ملاحظة: لستُ خبيراً سياسياً أو عسكرياً، ولستُ مؤرخاً في التاريخ، وإنما أكتبُ مجرد رؤية بسيطة للأحداث، من واقع قراءتي المتواضعة، ومن واقع انتكاسي ببعض الحقائق أيضاً، مع مراعاة احتمال رأيي للصواب وكذلك الخطأ، حتى أصل للفقرة الأخيرة.
في 5 حزيران 1967، لم تكن حرب الأيام الستة، أو ما سُميت بالنكسة هزيمةً عسكرية أو سياسية، بالقدر الذي كانت فيه هزيمةً معنوية، لأن حجمَ الخسائر العسكرية أو البشرية لا ينظرَ إليها في مثل هذه الحروب، التي تحددُ مصير الأمم.
أما على الجانب السياسي، فكانت تهدفُ "إسرائيل" إلى إسقاطِ عبد الناصر شخصياً، وسحقهِ بـضربةٍ لا يرفعُ رأسه بعدها أبداً، كزعيم عربي ترى فيه الشعوبُ العربية كافةً، وسيلةً لإنهاء الوجود الإسرائيلي، وتكنُ له محبةً واحتراماً كقائد عسكريٍ وسياسي على رأسِ الدولة التي تتزعمُ الصراع العربي الإسرائيلي، كذلك إنهاء التوتر الذي تسببه مصر لـ "إسرائيل" باعتبارها قائدة الأمة في هذا الصراع، فتكونُ النتيجة إما سلاماً أو استسلاماً، وبالتالي ترسيخ وجود دولة "إسرائيل" وحقها في الأرض، وإغلاق ملف هذا الصراع بشكل نهائي.
انتهت الحرب في العاشر من حزيران لعام 1967، وأخذَ الإسرائيليون يرقصون فرحاً وطرباً على هزيمة 3 جيوش عربية، أمر لم يتخيلهُ الإسرائيليون في أقصى أحلامهم نشوةً، وانتهت الحرب بـاحتلالِ القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، والجولان، وكذلك سيناء، ولكن تلك الفرحة لم تكتمل ببقاءِ عبد الناصر على رأسِ الدولة الأم، ورفض الشعب لتنحيه عن رئاسة الجمهورية، وبنتائجِ قمة الخرطوم في 29 أغسطس من نفس العام، اكتملت الحفلة مع الدولة المسخ، أو ما سُميت بـ قمة اللاءات، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض، وهكذا أبقى عليهم عبد الناصر، ممسوخينَ في مكانهم، لا اعترافَ بوجودهم، ولا صلحَ ولا تفاوضَ معهم، منكراً أحقيتهم في الوجودِ قبل الأرض، وتبعتهُ باقي الدول العربية دعماً وتأييداً.
وتلاها مزيد من الإعداد والتجهيز للجيشِ المصري، ومزيد من البناءِ للدولة المصرية عسكرياً واقتصادياً، ومزيد من الدعم والتأييد العربي أموالاً ونفطاً، في التفافٍ عربيٍ واضح حولَ مصر للاستمرار في قيادةِ هذا الصراع، حتى إنهاءِ الوجود الإسرائيلي.
وحرب الألف يوم، أو ما سميت بحرب الاستنزاف، ضربات متقطعة أصابت الجيش الإسرائيلي، فأذاقته ويلاً وعلقماً على مدارِ ما يقارب الـ 3 سنوات، باعتراف قادة الجيش الإسرائيلي العسكريين والسياسيين، والكلُ يعلم حتى الطفل، أن "إسرائيل" دولة الحروب السريعة، وأن روحها لا تطول لتحملِ المعارك الطويلة.
وقد ذكرت رأيي في هذا الأمر إذن، بأن النكسةَ، لم تكن هنا أبداً، على الرغم من الهزيمة المذلة للجيوش العربية، بل كانت في اليوم الذي توجهَ فيه الرئيس المصري أنور السادات، زعيم الدولة الأم في قيادةِ هذه الصراع، إلى الكنيست "الإسرائيلي"، موقعاً اتفاقية كامب ديفيد، معطياً الذريعة لمن بعدهُ بتوقيع اتفاقيات السلام، والاعتراف بوجود دولة "إسرائيل"، ذلك وبعد انتصارٍ حققه الجيش المصري في حرب السادس من أكتوبر عام 1973، فأي كارثةٍ هذه التي أصابنا بها ؟!!
فوَالله هزيمةٌ يتلوها، تمسكٌ بالثوابت، ورفض للاعترافِ بوجودِ الدولة التي مسخت نفسها بين العربِ أصلاً وأحقيتها في أرضنا وقدسنا، وإصرار على مواصلة الصراع مع العدو، حتى إنهائه مرةً وإلى الأبد، أهون بألف مرة، من انتصارٍ ساحقٍ مذلٍ لدولة "إسرائيل" وجيشها، يتلوه اعترافٌ وتطبيع، وتنازلٌ.
ما فعله أنور السادات، شكل بداية تعاقب الكوارث على قضيتنا وعلى ملف الصراع العربي الإسرائيلي، نعاني منه حتى اليوم.
سحقاً لك يا نهج التطبيع والتنازل!