متابعة - شبكة قُدس: يشهد سوق الأضاحي في الضفة الغربية المحتلة، هذا الموسم، تراجعًا ملحوظًا في الإقبال مقارنة بالعام الماضي، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها الفلسطينيون، إلى جانب ارتفاع أسعار اللحوم وتراجع أعداد المواشي نتيجة الأمراض واعتداءات المستوطنين المتواصلة على المزارعين ومربي الأغنام.
ويقول مزارعون ومربو مواشٍ إن الإقبال على شراء الأضاحي انخفض بنحو 50% مقارنة بالموسم الماضي، بفعل تدهور الأوضاع المعيشية وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين، إضافة إلى ارتفاع سعر كيلو اللحوم، نتيجة انخفاض سعر صرف الدينار.
وأشاروا إلى أن القطاع الحكومي يقتصر دوره حاليًا على توفير بعض الاحتياجات الأساسية التقليدية، مثل التطعيمات والإرشاد البيطري، إلا أن هذه الخدمات شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، ما ساهم في انتشار مرض الحمى القلاعية بين المواشي، الذي أدى إلى نفوق أعداد كبيرة منها، الأمر الذي أخلّ بتوازن السوق وأثر على توفر المواشي.
وأضاف المزارعون أن اعتداءات المستوطنين، فاقمت من الأزمة، في ظل تصاعد عمليات السرقة والاعتداء على المراعي والمواشي، إلى جانب التوسع الاستيطاني الرعوي الذي يضيّق الخناق على المربين ويحدّ من قدرتهم على الوصول إلى الأراضي ومصادر الرعي.
وأكدوا أن أي تعويضات رسمية عن السرقات أو الخسائر الناتجة عن اعتداءات المستوطنين غير متوفرة، رغم تعرض المزارعين بشكل شبه يومي لانتهاكات واعتداءات متكررة.
وقبل أيام، سرق مستوطنون عددًا من الأغنام عقب هجومهم على منطقة “هريبة النبي” في مسافر يطا جنوب الخليل، في واحدة من سلسلة اعتداءات تستهدف المزارعين الفلسطينيين ومصادر رزقهم.
وتشهد المراعي المحاصرة في الضفة الغربية واحدة من أعنف المعارك الصامتة للاستحواذ على الأرض؛ حيث تحولت الماشية الفلسطينية من ركيزة أساسية للأمن الغذائي إلى هدف مباشر لسياسة تدمير ممنهجة يقودها المستوطنون تحت غطاء رسمي.
وفي الفترة الممتدة من مطلع كانون الثاني وحتى منتصف أيار من العام 2026، سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 102 اعتداءات مباشرة، طالت 4796 رأساً من المواشي في فترة زمنية وجيزة، وتعكس هذه الأرقام تحول النمط التقليدي للاعتداءات إلى خطة استراتيجية استعمارية وتدميرية تتصدر مشهد السطو على الأرض، وتستهدف ضرب البنية الاقتصادية والاجتماعية للتجمعات البدوية والرعوية لدفعها نحو الرحيل القسري.
رام الله والبيرة في صدارة الاستهداف الممنهج
تظهر المؤشرات الإحصائية تمركزاً واضحاً للعنف الاستيطاني في وسط الضفة الغربية؛ إذ تصدرت محافظة رام الله والبيرة المشهد الجغرافي للاعتداءات بتسجيل 41 اعتداءً، والتي أسفرت عن تضرر 2791 رأساً من المواشي.
ويكشف هذا الرقم الضخم عن استهداف مكثف للمناطق الواقعة شرق وشمال شرق؛ حيث تتسارع محاولات المستعمرين للسيطرة الكاملة على المراعي المفتوحة، بهدف ربط البؤر الاستعمارية الرعوية ببعضها البعض، وعزل التجمعات الفلسطينية وخلق بيئة قهرية تطرد السكان بطريقة غير مباشرة.
