خاص قدس الإخبارية: يواصل "تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح" المعروف بـ "تيار دحلان"، نقاشاته الداخلية بشأن طبيعة الرد على ما يعتبره فشل مخرجات المؤتمر الثامن لحركة فتح الذي عقد منتصف الشهر الماضي. ويأتي ذلك في ظل تقديرات داخل التيار بأن مسار الحوار القائم مع قيادة فتح لم يحقق نتائج ملموسة، ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة للعلاقة بين الطرفين.
وبحسب معطيات علمت بها شبكة قدس، فإن التيار يدرس حاليًا مجموعة من الخيارات والسيناريوهات الممكنة للتعامل مع هذا الواقع، في وقت تؤكد فيه مصادر أن موقفًا رسميًا بات قيد التشكل، قد يُعلن خلال الفترة المقبلة في حال استمرار حالة التعثر في مسار التفاهمات الداخلية التي تقودها مصر والسعودية، اللتان أعربتا للرئيس محمود عباس عن استيائهما من سياسته تجاه تيار دحلان.
وتتزايد مؤشرات تداعيات سلبية على علاقات حركة فتح برئاسة محمود عباس مع أطراف إقليمية مؤثرة، أبرزها مصر والأردن والسعودية، على خلفية فشل الحوار مع التيار الذي يتزعمه عضو اللجنة المركزية الأسبق المفصول محمد دحلان. وتوضح مصادر خاصة تحدثت مع شبكة قدس أن مساعٍ عربية سبقت المؤتمر كانت تهدف إلى دمج التيار في العملية التنظيمية، غير أن تلك الجهود اصطدمت بفشل التوافق، بسبب شروط عباس.
وتتجه أنظار قيادات تيار دحلان في المرحلة الراهنة إلى تقييم ما تصفه بـ "ردود الفعل" تجاه ما يعتبره التيار إقصاءً متعمّدًا من الرئيس عباس تجاههم في ظل استمرار ما تصفه المصادر بغياب الاستجابة لجهود الوساطة. وداخل هذا السياق، يجري تداول سيناريوهات متعددة، من بينها طرح يعتبر أن "التيار هو الامتداد الأصلي والشرعي لحركة فتح، وأن التيار الآخر برئاسة محمود عباس متجنّح ولا يلتزم بالنظام الداخلي للحركة".
كما طُرح بحسب المصادر، خيار انفصال التيّار بشكل تام عن حركة فتح وتأسيس كيان سياسي جديد. غير أن هذا الطرح، وفق المصادر يواجه تحفظات واضحة داخل التيار، في ظل مخاوف لدى عدد من القيادات من فقدان الإرث السياسي المرتبط باسم حركة فتح، ما يجعل تبنيه بشكل رسمي أمرًا معقدًا في المرحلة الراهنة.
وبالتوازي مع ذلك، تتبلور داخل التيار مقاربة أخرى تقوم على إعادة صياغة المشروع السياسي عبر إعلان برنامج سياسي مستقل، يحدد هوية التيار وموقعه في المشهد الفلسطيني دون الوصول إلى خطوة الانفصال الكامل. هذا الاتجاه يعكس محاولة لخلق مساحة سياسية جديدة توازن بين الاستمرار داخل الإطار الفتحاوي وتثبيت تمايز تنظيمي وسياسي في الوقت ذاته عن تيّار عباس.
كما يبرز طرح آخر داخل التيار يدعو إلى عقد مؤتمر خاص به، تكون مخرجاته بمثابة إعادة تعريف لما يعتبره "التمثيل الحقيقي" لحركة فتح من وجهة نظر التيار. في المقابل، يدفع تيار آخر نحو خيار الإبقاء على الوضع الحالي لكيان التيار الإصلاحي دون تغييرات جذرية، مع التعويل على أن المؤتمر الثامن هو الأخير للرئيس محمود عباس الذي جاوز التسعين عامًا من عمره.
وفي موازاة هذا التباين، تشير مصادر مطلعة إلى أن تيار دحلان ما يزال في حالة نقاش داخلي مفتوح، مع منح مساحة زمنية إضافية للجهود الإقليمية، لا سيما تلك التي تقودها مصر، بهدف التوصل إلى تسوية تعيد ترتيب العلاقة مع القيادة المركزية لحركة فتح.
