شبكة قدس الإخبارية

المناطق التجريبية في لبنان.. حين تكشف التسمية جوهر السياسة الإسرائيلية

lobnan-1778486790
ثائر أبو عياش

 

حين ظهر مصطلح "المناطق التجريبية" في سياق المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة، بدا للكثيرين وكأنه ابتكار سياسي جديد فرضته ظروف الحرب الأخيرة. غير أن نظرة تاريخية إلى مسار الصراع على الحدود اللبنانية الفلسطينية تكشف أن الفكرة ليست جديدة على الإطلاق. الجديد فقط هو التسمية. أما الجوهر، فيتمثل في نمط متكرر من التفكير الأمني الإسرائيلي يقوم على تحويل الجنوب اللبناني إلى مساحة اختبار لترتيبات أمنية وسياسية يجري توسيعها لاحقاً إذا نجحت.

منذ عقود طويلة، تعاملت "إسرائيل" مع جنوب لبنان ليس باعتباره مجرد حدود، بل باعتباره مجالاً حيوياً لتجريب نماذج مختلفة من السيطرة الأمنية غير المباشرة. ويمكن القول إن أول تجسيد واضح لهذه الفكرة ظهر بعد عملية الليطاني عام 1978، حين دعمت "إسرائيل" إنشاء ما عُرف لاحقاً بـ"الحزام الأمني". يومها لم يكن الهدف احتلال لبنان بالكامل، بل إقامة منطقة محدودة تعمل كمنطقة عازلة بين المستوطنات الشمال في شمال فلسطين المحتلة، وبين الفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان.

كان الحزام الأمني في جوهره تجربة سياسية وأمنية. فإذا نجحت المنطقة العازلة في توفير الأمن لـ"إسرائيل"، يمكن الحفاظ عليها وتطويرها. وإذا فشلت، يمكن تعديلها أو توسيعها. وقد استمرت هذه التجربة أكثر من عقدين حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

بعد ذلك بسنوات، جاءت حرب تموز 2006 لتعيد إنتاج الفكرة بصيغة مختلفة. فقرار مجلس الأمن 1701 لم يكن مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، بل محاولة لإنشاء واقع أمني جديد جنوب الليطاني يقوم على انتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة ومنع الوجود المسلح العلني للفصائل.

عملياً، كان القرار يمثل محاولة دولية لتجريب نموذج أمني جديد يختلف عن نموذج الحزام الأمني الإسرائيلي، لكنه يهدف إلى النتيجة نفسها تقريباً: تقليص مساحة الاحتكاك العسكري المباشر مع "إسرائيل".

غير أن التطورات اللاحقة أظهرت حدود هذه المقاربة. فحزب الله تمكن خلال السنوات التالية من المحافظة على دوره العسكري والسياسي، بينما بقي القرار 1701 موضع جدل وتفسيرات متناقضة بين الأطراف المختلفة.

الحرب الأخيرة على لبنان أعادت هذه المسألة إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحاً. فــ"إسرائيل" خرجت من المواجهة وهي تحمل قناعة بأن الردع العسكري وحده لم يعد كافياً لإبعاد الخطر عن حدودها الشمالية. في المقابل، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة صعبة: كيف يمكن تقليص نفوذ حزب الله جنوباً دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة أو فرض شروط لا تستطيع الدولة اللبنانية تطبيقها؟

من هنا برزت فكرة "المناطق التجريبية". فالولايات المتحدة و"إسرائيل" تدركان أن الحديث عن نزع شامل للسلاح أو تغيير جذري في المعادلة اللبنانية أمر غير واقعي في المرحلة الحالية. لذلك جرى الانتقال إلى منطق مختلف يقوم على اختبار ترتيبات محددة ضمن نطاقات جغرافية محدودة. فإذا نجحت التجربة، يمكن توسيعها تدريجياً. وإذا واجهت اعتراضات أو فشلت ميدانياً، تبقى الخسائر السياسية محدودة.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن مفهوم التجريب لا يقتصر على الحالة اللبنانية. فــ"إسرائيل" نفسها بنت جزءاً كبيراً من سياساتها الإقليمية وفق هذا المنطق. فالاستيطان في الضفة الغربية بدأ كنقاط صغيرة ومعزولة قبل أن يتحول إلى مشروع استراتيجي ضخم. والجدار الفاصل بدأ كإجراء أمني مؤقت قبل أن يصبح واقعاً دائماً. وحتى مسار التطبيع العربي مرّ بمراحل طويلة من العلاقات غير المعلنة والتجارب المحدودة قبل الوصول إلى اتفاقات رسمية.

لذلك لا يمكن فهم "المناطق التجريبية" في جنوب لبنان باعتبارها مجرد آلية أمنية محلية. إنها جزء من مدرسة كاملة في إدارة الصراع تعتمد على اختبار الوقائع قبل تثبيتها. فبدلاً من فرض مشروع نهائي دفعة واحدة، يجري بناء النموذج خطوة خطوة، بحيث يتحول المؤقت إلى دائم، والاستثنائي إلى قاعدة، والتجربة إلى واقع سياسي جديد.

في هذا السياق، يكتسب اختيار المصطلح نفسه أهمية خاصة. فلو طُرحت الفكرة تحت عنوان "مناطق منزوعة السلاح" لأثارت رفضاً واسعاً داخل لبنان. أما وصفها بالتجريبية فيمنحها مرونة سياسية أكبر، ويجعلها تبدو وكأنها إجراء مؤقت وقابل للمراجعة. غير أن تجارب المنطقة خلال العقود الماضية تشير إلى أن كثيراً من الإجراءات المؤقتة تحولت مع الزمن إلى ترتيبات دائمة.

السؤال الحقيقي إذاً ليس ما إذا كانت هذه المناطق ستنجح أمنياً، بل ما إذا كانت ستتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة رسم التوازنات في الجنوب اللبناني. فالتجربة المقترحة لا تختبر فقط قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة، بل تختبر أيضاً حدود نفوذ حزب الله، ومدى استعداد المجتمع اللبناني لقبول واقع أمني جديد، وإمكانية انتقال المنطقة من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة ترتيبات أكثر استقراراً.

لهذا السبب، فإن "المناطق التجريبية" قد تكون في ظاهرها مشروعاً أمنياً محدوداً، لكنها في جوهرها تمثل فصلاً جديداً من الصراع على هوية الجنوب اللبناني ودوره ووظيفته في المعادلة الإقليمية. وكما كان الحزام الأمني وقرار 1701 محطات مفصلية في تاريخ الحدود اللبنانية الفلسطينية، قد تتحول هذه المناطق مستقبلاً إلى محطة جديدة في مسار طويل من محاولات إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للجنوب اللبناني عبر منطق التجريب والتدرج وصناعة الوقائع.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0