حرب المياه وحصار الموارد في طوباس والأغوار
في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، جرى تسجيل 7 اعتداءات مباشرة طالت 780 رأساً من الماشية؛ إلا أن خطورة المشهد هناك برزت من خلال الفجوة الكبيرة في أعداد الثروة الحيوانية المتضررة بشكل غير مباشر؛ إذ تسبب المستعمرون في إلحاق الضرر بـ 1700 رأس إضافية نتيجة قطع مصادر المياه عن المناطق الرعوية، ويوضح هذا السلوك انتقال المستعمرين إلى استخدام السيطرة على الموارد الطبيعية كسلاح استراتيجي لتفكيك الاقتصاد الريفي، نظراً لما تمثله الأغوار من عمق جغرافي وزراعي وحدودي مستهدف لإحداث تفريغ ديمغرافي.
الخليل ومسافر يطا
شهدت محافظة الخليل تسجيل 15 اعتداءً، خلفت خسائر فادحة طالت 811 رأساً من المواشي، ويرتبط هذا النمط بمحاولات الاحتلال المستمرة لتفكيك الوجود الفلسطيني في مسافر يطا والمناطق الجنوبية الشرقية؛ فالعدد المرتفع للمواشي المتضررة مقارنة بعدد الهجمات يثبت أن الاعتداءات تتسم بطابع واسع وعنيف لإحداث إنهاك اقتصادي قاسٍ للتجمعات التي تعتمد كلياً على تربية الماشية، عبر ملاحقة الرعاة وإغلاق المراعي وسرقة المواشي.
استراتيجية الاستنزاف اليومي
وسجلت محافظة نابلس 21 اعتداءً طال 183 رأساً من المواشي، وهو نمط مغاير يركز على خلق حالة استنزاف يومي للمزارعين عبر الاقتحامات المتكررة والمنع من الوصول للمراعي والاعتداء الجسدي، مدفوعاً بالانتشار الكثيف للبؤر الرعوية جنوب وشرق نابلس.
وفي بقية المحافظات، تراوحت الأرقام بين 3 اعتداءات في بيت لحم طالت 126 رأساً في الريف الشرقي، و3 اعتداءات في سلفيت طالت 56 رأساً، و6 اعتداءات في طولكرم طالت 22 رأساً، و4 اعتداءات في قلقيلية طالت 6 رؤوس، وصولاً إلى اعتداء واحد في كل من جنين (11 رأساً) وأريحا (10 رؤوس).
كما تؤكد المعطيات القانونية أن هذه الاعتداءات -التي تتنوع بين السرقة، والقتل، والحرق، والتسميم للحظائر والمراعي- لا تندرج ضمن الجرائم الجنائية الفردية، بل ترقى إلى سياسة تهجير قسري ممنهجة محظورة دولياً.
ويشكل هذا الاستهداف انتهاكاً صارخاً للمادتين (53) و(49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما أن عجز سلطات الاحتلال عن منع هذه الهجمات وتوفير الحماية للمستعمرين يثبت تواطؤ "الدولة" الذي قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب وفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بسبب فرض ظروف معيشية قهرية لطرد السكان الأصليين.
وسبق أن طالب مزارعون، بإنشاء غرف طوارئ ميدانية وتطوير منظومات إنذار مبكر للتواصل السريع بين التجمعات في المحافظات الأكثر استهدافاً، وتوفير صناديق تعويض مالي عاجلة للمربين، ودعم إنشاء حظائر محمية وخزانات مياه متنقلة، وتزويد الرعاة بكاميرات لتوثيق الانتهاكات، بالإضافة إلى تفعيل المسار القانوني الدولي عبر رفع ملفات موثقة للمحكمة الجنائية الدولية، ومطالبة المؤسسات الأممية بتوفير بعثات حماية ورقابة دائمة في الأغوار ومسافر يطا لإحباط مخططات التوسع الاستعماري.



