خاص قدس الإخبارية: لم تعد رحلة الطالب الفلسطيني نحو التخرج تبدأ وتنتهي داخل أسوار الجامعة، فبين مقعد المحاضرة وبوابة السجن مسافة قصيرة فرضتها اعتقالات الاحتلال التي طالت طلبة الجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحولت سنوات الدراسة لدى كثيرين إلى فصول متقطعة من الانتظار والتأجيل.
فلم تعد الخسارة بالنسبة للطلبة المعتقلين مرتبطة فقط بفقدان الحرية، بل امتدت إلى تعطيل أحلامهم الأكاديمية، وتأخير تخرجهم، وحرمانهم من فرص العمل، في وقت كان يفترض أن تكون فيه الجامعة بوابتهم نحو بناء مستقبلهم.
وبحسب إحصائيات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطيني حول انتهاكات الاحتلال بحق التعليم منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى السابع من يوليو/تموز 2026، فقد استشهد في الضفة الغربية 39 طالباً جامعياً، وأصيب أكثر من 283 طالباً، فيما بلغ عدد المعتقلين أكثر من 492 طالباً جامعياً.
أما في قطاع غزة، فقد استشهد أكثر من 1383 طالباً جامعياً، وأصيب أكثر من 3067 طالباً، إلى جانب تدمير أكثر من 63 مبنى جامعياً بشكل كامل، في استهداف طال المؤسسات التعليمية وحق الطلبة في الوصول إلى التعليم.
ولم تكن الاعتقالات مقتصرة على الطلبة الذكور، إذ طالت أيضاً الطالبات الجامعيات، ضمن حملات استهدفت طلبة وناشطين في الأطر والكتل الطلابية في عدد من الجامعات الفلسطينية، بينها جامعات النجاح الوطنية، وبيرزيت، والخليل.
ففي جامعة بيرزيت، شهد الحرم الجامعي اقتحامات متكررة واعتقالات طالت طلبة وقيادات طلابية، فيما تعرضت الحركة الطلابية داخل الجامعة للملاحقة، الأمر الذي انعكس على حياة الطلبة ومسيرتهم الأكاديمية.
وفي جامعة الخليل، طالت الاعتقالات عدداً من طلبة الكتل الطلابية، في إطار حملات استهدفت الناشطين في الحركة الطلابية، لتتحول المشاركة في العمل الطلابي إلى سبب يلاحق الطلبة داخل جامعاتهم وخارجها.
جامعة النجاح.. اعتصام طلابي انتهى بالاعتقال
في ديسمبر/كانون الأول 2023، شهدت جامعة النجاح الوطنية اعتصاماً طلابياً نظمته عدة كتل طلابية بالشراكة مع مجلس اتحاد الطلبة، احتجاجاً على رفض إدارة الجامعة الاستجابة لعدد من المطالب التي تقدم بها المجلس.
وشارك في الاعتصام ممثلو الكتل الطلابية ورئيس وأعضاء مجلس اتحاد الطلبة، الذي أصبح معطلاً لاحقاً بسبب الظروف الأمنية الراهنة. ورغم الضغوط والتهديدات، تمسك الطلبة بالبقاء داخل الجامعة ومواصلة اعتصامهم.
وخلال الاعتصام، تلقى الطلبة تهديدات من ضابط المخابرات الإسرائيلي المسؤول عن ملف الجامعة، قبل أن تُحاصر قوات خاصة إسرائيلية الحرم الجامعي مطلع يناير/كانون الثاني 2024، مدعومة بتعزيزات عسكرية وصلت إلى نحو 25 آلية.
وانتهى الاقتحام باعتقال 25 طالباً كانوا داخل الجامعة، بينهم رئيس مجلس اتحاد الطلبة وأعضاؤه وعدد من ممثلي الكتل الطلابية.
من التحقيق إلى الاعتقال الإداري.. طالب يفقد سنوات من عمره الجامعي
يروي أحد طلبة جامعة النجاح الوطنية تجربته مع الاعتقال، قائلاً إن أول اعتقال له كان في أغسطس/آب 2022، حين حُوّل إلى مركز تحقيق بيتاح تكفا لمدة شهر، وتنقل خلال فترة التحقيق بين عدة أماكن، بينها قسم “العصافير” في سجن مجدو وسجن عسقلان.
ويشير إلى أن التحقيق تركز بشكل أساسي حول نشاطه الطلابي داخل الجامعة، قبل أن تنتهي فترة اعتقاله الأولى التي امتدت نحو ستة أشهر.
أما اعتقاله الثاني فكان في أكتوبر/تشرين الأول 2024، واستمر نحو عشرين شهراً حتى مايو/أيار 2026، حيث حُوّل إلى الاعتقال الإداري بعد فترة قصيرة من اعتقاله، وخضع لخمس تمديدات متتالية.
وجاء الاعتقال في الفصل الأخير من دراسته الجامعية بتخصص التاريخ، ما أدى إلى تأخير تخرجه، قبل أن يتمكن من إنهاء دراسته بعد الإفراج عنه بأسابيع قليلة. كما حُرم من فرصة التقدم لامتحانات التوظيف في وزارة التربية والتعليم، بعدما كان يستعد لبدء حياته المهنية معلماً.
طالب يعود في كل مرة إلى نقطة البداية
أما طالب آخر من جامعة النجاح الوطنية، التحق بالجامعة عام 2019 في أحد تخصصات الهندسة، فيروي كيف جعلت الاعتقالات المتكررة مسيرته الجامعية أكثر صعوبة.
ويقول إن فترات الإفراج التي كان يقضيها خارج السجن غالباً ما كانت تأتي بعد انتهاء موعد التسجيل الجامعي، ما يمنعه من العودة الفورية إلى الدراسة، ويجبره على الانتظار لفصل جديد.
ومع مرور السنوات، أصبح الطالب الذي كان يفترض أن يكون قريباً من التخرج بعيداً عن إنهاء دراسته، وكأن كل اعتقال يعيده إلى نقطة البداية.
وتكشف قصص الطلبة المعتقلين أن أثر الاعتقال لا يتوقف عند أبواب السجون، بل يمتد إلى الجامعات والمستقبل، حيث يدفع الطلبة ثمناً إضافياً يتمثل في سنوات دراسية ضائعة وأحلام مؤجلة، في ظل استمرار استهداف التعليم والحركة الطلابية الفلسطينية