كما تتداول مقترحات أخرى تتعلق بإعادة تمثيل التيار داخل مؤسسات فتح، حيث اقترح أطراف الوساطة بين تيار دحلان وفتح على أن يتمّ إضافة أعضاء من التيار داخل اللجنة المركزية، وأعضاء آخرين داخل المجلس الثوري.
كما طرح حلّ آخر بأن يتقدم سمير المشهراوي باعتباره نائب رئيس تيار الإصلاح الديمقراطي بكتاب نيابة عن جميع أعضاء التيار، كي يعودوا إلى حركة فتح بصفاتهم التنظيمية السابقة. غير أنّ كل هذه الحلول اصطدمت برفض الرئيس عباس.
وأشارت المصادر إلى أنّ موقف عباس لم يتغير منذ عامين: "لا عودة لجماعات أو مجموعات داخل فتح". في إشارة إلى تيار دحلان، إلا أن العودة عبر تقديم طلبات فردية، غير قابل للتنفيذ من وجهة نظر التيار.
وكانت الفترة السابقة قد شهدت جملة من المؤشرات على إمكانية التوصل إلى تفاهم بشأن العلاقة بين حركة فتح وتيار دحلان، تمثلت في خطوة إعادة الرئيس محمود عباس رواتب 630 كادرًا محسوبين على تيار دحلان.
وفي موازاة ذلك، كشفت مصادر عن سلسلة لقاءات عُقدت خلال الأسابيع الماضية بين قيادات من الطرفين، من بينها لقاء جمع ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عباس، مع سمير المشهراوي، وآخر بين محمود الهباش والمشهراوي، إلا أن هذه اللقاءات لم تُفضِ إلى أي نتائج ملموسة، في ظل تمسك عباس بمواقفه.
وتشير المعطيات إلى أن تيار دحلان لم يحسم قراره النهائي بعد فيما يخصّ العلاقة مع فتح، بانتظار انتهاء مهلة تمتد لعدة أيام، تُبذل خلالها جهود وساطة تقودها مصر إلى جانب مساعٍ من أعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح.
وبحسب المصادر، فإن أي قرار محتمل في حال فشل جهود إعادة دمج التيار داخل الحركة سيُعلن بشكل رسمي عبر سمير المشهراوي، بناءً على السيناريوهات المطروحة داخل التيار.
وتعود محاولات تقريب وجهات النظر إلى مرحلة لاحقة لقطيعة استمرت 13 عامًا، حيث أُعيد فتح قنوات الاتصال بين الجانبين في أواخر يوليو/تموز الماضي عبر لقاءات غير معلنة جمعت حسين الشيخ، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مع سمير المشهراوي، بوصفه أحد أبرز قيادات تيار دحلان، في إطار مساعٍ لإطلاق مصالحة داخلية، غير أن هذه الجهود انتهت إلى التعثر نتيجة ما تصفه المصادر بتشدد موقف الرئيس محمود عباس.
ويُذكر أن "تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح" تأسس عام 2017 برئاسة محمد دحلان، برفقة عدد من القادة الذين جرى فصلهم من الحركة بتهمة "التجنح"، في إشارة إلى تشكيل تكتلات داخلية قائمة على المصالح داخل حركة فتح. ومنذ ذلك الحين، استمرت حالة القطيعة بين تيار دحلان والرئيس محمود عباس إلى حين بدء جولات الحوار في يوليو/تموز 2024.
وخلال سنوات القطيعة، بقيت الاتهامات المتبادلة حاضرة بين الطرفين، إذ اتهم الرئيس محمود عباس محمد دحلان، عام 2014، بالضلوع في محاولة اغتيال استهدفت قائد كتائب القسام السابق صلاح شحادة. في المقابل، دعا دحلان مرارًا إلى محاسبة عباس في قضايا تتعلق بـ "الفساد"، عدا عن تصريحات مستمرّة من قادة الطرفين تبادلا فيها الاتهامات بالفساد وتدمير النظام السياسي.



