شبكة قدس الإخبارية

استجداء "المثقف" الفلسطيني

هنادي قواسمي

في زمن التواصل الالكتروني الواسع، يفتح الواحد منا الفيسبوك، وخاصة أوقات الأحداث الساخنة، وبه بعض من أمل أن يجد أحداً من "العاقلين"، بالمعنى الوطنيّ للكلمة إن صح التعبير، قد كتب سطراً واحداً على الأقل ينبض بالصدق ويعبر عن روح الشّارع وغضبه. يزداد هذا الأمل إذ ما تحدثنا عمن يفترض أنهم مثقفو المجتمع، و"الفهمانين" منا، الذين يتوقع أن يقوموا بتوظيف مهاراتهم في تطويع حروف اللغة في خدمة مجتمعهم وشعبهم ونضاله، والذين يتطلع إليهم ليقودوا المسيرة، ويلتحموا مع الشعب.

إلا أن واقع بعض المثقفين الفلسطينيين البائس يقودك حتماً لأن تعكّر مزاجك بقراءة مقال علاء حليحل "طفل صغير في ظلّ الشيطان"، نشره في الموقع الإلكتروني الإسرائيلي "همكوم" (1)، أي المكان، وفيه يحلل الأجواء العامّة في الأراض المحتلة بعد عملية أسر المستوطنين الثلاثة وجريمة اختطاف وقتل الفتى محمد أبو خضير. اسمحوا لي أن أقول أنه يمكنك وأنت مغمض العينين أن تمسح اسم "علاء حليحل" عن أعلى المقال وتكتب مكانه اسم أي مثقف يساري صهيوني يتودد للفلسطينيين وبذات الوقت يتودد لأبناء مجتمعه، اكتب "عيلاي هيليل" مثلاً، ولن يتغير شيء.

يخاطب حليحل، "المثقف الفلسطيني" في مقاله، لا أبناء شعبه الغاضبين، أبناء لحمه ودمّه، بل أبناء المجتمع الذي يفترض أنه عدوّه وعدو شعبه، يخاطبهم بلغتهم العبرية، وبالنقاش الذي يحبون سماعه من "العربي الجيد". يقدم لهم حليحل على طبق من ذهب تحليلاته ونصائحه عن طرق التصرف الملائمة كفلسطيني عربي "مواطن في هذه الدولة"، بحسب تعبيره، وكأب لطفلين لا يحتمل تخيل أن يحصل لهما ما حصل للمستوطنين الثلاثة الذين تم قتلهم.

وبما أن المثقف الفلسطيني فضّل أن يكتب بالعبرية مخاطباً العدوّ، فسيزاوج هذا المقال بين ترجمة أهم ما ورد في مقال حليحل وبين التعليق عليه، وفي بعض المقاطع قد يبدو التعليق غير ضروري، فكلام الكاتب شديد "البلاغة"، وفطنة القارىء كافية لـ"فهمه". يبدأ الكاتب مقاله بتذكيرنا أن هذا "الصّراع الدمويّ" حصد أرواح الكثير من الأطفال وخاصة في الجانب الفلسطيني، وضرب مثالاً على ذلك العدوان الأخير على غزة "عامود السحاب".

ولا ندري هل فعلاً يؤمن الكاتب أنه من الطبيعي أن يطلب "مثقف" ينتمي لشعب يقع تحت الاستعمار، أن يطلب من المستعمِر التعاطفَ مع ضحاياه الذين قتلهم؟ إذ يقول:" لم يجد هؤلاء الأطفال والفتية (الذين استشهدوا في غزة) طريقهم إلى القلب الإسرائيلي، وبدلاً من مشاركة العائلات ألمها، هلّل معظم الجمهور الإسرائيليّ لذلك وطلب المزيد تسوية غزة بالأرض".

هل يفترض بالمجتمع الصهيوني المستعمر أن يغدق علينا من عطفه؟ بل من الأهم السؤال: كيف يمكن لإنسان حرّ مثقف وواعٍ أن يطلب من جلاده أن يعطف عليه؟  تحوّل هنا المثقف من دور القيادي والملهم الذي يُصبّر شعبه ويبث فيهم التحدي والانتماء، إلى مجرد كاتب يجيد الاستجداء المذّل يبحث عن تعاطف عدوه، مخدوعاً بشعارات "إنسانية" يرفعها دعاة اليسار الصهيوني، فيشاركهم توجيه اللوم إلى عموم "الشعب الإسرائيلي" على هذا التدهور الخطير في أخلاقهم، وانجرارهم وراء العنصرية والدعوات البغيضة.

