خاص - شبكة قُدس: لم يكن صوت الجرافات بالنسبة لمحمود فنون مجرد ضجيجٍ عابر، بل كان صوت سنوات عمره وهي تسقط حجرًا بعد حجر. كان يقف أمام منزله في بلدة نحالين غرب بيت لحم، يشاهد المكان الذي احتضن عائلته يتحول إلى ركام، بينما يحمل في داخله سؤالًا واحدًا: كيف سيشرح لأطفاله أن بيتهم لم يعد موجودًا.
في صباح الأربعاء، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منطقة “صبيحة” في بلدة نحالين، وهدمت أربعة منازل مأهولة، من بينها منزل المواطن محمود نعيم فنون، ضمن حملة هدم طالت خمسة منازل في بلدتي نحالين وزعترة بمحافظة بيت لحم، ما أدى إلى تشريد عائلات فلسطينية، وسط اعتداءات وإجراءات عسكرية مشددة.
لكن خلف خبر الهدم، تختبئ حكاية عائلة فقدت أكثر من سقفٍ يؤويها.
فمحمود، الأب لخمسة أطفال، أصغرهم يبلغ من العمر خمس سنوات، لم يفقد منزله فقط؛ بل يعيش أيضًا غياب زوجته حنين فنون، التي اعتُقلت خلال محاولتها الدفاع عن منزل العائلة، وما تزال رهن الاعتقال حتى الآن.
يقول محمود: “لم أكن أشاهد بيتًا يُهدم فقط… كنت أشاهد حياة كاملة تُنتزع منا. أصعب شيء أن ترى أطفالك واقفين أمام المكان الذي كان يحميهم، ثم لا تستطيع أن تمنحهم أي جواب.”
لم يكن المنزل بالنسبة لمحمود بناءً من الإسمنت والحجارة، بل كان سنوات من التعب والانتظار. طابقان؛ الأول بمساحة 100 متر مربع، والثاني 180 مترًا مربعًا، بناهما بعد سنوات من العمل والادخار، وهو يحلم أن يكون المكان الذي يكبر فيه أبناؤه بأمان.
ويقول: “كل حجر في هذا البيت كان له حكاية. كنت أقتطع من قوتي وأحرم نفسي من أشياء كثيرة حتى أبنيه. لم أبنِ جدرانًا فقط، كنت أبني حلمًا لعائلتي، لكن هذا الحلم هُدم خلال دقائق.”
كانت العائلة قد تابعت ملف المنزل قانونيًا عبر مؤسسة “سانت إيف” لدى الجهات المختصة في بيت إيل، إلا أن الطلب رُفض، بحسب محمود، دون أن يتم إبلاغهم بموعد تنفيذ الهدم، لتتفاجأ العائلة بوصول القوات والجرافات.
لكن لحظة الهدم لم تكن وحدها القاسية؛ فما رآه محمود بعد ذلك كان أكثر إيلامًا.
يقول: “أخرج الجنود أغراضنا بطريقة قاسية، وألقوا الأثاث من شرفات الطابق العلوي إلى الأرض. رأيت ملابس أطفالي وألعابهم وأشياءنا التي جمعناها طوال سنوات تتحطم أمام أعيننا. شعرت أنهم لم يهدموا البيت فقط، بل حاولوا محو كل أثر لحياتنا داخله.”
وبينما كانت الحجارة تتساقط، كانت صورة زوجته المعتقلة حاضرة في ذهنه؛ الأم التي غابت عن أطفالها في اليوم الذي فقدوا فيه منزلهم.
يقول محمود: “أكثر ما يؤلمني أن أطفالي خسروا شيئين في وقت واحد… بيتهم وأمهم. كيف يمكن لطفل أن يفهم أن المكان الذي كان ينام فيه لم يعد موجودًا، وأن والدته التي كانت تحميه ليست هنا؟”
يصمت محمود للحظات، ثم يضيف: “ابني الصغير عمره خمس سنوات، لا يفهم لماذا لم يعد هناك بيت. يسألني: أين سننام؟ ومتى ستعود أمي؟ وأنا أقف عاجزًا أمامه.”
وبحسب مصادر محلية، فإن محكمة الاحتلال كانت قد رفضت سابقًا التماسًا قدمه أهالي نحالين لوقف هدم 14 منزلًا في البلدة، ما يهدد عشرات العائلات بفقدان مساكنها.
أما محمود، فيحاول اليوم أن يجمع ما تبقى من حياته بين الركام، لا يبحث عن حجارة منزله فقط، بل عن شعور الأمان الذي فقده أطفاله.
ويختتم حديثه: “البيت يمكن أن يُبنى من جديد، لكن وجع الأطفال عندما يرون بيتهم يُهدم لا يُبنى بسهولة. أمنيتي الوحيدة أن يعود الأمان إلى قلوب أطفالي، وأن تعود أمهم إليهم.”
خلف كل منزل يُهدم قصة عائلة، وخلف كل ركام وجوه تبحث عن إجابة. أما عائلة محمود فنون، فبقيت تحمل حكاية يوم واحد فقدت فيه السقف الذي يحميها، والصوت الذي كان يطمئنها.



