شبكة قدس الإخبارية

هل يتجه العالم إلى عصر ما بعد الهيمنة الأمريكية؟

photo_٢٠٢٦-٠٤-٠٨_٠٧-٢٩-٠٠

شبكة قدس الإخبارية: يواجه النظام الدولي اليوم بوادر تحول عميق قد يكتب الفصل الأخير من حقبة القطبية الواحدة؛ فبينما تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعادة نفوذ واشنطن عبر سياسة الضغط الأقصى والإملاءات الاقتصادية والعسكرية، تبرز حالة من التمرد العالمي تقودها قوى إقليمية ودولية ترفض الانصياع لمنطق الصفقات التجارية في القضايا الوجودية. 

ومع فشل لغة التهديد في حسم ملفات شائكة كالملف الإيراني، وتصاعد نزعة الاستقلال الأمني والاقتصادي لدى الحلفاء في أوروبا، يبدو أن العالم يخطو بثبات نحو عصر ما بعد الهيمنة الأمريكية، حيث لم تعد القوة القسرية وحدها كافية لفرض الإرادة، وحيث بات على واشنطن أن تتعلم فن التفاوض والتكيف مع واقع دولي لم يعد يقبل التوجيه من طرف واحد.

يقول موقع بوليتيكو إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أصبحت تواجه واقعا عالميا يتسم بالتمرد، ويزداد فيه عدد الفاعلين الدوليين الذين يرفضون الخضوع لضغوط واشنطن.

ويرى الموقع، أن التطورات الجيوسياسية العالمية الأخيرة تشير إلى أن نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الصدامي في السياسة الخارجية يأتي بنتائج عكسية، إذ تبادر الدول والقادة إلى رفض ذلك الأسلوب ومقاومته بدل الامتثال له.

وترامب على مدى أشهر تبنى استراتيجية هجومية تجاه الحلفاء والخصوم على حد سواء، مستخدما الرسوم الجمركية والتهديدات وحتى القوة العسكرية بهدف انتزاع تنازلات سياسية واقتصادية.

ويضيف أن إدارته تنطلق من فرضية مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على تشكيل سلوك الآخرين عبر هيمنتها الاقتصادية وقوتها القسرية، لكنَّ التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه الفرضية أصبحت أقل واقعية مما كانت عليه في السابق.

وعرض الموقع، أمثلة عدة لافتا لهذا التحدي المتزايد؛ فقد انسحبت القيادة الإيرانية من محادثات السلام مع واشنطن، مفضلة الاستمرار في الحرب بدل القبول بالشروط الأمريكية. وفي أوروبا، شهدت المجر تحولا سياسيا كبيرا بعد أن أطاح الناخبون برئيس الوزراء فيكتور أوربان -أحد أقرب حلفاء ترمب والاحتلال الإسرائيلي- من السلطة.

وحتى على مستوى الرمزية الدينية العالمية، دخل البابا ليو الرابع عشر على الخط، معلنا أنه “لا يخشى” ترمب، في إشارة مباشرة إلى رفضه لخطابه السياسي. وتجمع هذه الأحداث دلالة واضحة على تصاعد نزعة الاستقلال لدى الفاعلين الدوليين بدل الخضوع للضغوط الأمريكية.

وانتقد التقرير، فهم ترمب وفريقه للعلاقات الدولية، وقال إنهم يتعاملون مع الدول الأخرى كما لو كانت كيانات سلبية يمكن توجيهها والتحكم فيها بسهولة. لكنَّ هذا التصور يتجاهل قاعدة أساسية في السياسة الدولية مفادها أن كل فعل يولّد رد فعل، وهذه الردود لا تتماشى دائما مع التوقعات الأمريكية وقد تقوّض أهدافها.

كما أن الإدارة الأمريكية لم تُظهر حتى الآن أي تحوُّل حقيقي في هذا النهج، ويؤيد هذا القلق خبراء في السياسة الخارجية، من بينهم ريتشارد هاس الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، الذي يرى أن أي إدراك حقيقي لفشل سياسة "الضغط والإكراه" كان سيؤدي إلى تغيير في الإستراتيجية، لكنَّ ذلك لم يحدث.

وهناك قلق متزايد لدى دبلوماسيين أجانب من أن الرئيس ترامب لا يتلقى معلومات دقيقة أو صريحة من مستشاريه، وهو ما قد يؤدي إلى أخطاء في صنع القرار، بما في ذلك التصعيد في الملف الإيراني.

وتنعكس هذه المقاربة أيضا في خطاب الإدارة؛ فبعد مفاوضات طويلة مع إيران، صرَّح نائب الرئيس جيه دي فانس بأن طهران "اختارت عدم قبول شروطنا"، وهو ما يعكس تصورا أحاديا يقوم على الإملاء بدل التفاوض المتكافئ، وهذا النوع من الخطاب ينفّر ليس الخصوم فقط بل أيضا المراقبين الدوليين الذين يَعُدونه دليلا على عدم مرونة السياسة الأمريكية.

وترد الإدارة الأمريكية على هذه الانتقادات مؤكدة أن سياسة ترمب تعالج عقودا من الضعف الأمريكي، وأن الضغط ضروري لتصحيح اختلالات في التجارة وتقاسم الأعباء الأمنية والانحياز داخل المؤسسات الدولية.

 وفي الواقع، فإن النتائج الفعلية لهذه الإستراتيجية قد تكون عكسية، إذ أدت التهديدات المتكررة إلى توتر العلاقات ودفع الدول إلى تقليل اعتمادها على واشنطن. ففي أوروبا على سبيل المثال، أثارت فكرة ضم جزيرة غرينلاند قلقا واسعا، وسرّعت الجهود الأوروبية لتعزيز الاستقلال الأمني عن واشنطن عبر حلف شمال الأطلسي.

كما أن السياسات الاقتصادية وخاصة الرسوم الجمركية تدفع الدول إلى تنويع شركائها التجاريين، مما يقلل تدريجيا من اعتمادها على السوق الأمريكية، ويُضعف نفوذ واشنطن على المدى الطويل.

ويشير الموقع كذلك إلى أن رؤية ترمب للعالم قد تبسّط الصراعات الدولية المعقدة، إذ يتعامل معها كصفقات تجارية، في حين أن الواقع أكثر تعقيدا، إذ تؤدي الهوية والتاريخ والاعتبارات الوجودية دورا أساسيا في صراعات مثل أوكرانيا وغزة.

ويخلص التقرير، إلى أن العالم يتجه نحو "عصر ما بعد الهيمنة الأمريكية"، حيث تبقى واشنطن قوة كبرى، لكنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها بشكل منفرد، وستضطر إلى التفاوض والإقناع بدل الإملاء.

 

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0