يفصّل حليحل في استجدائه فيعبر لنا – عفواً أقصد يعبر للعدو، عن خوفه من تدهور الخطاب العام الإسرائيلي، و"الذي ينبع من العنصرية التي يتم ترسيخها شعبياً ومؤسساتياً، ومن الشرعنة التي تمنحها جماهير عريضة في "إسرائيل" لحوادث الاعتداء على الفلسطينيين". يبدو إذن أن "إسرائيل" مكان جيد وجميل للعيش ولا اعتراض عليه، ولكنه أصيب مؤخراً بعوارض مرضية أدت إلى تدهور الخطاب العام فيه وزيادة تطرفه، وعليه فإن من واجب مثقف ما من "الأقلية الفلسطينية العربية في إسرائيل"، كما يحرصون على تسميتها، أن يُوّجه هذه الدولة العتيدة وينصحها في الخير لتحارب هذا المرض، حتى "لا نغرق معا".

يقول حليحل لهم أن هذا الصراع "توقف عن كونه صراع سياسي يحتمل العديد من المواقف، فوجهة النظر الصهيونية لا تحتمل تضامنا وتعاطفاً مع ضحايا الآخر، وتطلب فقط أن يكون التضامن الوحيد مع ضحاياها. أنا واثق أن الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني لم يسعد لمقتل الشبان الثلاثة، لكنهم في ذات الوقت لم ينعوهم". يكمل حليحل في لومه لهذا الاحتلال الجميل والوردي، كيف يمكنه أن يتنكر للمشاعر الإنسانية النبيلة التي تحتم عليه التضامن مع "ضحاياه" الذين يقتلهم هو بأيديهم؟ كيف يمكن للمجتمع الصهيوني أن لا يحتمل التضامن مع "الضحايا الفلسطينيين المساكين"، إنهم يستحقون الرثاء والبكاء وكلمات اليسار المنقمة عن الانسانية والحق في الحياة؟

وعلى الرغم من أن المثقف الحقيقي عادة ما يعبر عن روح شعبه، فإن حليحل يتجاهل دعوات الأمهات المغلولة على دماء الشهداء وأعمار الأسرى في سجون الاحتلال، يخفي وراءه التهليل الشعبي الصادق والمؤازر لعملية أسر المستوطنين الثلاث، ويقول لهم أن الفلسطينيين هؤلاء الذين يجب أن تبكوا عليهم لا يريدون لكم الأذى، لا بل إن غالبيتهم لم يفرحوا لمقتل شبابكم! يقول حليحل عني وعنك وعنكِ أننا بغالبيتنا الساحقة لم نفرح لمقتل المستوطنين الثلاثة.

من ثم تأتي الفقرة الأهم في مقال حليحل، يقول: "إن الطرف الأقوى (يعني إسرائيل) من موقع تعريفها هي المسؤولة عن إملاء النبرة وخطوات الفعل والخطاب المسيطر. في هذا السياق، يمكن للطرف الإسرائيلي أن يقلب عوالم بأكملها. إن امتناع الطرف الإسرائيلي عن القتل والاغتيال ومصادرة الأراضي واقتحام بيوت الآلاف يمكن بكل تأكيد أن تثير التعاطف في الجانب الفلسطيني تجاه المأساة الإنسانية للأمهات الثلاث المتألمات".

