متابعة - شبكة قُدس: تشهد جبهة جنوب لبنان فصلاً جديداً من المواجهات الميدانية العنيفة التي ترتبط بشكل وثيق بالسيطرة على الجغرافيا وتوجيه مسار المعركة، فالمواجهة الدائرة حول مرتفعات علي الطاهر تجاوزت كونها اشتباكاً على تلة حدودية لتصبح معركة كسر إرادات حقيقية ورسماً لحدود النار في الجنوب.
وبينما يرى الاحتلال في السيطرة على هذه السلسلة مفتاحاً لإحكام قبضته على القطاع الشرقي، تصر المقاومة على جعل هذه الجغرافيا خط دفاع إلزامي يحول دون فرض واقع عسكري واستخباري جديد يكشف العمق اللبناني.
وخلال الساعات الـ 24 الماضية، اندلعت اشتباكات ضارية بين مقاومي حزب الله وقوات من جيش الاحتلال أثناء محاولتها التقدم نحو تلة "علي الطاهر"، تخللها إطلاق الحزب رشقات صاروخية متتالية على نقطة تجمع لقوات الاحتلال وإحراق مركبة للاحتلال.
فيما قتل الليلة الماضية جندي وأصيب 11 آخرين بنيران مقاتلي حزب الله في منطقة علي الطاهر في ليلة أخرى صعبة من القتال في جنوب لبنان.
وأكدت غرفة عمليات المقاومة الإسلامية "التزامنا بوقف إطلاق النار رغم خروقات الاحتلال المتواصلة، وقد تصدى مجاهدونا لمحاولة تسلل لقوة إسرائيلية في مرتفع علي الطاهر وأوقعوا قتلى وجرحى في صفوفها، ونؤكد الجهوزية الكاملة للتصدي لأي محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة أو توسيع الاحتلال".
وفي الوقت الذي يسعى فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي لتثبيت نقاط تقدمه بعد وصوله إلى محيط قلعة الشقيف التاريخية، تبرز منطقة مرتفعات "علي الطاهر" والمحيط الجغرافي المرتبط بها كعقدة استراتيجية حاسمة تخوض المقاومة معركة منع سقوطها، مما يشير إلى تحول لافت في الحسابات الميدانية وإرساء معادلات جديدة للصراع.
وتنبع الأهمية العسكرية والجغرافية لتلة علي الطاهر من موقعها كجزء أساسي من شبكة المرتفعات الحاكمة في القطاع الشرقي من جنوب لبنان.
وتمنح هذه التلة المشرفة على ارتفاعات شاهقة من يسيطر عليها ميزة الإشراف الناري والبصري الكامل على مساحات واسعة تشمل سهل مرجعيون وبلدة الخيام، بالإضافة إلى التحكم بشبكة الطرق والمحاور العسكرية التي تربط البلدات الحدودية ببعضها البعض.
ويعتبر وصول قوات الاحتلال إلى هذه القمة امتلاكها لنقطة مراقبة وتمركز متقدمة وطويلة الأمد تكشف عمق الأراضي اللبنانية ولا تتوقف عند حدود الشريط المحاذي، مما يوفر للاحتلال تفوقاً استخبارياً وميدانياً دائماً.
ويرتبط هذا التطور الميداني بمفهوم أوسع يسعى الاحتلال لتحقيقه ويتمثل في إحكام "الطوق الشامل"؛ فمن منظور عسكري، لا يعد التوغل الإسرائيلي في محيط قلعة الشقيف إنجازاً كاملاً بل مجرد اختراق موضعي، إذ يحتاج جيش الاحتلال إلى السيطرة على سلسلة المرتفعات المتصلة التي تضم تلال علي الطاهر، والطهرة في قضاء النبطية، والدبشة، وصولاً إلى الجبل الرفيع في إقليم التفاح.
وتشكّل هذه المرتفعات معاً حزاماً جغرافياً واحداً، مما يعني أن الفشل في إسقاط أي عقدة من هذه السلسلة يحرم الاحتلال من تحقيق هدفه المنشود ويترك قواته المتوغلة في حالة انكشاف ميداني.
وتستدعي المعركة الحالية قراءة في السوابق التاريخية للمنطقة، وتحديداً العملية الواسعة التي نفذتها المقاومة عام سبعة وثمانين وتسعمائة وألف لاقتحام موقع علي الطاهر؛ فرغم نجاح المقاومة في السيطرة عليه آنذاك، إلا أنها اصطدمت بالطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة التي جعلت المقاتلين مكشوفين أمام نيران الدبابات والمدفعية الإسرائيلية المنطلقة من التلال المجاورة كالدبشة والطهرة، مما أسفر حينها عن استشهاد القائد البارز الحاج جواد، وتثبت هذه الحادثة التاريخية الترابط العضوي التام بين تلال هذه السلسلة، حيث يتأثر موقف أي تلة مباشرة بوضعية التلال المحيطة بها.
وفي المقابل، يعكس الموقف الحالي لغرفة عمليات المقاومة تحولاً استراتيجياً جذرياً في العقيدة القتالية مقارنة بما كان سائداً في حرب تموز من عام ألفين وستة؛ فبينما كانت الاستراتيجية السابقة تقوم على تكتيكات الاستنزاف المرنة ورفع كلفة بقاء العدو دون التمسك الحرفي بجغرافيا محددة، تبرز اليوم معادلة جديدة يعلن فيها المقاتلون بوضوح تشبثهم بالأرض والدفاع المستميت عن تلة علي الطاهر باعتبارها منطقة عصية على الدخول أياً تكن الأثمان.
وعلى الرغم من أن هذا القرار ينطوي على تحدٍ عالي المستوى ومخاطرة بوقوع خسائر كبيرة، فضلاً عما يتسبب فيه من رد فعل إسرائيلي عنيف وجنوني يستهدف مدينة النبطية وجوارها، إلا أن قيادة الميدان ترى فيه ضرورة قصوى لقطع الطريق أمام أطماع الاحتلال التي لن تتوقف عند هذه التلة بل ستمتد لتطال بقية المرتفعات تباعاً.



