قبل 48 ساعة هم بالنوم كئيباً، وأمواج الإحباط تغزو شاطئ كيانه، تقلّب في فراشه كثيراً، فيوسف المشنوق أمامه يفتح أبواب عينيه على مصراعيها، كلما بدأت إرهاصات غفوته، هذا حال معظم الفلسطينيين أينما كانوا، فالفلسطيني قبل أن يكون يحمل جنسية، هو إنسانٌ من لحم ودم، ويمتلك قلباً وعقلاً يحمل المشاعر والأحاسيس، وجريمة قتل الرموني تُخالف العقل والمنطق قبل أن تلهب العواطف الإنسانية.
منذ ساعات الصباح العائلة تهزه بعنف ليستيقظ!، فتح عينيه على صوت كلمات"في القدس.. في القدس"، اعتاد هو على الإحباط وبدأ يتسلل إلى قلبه كأخطبوطٍ بغيض، نظر إلى شاشة التلفاز خلسة لثوانٍ بعينه المفتوحة والأخرى النصف مغمضة، فلمح شريط الخبر العاجل باللون الأحمر! فزادت أذرع أخطبوط الإحباط من تشبثها بكيانه، يا ترى هل هي جريمة جديدة؟!، من الرموني الجديد؟! ما الذي حدث في القدس؟!.
مرت الثواني بطيئة كأنها سويعات، ووسط ظلام الإحباط المُدلهم، بزغت خيوط فجر الفخر، عند سماعه تمتمات "الله أكبر..الله أكبر"، عندها قفز من فراشه كأبٍ تلقى خبر عودة فلذة كبده الغائب عن المنزل منذ ردحٍ من الزمن!، ليكّحل عينيه بنبأ عملية "البلطات" المقدسية، بعد أقل من 48 ساعة على استشهاد يوسف الرموني، والنتيجة مقتل 5 مستوطنين وإصابة عدد آخر في الهجوم على الكنيس اليهودي.
سرح في مخيلته قليلاً، وقال لنفسه: الآن سأشرب قهوتي مُرّة لأول مرة، فبسالة غسان وعدي تحلّيها، ثم أمسك قلمه وبدأ يكتب:
قتل 5 مستوطنين قد يفتح الباب أمام تطورٍ جديد في عمليات هبة القدس!!
خطورة عملية اليوم لا تقتصر فقط على إحصائية خسائر المستوطنين فيها، أيضا لها مدلولات وأبعاد أوسع أعمق، فالأمر لم يعد يتوقف عند مجرد عمليات رد فعل فردية وعشوائية، تعتمد على أشخاص تطغى عليهم فورة الغضب بضرورة سرعة الثأر فقط، بل أصبح الوضع كما عبرت عنه "بلطات النخبة المقدسية" يسوده التروي المقترن بالتخطيط إضافة لسرعة الثأر في ذات الوقت أيضا.
إن إشراك أكثر من منفذ في العملية هو أمر متطور بحد ذاته، فهو يشكل نواة لأول عمل منظم لم تشهده القدس منذ سنين طويلة، الأسلوب الجديد رغم تعقيد تفاصيله مقارنة بالعمليات الفردية السابقة، يبدو أنه لا يعتمد على المجازفة أيضا، فوجود أكثر من شخص في تنفيذ العملية، يفرض الوعي الأمني عند اختيار الأشخاص وطرح الفكرة، لذلك غالبا ما يكون المنفذين في مثل هذا النوع "رفاق سجون"، "أقارب"، "رفاق طفولة"، هذا إذا ظهر أن عملية اليوم لا علاقة لأي من الفصائل الفلسطينية في دعمها والإشراف المباشر عليها.
كما أن المصادر الاسرائيلية نقلت عن شاهد عيان خبر فرار منفذ ثالث من مسرح العملية قبل وصول قوات الشرطة الاسرائيلية، وهذا إن صح فهو أيضا يحمل مدلولات أكبر وأخطر، إذا ما نظرنا لحجم العملية وإحصائية خسائرها.
في 2025 سيُمسك طالب التاريخ في المدارس الفلسطينية ورقة امتحانه، ليُجيب على السؤال التالي: عرّف نخبة القدس!، والإجابة النموذجية ستكون: هم أبطال المسرى، رائد الكرمي، وأبو هنود، وهاني العقاد، ويامن فرج، ومحمود طوالبة، ذات الوجوه ونفس القلوب لكن بأسماء جديدة، رجالٌ أحبوا لقاء الله فأحب الله لقاءهم، واعتزلوا أثواب تنظيماتهم، واجتمعوا في عباءة الوطن الواحد!.