خاص - شبكة قُدس: أعلنها سموتريتش واضحة، يوم أمس، أن الهدف الذي تعمل عليه حكومة الاحتلال، وتيار الصهيونية الدينية الذي يمثل جزءا من جمهوره، هو تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة، وهو الهدف الاستراتيجي الأعلى الذي تؤدي له كل السياسات الأمنية والعسكرية والسياسية التي نفذها الاحتلال، خلال السنوات الماضية، وتكثفت خلال حرب الإبادة الجماعية، في غزة.
لا تنفصل الخطوات التي أقرتها حكومة الاحتلال، في الأيام الماضية، والتي تعني في التحليل الأخير (فرض السيادة الاستعمارية الإسرائيلية) على الضفة الغربية كاملة، عن الهدف الأعلى الذي تعمل الحركة الصهيونية منذ بداية نشاطها، في فلسطين المحتلة، وهو تهجير الشعب الفلسطيني والسيطرة التامة والشاملة على الأرض مع تنفيذ وتصميم أدوات تتناسب مع طبيعة كل مرحلة، من صيرورة وحياة المشروع الاستعماري.
وعد سموتريتش، في خطابه، يوم أمس، مناصريه من المستوطنين الذين يؤمنون بأفكار تيار "الصهيونية الدينية" بالعودة إلى المستوطنات التي أخليت سابقاً، في الضفة الغربية المحتلة، في إطار خطة أرئيل شارون، في 2005، وباحتلال كامل قطاع غزة والاستيطان فيه، بعد تهجير أهله منه.
هذه التصريحات التي يواظب سموتريتش على إطلاقها، لا تقف عند سياق الخطاب السياسي الموجه نحو الأنصار، بل تتصل بمسيرته الشخصية، كمستوطن انطلق في حياته السياسية، في دولة الاحتلال، من تعلم أفكار توراتية داخل مدارس دينية، تعلم المستوطنين الذين ينضمون لها أفكاراً عن احتلال الأرض وطرد الفلسطينيين واستباحة حياتهم.
في بدايات الحركة الصهيونية كان التيار الصهيوني الديني في أدوار متأخرة في السيطرة والقيادة، مقابل التيار العلماني الذي كان يسيطر على القرار والقيادة ورسم البرامج وتحديد السياسات والاستراتيجيات، وكان الممثل الأبرز لهذا التيار حتى سنوات السبعينات هو حزب "المفدال"، الذي كان في جزء من سياساته أقرب إلى "البراغماتية"، ويمثل نخبة سياسية واقتصادية من المتدينين الصهاينة.
في المقابل كان تيار آخر داخل الصهيونية الدينية، ينتمي له مستوطنون من طبقات أخرى، بعضها في الأطراف والفئات المهمشة، يؤمن بأفكار توراتية قائمة على إبادة الفلسطينيين والعرب، والسيطرة على كامل الأرض، لتحقيق مجيء ما يسمونه "المخلص" الذي يقيم دولة لليهود وحدهم.
بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، في حرب 1967، مع أراض عربية أخرى، تحقق لهذا التيار دفعة معنوية كبيرة وانطلق نحو الاستيطان في المناطق المحتلة، تحت شعارات دينية، كان أبرز منفذيها "غوش أمونيم" التي أصبحت مع الوقت الذراع الاستيطاني لحزب "الليكود"، الذي حقق تقدما تارتخياً، في انتخابات "الكنيست"، أمام حزب العمل الذي كان يمثل المؤسس والمسيطر على دولة الاحتلال.
بقي تيار الصهيونية الدينية مهمشاً، في السياسة الداخلية في دولة الاحتلال، وكانت السيطرة للعلمانيين على الجيش والأمن والاستخبارات والمؤسسات السيادية، وكان جزء من الوزراء المسيطرين على الحكومة في دولة الاحتلال اليوم، يتلقون التعاليم التوراتية التي تدعو إلى الإبادة في المدارس الدينية المنتشرة في المستوطنات.
واجه تيار الصهيونية الدينية اتفاقية أوسلو التي وقعها رئيس حكومة الاحتلال السابق، اسحاق رابين، الذي قتل على يد أحد منتسبي هذا التيار لاحقاً، بشراسة واختلف حاخاماته حول الطريقة لمواجهة أي قرار بالانسحاب من المستوطنات، بين الدعوة للتمرد أو خوض احتجاج أو الاستمرار في طاعة الدولة والجيش.
لكن الثابت أن التيار اتجه نحو الخدمة العسكرية بكثافة، في جيش الاحتلال، خاصة الوحدات القتالية، ومع السنوات ارتفعت أعداد الجنود والضباط الذين يعتمرون القبعة الدينية بشكل كبير مقارنة بالعلمانيين الذين اختارت نسبة منهم الخدمة العسكرية، في الوحدات غير القتالية، في السنوات الماضية، مثل الاستخبارات والسايبر وغيرها.
الانفجار الأكبر في توجه الصهيونية الدينية نحو مشروع السيطرة على دولة الاحتلال، لتحقيق مشروعها الأكبر المتمثل بإقامة دولة دينية يهودية، على كامل فلسطين، بعد إبادة شعبها وطرده، كان انسحاب أرئيل شارون من قطاع غزة، في 2005، مع مستوطنات في الضفة الغربية.
تعرض سموتريتش الذي يشغل الآن منصب وزير المالية في حكومة الاحتلال، ويسيطر على ملفات هامة في وزارة الجيش، للاعتقال من قبل "الشاباك" بسبب تشكيله مجموعات لتنفيذ عمليات تخريببة تعرقل قرار شارون الانسحاب من قطاع غزة.
اتجه تيار الصهيونية الدينية بعد هذه المرحلة نحو تعزيز انخراطه، في جيش الاحتلال، وبناء أحزاب وتكتلات تسهل له السيطرة على مراكز صنع القرار الإسرائيلي، وكانت التغييرات التي حصلت في السنوات الأخيرة، وجنوح المستوطنين نحو اختيار اليمين الصهيوني شديد التطرف، والتحالف مع نتنياهو الذي يلتقي مع التيار في بعض التكتيكات، فرصة ذهبية له للصعود والوصول.
لذلك كان قرار العودة إلى المستوطنات التي أخلاها الاحتلال سابقا، في شمال الضفة الغربية المحتلة، كأنه تتويج لمسار طويل انتقم فيه المستوطنون لأنفسهم، وثبتوا رؤيتهم في أن لا دولة فلسطينية، وأن المطلوب هو السيطرة على كامل الأرض الفلسطينية، وتهجير أصحابها منها.
وهذا يؤكد على أن سموتريتش والتيارات التي يمثلها، وبقية الأحزاب في دولة الاحتلال، لا تتعامل مع تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة، على أنه شعار بعيد التحقق، بل مشروعاً يومياً يعملون عليه عبر حزمة من الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
والخطوات التي ينفذها سموتريتش عبر سرقة الأموال الفلسطينية، وتدمير الاقتصاد الفلسطيني، ومحاصرة كل فرصة للحياة في الضفة الغربية، هي أداة من أدوات تحقيق مشروع طرد الفلسطينيين من المنطقة.
وتنضم أدوات أخرى في هذا المشروع الكبير، بينها ميلشيات المستوطنين التي تنفذ هجمات إرهابية يومية، مدعومة من جيش الاحتلال الذي توسع عدوانه وازدادت شراسته وهمجيته، في حربه على الفلسطينيين، لأهداف عدة أبرزها دفعهم نحو الهجرة.



