في خضم الضجيج الإسرائيلي حول نتائج الحرب على غزة، يخرج صوت من داخل المطبخ السياسي ليقول ما لا يرغب كثيرون في سماعه. مقال تساحي هنغبي مستشار الأمن القومي السابق للاحتلال المنشور في صحيفة يديعوت أحرونوت لا يتحدث بلغة الاحتفال، بل بلغة القلق. قلق من شيء لم يُهزم، ومن فكرة لم تمت، ومن خصم لم يرفع الراية البيضاء رغم كل ما أنزل عليه من نار وحديد.
هنغبي لا ينكر حجم الضربات، ولا يحاول التقليل من أثرها، لكنه يضع إصبعه على الجرح الإسرائيلي المفتوح: ماذا لو كان الطرف الآخر يرى الصورة بصورة مختلفة تمامًا؟ ماذا لو كان يعتبر مجرد الصمود إنجازًا؟ بل ماذا لو كان يعتقد أنه خرج من تحت الركام أكثر اقتناعًا بجدوى المواجهة؟
هذه ليست أسئلة إعلامية، بل أسئلة أمن قومي. كاتب المقال تساحي هنغبي يعد أحد أبرز الوجوه في المشهدين السياسي والأمني في إسرائيل، وقد عيّنه نتنياهو رئيسًا لمجلس الأمن القومي في نهاية عام 2022.
الكاتب الذي اعتمد عليه نتنياهو في الملفات الأمنية الحساسة، وعيّنه مستشارًا للأمن القومي نظرًا لقدرته على الربط بين المؤسستين السياسية والعسكرية يحذر من “التربيت على الكتف”، ويستحضر تجربة ما بعد عملية حارس الأسوار عام 2021، حين اعتقدت المؤسسة الإسرائيلية أن الردع تحقق، وأن حماس استوعبت الرسالة. لكن ما جرى لاحقًا أثبت – كما يعترف هو – أن قراءة إسرائيل كانت قاصرة، وأن تفسير قيادة المقاومة، وعلى رأسها يحيى السنوار، كان معاكسًا تمامًا.
المفارقة التي تكشفها المقالة أن الاحتلال حقق إنجازات عسكرية ثقيلة، لكنها في الوقت ذاته تكبّد خسائر واضحة في الوعي والسياسة والبيئة الإقليمية. تعثر مسار التطبيع، عودة خطاب الدولة الفلسطينية إلى الطاولة الدولية، اتساع ساحات الاشتباك، وتصاعد الضغوط القانونية… كلها، في نظر هنغبي، نتائج لا يمكن تجاهلها. وهو بذلك يعترف – دون أن يقصد ربما – بأن المقاومة لم تكن تقاتل في الميدان فقط، بل في معادلة أوسع.
الأخطر في النص ليس توصيف الخسائر، بل التحذير من “قابلية الإنعاش”. العنوان ذاته يقول إن الخطة التي يرى فيها الاحتلال تهديدًا وجوديًا لم تُدفن. يمكن أن تعود. يمكن أن يُعاد بناؤها. يمكن أن تنطلق من جديد. هذه ليست لغة نصر مطلق، بل لغة من يخشى أن يكون قد دمر البنية ولم يمسّ الإرادة.
في العقل الأمني الإسرائيلي، الردع يقوم على كسر الإرادة قبل كسر القدرات. لكن ما يقوله هنغبي بين السطور هو أن الإرادة لم تُكسر. أن الخصم – رغم الكلفة البشرية الهائلة – لم يستسلم. بل ربما أعاد تعريف المعركة باعتبارها صراعًا طويل النفس، تُقاس نتائجه بسنوات لا بأسابيع.
هنا تكمن العقدة الحقيقية حيث يخشى الاحتلال أن يكون “البقاء” في حد ذاته انتصارًا في وعي المقاومة. يخشى أن تتحول القدرة على الصمود إلى سردية تعبئة جديدة. يخشى أن يُقرأ المشهد في غزة لا كقصة انهيار، بل كقصة تحمّل.
لهذا يدعو هنغبي إلى اليقظة الدائمة، وإلى الشك، وإلى عدم الاطمئنان للنتائج التكتيكية. وهي دعوة تعكس إدراكًا عميقًا بأن ما بعد الحرب قد يكون أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها.
الخلاصة أن الإسرائيليين، في دوائرهم العميقة، لا يسألون فقط ماذا دمّرنا؟ بل ماذا بقي؟ وما الذي يمكن أن يولد من تحت الركام؟ وحين يصل النقاش إلى هذه النقطة، فهذا يعني أن الصمود – مهما كان مكلفًا – نجح في فرض نفسه كعنصر أساسي في معادلة الصراع.
وفي معركة الإرادات، أحيانًا لا يكون السؤال من انتصر عسكريًا، بل من بقي واقفًا.