تتكثف في هذه الفقرة من مقال حليحل وظيفة هذا "المثقف" الفلسطيني الجديد، وتضاف إلى وظيفة الاستجداء التي استقرأناها من الكلام أعلاه وظيفة تقديم النصح الاستراتيجي عن كيفية التعامل الأنسب مع الشّارع الفلسطينيّ، ليس من خبير أمني صهيوني، بل من "مثقف فلسطيني". مثقفونا لا يدعون المجتمع الصهيوني للبكاء والتعاطف مع "ضحايانا" فحسب، إنما كذلك يجتهدون في تقديم خدمة مجانية في كيفية التصرف الأنسب مع "جماعة مساكين" أمثالنا. إنه يقول لهم باختصار: يا جماعة الخير، تريدون كسب المعركة؟ تعالوا أخبركم كيف. فقط لو أنكم لا تقتحمون بيوت الناس، ولا تتعرضون لهم، بمعنى آخر، ركزوا ضرباتكم على "الارهابيين" وعلى شبكاتهم، واتركوا الشعب في حال سبيله. الشعب هو طرف و"الارهابين" طرف آخر لا يعبر عن الأول ولا يتقاطع معه.

بالكلمات الفخمة، يقدم حليحل وصفة للإسرائيليين سمتها الأبرز "جردوا المقاومة من حاضنتها الشعبية، عليكم بالسياسات الناعمة، لا تقلبوا الشعب الفلسطيني عليكم، أكدوا له أنكم تفرقون بينه وبين المقاومة، اقطعوا الوصل بين المقاومة والشعب".

ومن المهم أن نذكر أن حليحل يشدد على أن ما حصل للمستوطنين الثلاثة هو "مأساة إنسانية" تستدعي التعاطف (كما يستدعي شهداؤنا الأبرار تعاطف الإسرائيليين الجيدين)، وذلك يعني فيما يعنيه أن حليحل ينتقد أخلاقية العمل المقاوم، هو لا ينتقده تكتيكياً، ولا يقول مثلا "أن وقته وطريقته غير مناسبة"، بل هو ينفيه تماماً، يجعل منه عملاً مرفوضاً من الناحية المبدئية الأخلاقية.

في نهاية المقال يبدو أن حليحل يحاول تخفيف حدة الاستجداء، فيقول أنه يتهم "إسرائيل" والاحتلال (وكأن إسرائيل هي شيء، والاحتلال هو فقط فعل من أفعالها منفصل عنها)، بأنها المسؤولة بكوننا غير قادرين على "فصل المشاعر الانسانية المشتركة بين كل البشر فيما يخص الأبوة، من الواقع السياسي المركب".

في الختام، لا بد أن لا نشير إلى ملامح خطاب انهزامي مستجدٍ، يريدنا أن ندوس على ذواتنا وكينونتنا الحرّة، وأن نكيّف مواقفنا وأفعالنا كفلسطينيين بحسب ما يرضي "السيد الإسرائيلي". أذكر من ذلك ما كتبه أحد الشباب الفلسطينيين على فيسبوكه العام الماضي خلال مظاهرات مناهضة لمخطط برافر، مطالباً المتظاهرين بـ"عدم رفع العلم الفلسطيني في المظاهرات حتى نكسب التضامن الإسرائيلي". ولا يبعد عن هذا الخطاب مقال نشره سيد قشوع "المثقف العربي الإسرائيلي" في هآرتس اليوم يتباكى فيه على الأوضاع المتدهورة في القدس ويخبرنا أنه يريد "الهج" من البلد، ونحن لا نقول له إلا مع السّلامة، ولا وقت كافٍ لدينا لمناقشة المزيد من السقطات، فالكلام يبقى للشارع.

==============================

(1) ويقصد بـاسم الموقع "المكان"، القول الشهير للكاتب الإيطالي "دانتيه" والذي ردده فيما بعد مارتن لوثر كينج: "المكان الأكثر حرّاً في جهنم محجوز لأولئك الذين يبقون على الحياد في أوقات الأزمات الأخلاقية"، وربما في ذلك دلالة تلاءم فحوى مقال حليحل. ويقول الموقع في تعريفه أنه وفقا لهذه المقولة فإنه يسعى لصحافة ملتزمة بأسس الديموقراطية والمساواة والعدل الاجتماعي، لا تخاف أن تأخذ طرفاً في أي نقاش، والتي تراعي الحقائق والمعايير المهنية، وتتميز بالفضولية والبحث، ولكنها في ذات الوقت لا تغرق في مستنقع الحياد المزيف واللزج. *رابط المقال باللغة العبرية:http://www.ha-makom.co.il/post/ala-hlehel-yeled