقالات طالت عددًا من الأهالي.

ويأتي ذلك في ظل تهديد عشرات المنازل الأخرى بالهدم، بعد رفض محكمة الاحتلال التماسًا قدمه أهالي البلدة لوقف هدم 14 منزلًا. وتقول العائلات إن هذه الإجراءات لا تستهدف المباني فقط، بل تهدد استقرارها ووجودها في المنطقة.

وتتكرر عمليات الهدم في مناطق مختلفة من الضفة الغربية تحت ذرائع تتعلق بالبناء دون تراخيص، في وقت يؤكد الفلسطينيون أن الحصول على تراخيص بناء من سلطات الاحتلال شبه مستحيل، ما يحول هذه الإجراءات إلى أداة ضغط وتهجير تستهدف التجمعات الفلسطينية.

#بيت لحم #اعتقال #جيش الاحتلال #هدم #هدم منازل الفلسطينيين #تنكيل #تشريد #نحالين
google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0