فلسطين المحتلة - شبكة قُدس: قال الكاتب والمحلل الإسرائيلي، يوني بن مناحيم، إن المؤتمر الثامن لحركة فتح كشف عمق الانقسامات داخل الحركة، واتساع فجوة الانفصال بينها وبين الجمهور الفلسطيني في قطاع غزة.
وأضاف الكاتب في مقال له، أنه كانت هناك خشية لدى حماس، في أعقاب الحرب على غزة وأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من أن يحصل ممثلو القطاع على نفوذ أكبر داخل مؤسسات فتح، بما يعزز مكانة الحركة في غزة، لكن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والدائرة المحيطة به واصلوا نهجًا مستمرًا منذ سنوات يقوم على تهميش ممثلي غزة داخل المؤتمر.
ونقل عن مسؤولين كبار في فتح بقطاع غزة أن المؤتمر، الذي انعقد في ظل الحرب المدمرة على القطاع وتعاظم أزمة النظام السياسي الفلسطيني، فشل في تقديم رؤية سياسية جديدة أو خلق أي شعور بالتجديد داخل الحركة.
ويرى أن نتائج المؤتمر عززت الاعتقاد لدى كثير من الفلسطينيين بأن قيادة فتح اختارت ترسيخ سيطرة الدائرة الضيقة المحيطة بعباس ونائبه حسين الشيخ، حتى على حساب تعميق الانقسامات الداخلية وزيادة مشاعر الاغتراب في غزة.
وقال إنه في الوقت الذي يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أحلك مراحله التاريخية، كان كثيرون داخل النظام السياسي الفلسطيني يتوقعون أن يتحول المؤتمر إلى منصة للمراجعة السياسية والتنظيمية، وكانت هناك آمال بأن تحاول قيادة فتح إعادة بناء علاقتها مع الجمهور في غزة ومنح القطاع تمثيلًا أكثر تأثيرًا داخل مؤسسات الحركة، لكن ما حدث عمليًا كان العكس تمامًا.
ووفق المحلل الإسرائيلي؛ أظهرت نتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري بوضوح ميزان القوى الجديد داخل فتح، فقد بقيت مراكز النفوذ راسخة بيد الشخصيات القيادية المحسوبة على المعسكر القريب من أبو مازن المتمركز في المقاطعة برام الله، بينما جرى دفع ممثلي غزة إلى مواقع هامشية نسبيًا.
وقال إنه حتى عدد المندوبين المنتخبين من القطاع كان محدودًا، ما عزز الانطباع بأن القيادة الحالية لم تعد ترى في غزة شريكًا أساسيًا في رسم مستقبل الحركة.
ويشير إلى أن العملية الانتخابية نفسها تأثرت بشكل كبير بآليات القوة الداخلية، بما في ذلك توسيع شبكات الدعم المرتبطة بمعسكر القيادة عبر عناصر الأجهزة الأمنية ومسؤولي السلطة وشخصيات ذات مصالح سياسية، والنتيجة النهائية لم تكن صدفة، بل جاءت ضمن جهد أوسع لضمان السيطرة الكاملة للدائرة المقربة من عباس على مؤسسات الحركة استعدادًا لمعركة الخلافة المتوقعة.
وكان من أبرز المؤشرات على هذه الديناميكية وفقا للكاتب الإسرائيلي؛ تراجع مكانة حسين الشيخ، الذي يُنظر إليه حاليًا باعتباره أحد أبرز المرشحين لمعركة ما بعد عباس، بعدما حلّ في المرتبة الرابعة فقط في انتخابات اللجنة المركزية.
وفي الوقت نفسه، أثار صعود ياسر عباس، نجل رئيس السلطة الفلسطينية، اهتمامًا واسعًا بعد دخوله اللجنة المركزية للمرة الأولى، وحصوله على المرتبة الثامنة داخل الهيئة التي تُعد مركز صنع القرار الأساسي في الحركة. وأثار صعود ياسر عباس انتقادات حادة بين قيادات فتح، التي اعتبرت الأمر محاولة لترسيخ سمات القيادة العائلية داخل الحركة بدلًا من تكريسها كحركة تحرر وطني.
وبحسب تقديراتهم، فقد يشكل ذلك مجرد المرحلة الأولى من خطة محمود عباس لتهيئة نجله ليكون وريثه السياسي، كما انتقد نشطاء وأعضاء في فتح المؤتمر بسبب تهميش شخصيات تمتلك خبرات دبلوماسية وفكرية وسياسية، مثل السفير الفلسطيني في لندن حسام زملط، لصالح مرشحين يُعرفون أساسًا بولائهم التنظيمي وارتباطهم بمراكز القوة داخل الحركة.
وحذر مسؤولون كبار في الحركة من أن فتح تفقد تدريجيًا طابعها كحركة تحرر وطني واسعة، وتتحول بشكل متزايد إلى إطار سياسي بيروقراطي تهيمن عليه مراكز نفوذ ضيقة.
كما أثارت طريقة التعامل مع غزة غضب كثير من النشطاء، فقد اعتبر العديد من سكان القطاع نتائج المؤتمر رسالة سياسية واضحة مفادها أن القيادة في رام الله لا تضع معاناة غزة ضمن أولوياتها، ولا تنوي دمج القيادات القادمة من القطاع بشكل فعلي في عملية صنع القرار، وتعزز هذا الشعور مع حقيقة أن الحرب على غزة لم تؤثر تقريبًا على ميزان القوى الداخلي داخل فتح.
ويرى، أن معسكرًا داخليًا واسعًا قد يتشكل مستقبلًا لتحدي القيادة الحالية، من خلال تعاون بين تيارات متنافسة، بما في ذلك أنصار محمد دحلان، ووزير الخارجية الفلسطيني السابق ناصر القدوة، وقيادات تاريخية شعرت بخيبة أمل من نتائج المؤتمر.
لكن في هذه المرحلة، يقول إنه يبدو أن المعسكر الحاكم نجح في ترسيخ موقعه، ووجّه رسالة واضحة مفادها استمرار النهج السياسي والتنظيمي القائم. ونقل عن مسؤولين في فتح، أن المؤتمر الثامن للحركة يُنظر إليه على أنه خطوة إضافية نحو تركيز السلطة في رام الله، بدلًا من أن يكون محطة للتجديد أو المصالحة، وعكس المؤتمر اتساع الفجوة بين قيادة فتح والجمهور الفلسطيني الذي يعيش يوميًا تحت وطأة الحرب.



