شبكة قدس الإخبارية

قراءة في مخرجات مؤتمر فتح الثامن

Qvrq9u0xCT_1778847429
نبهان خريشة

منذ سنوات طويلة، لم تعد أزمة حركة فتح مرتبطة فقط بتراجع شعبيتها أو بتآكل حضورها السياسي والتنظيمي، بل أصبحت أزمة معنى ودور ووظيفة تاريخية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، ومثلت الحلم الفلسطيني في الوعي العربي والعالمي، تبدو اليوم وكأنها تتحرك داخل فراغ سياسي كبير؛ فراغ يتسع مع كل محطة جديدة، ويزداد وضوحا مع كل خطاب رسمي يعجز عن ملامسة التحولات العاصفة التي تضرب فلسطين والمنطقة والعالم.

وفي هذا السياق جاء المؤتمر الثامن لحركة فتح، بوصفه حدثا كان يفترض أن يشكل لحظة مراجعة تاريخية شاملة، لا مجرد استحقاق تنظيمي داخلي لإعادة توزيع المواقع والمقاعد. غير أن النتائج التي خرج بها المؤتمر، سواء على مستوى عضوية اللجنة المركزية أو على مستوى الخطاب السياسي الذي قدمه الرئيس محمود عباس، أوحت بأن الحركة ما تزال أسيرة المقاربة ذاتها التي أوصلتها إلى حالة الترهل والعجز الراهنة.

فعلى مستوى اللجنة المركزية، حملت الانتخابات تغيرات مهمة في الأسماء، لكنها لم تحمل تحولا جوهريا في الاتجاهات أو الرؤية السياسية. صحيح أن بعض الوجوه الجديدة التي صعدت تمثل جيلا تنظيميا مختلفا نسبيا، وأن بعض الشخصيات التي خرجت كانت ترتبط بمراحل سابقة من هيمنة الحرس القديم أو بحالة الجمود التنظيمي، إلا أن القراءة العميقة للنتائج تكشف أن ما جرى هو إعادة ترتيب داخل البنية ذاتها، لا إعادة تأسيس للمسار.

فالغالبية الساحقة من الأسماء التي صعدت إلى اللجنة المركزية تنتمي عمليا إلى المنظومة السياسية والتنظيمية القائمة، وتحمل ذات التصورات التقليدية حول السلطة والتسوية والعلاقة مع الاحتلال والمجتمع الدولي. لم تظهر في النتائج كتلة إصلاحية واضحة تمتلك مشروعا سياسيا مختلفا، ولم يبرز تيار قادر على إحداث قطيعة مع المرحلة السابقة أو تقديم مراجعة نقدية جذرية لتجربة العقود الثلاثة الماضية منذ اتفاق أوسلو.

بل إن المعيار الذي حكم جزءا كبيرا من الانتخابات بدا أقرب إلى حسابات الولاء وموازين النفوذ التنظيمي والجغرافي والشخصي، أكثر من كونه تنافسا بين برامج سياسية متمايزة. ولذلك فإن التغيير الذي حصل في تركيبة اللجنة المركزية قد يمنح الحركة بعض الحيوية الشكلية أو يخفف من احتقان داخلي هنا أو هناك، لكنه لا يبدو مؤهلا لإنتاج تحول حقيقي في بنية القرار أو طبيعة الخيارات السياسية.

الأكثر أهمية أن خروج بعض الشخصيات التقليدية لا يعني بالضرورة نهاية المرحلة التي مثلتها تلك الشخصيات؛ لأن الأزمة في فتح لم تعد أزمة أفراد بقدر ما أصبحت أزمة بنية كاملة تشكلت خلال سنوات طويلة من تداخل الحركة بالسلطة، ومن تراجع البعد التحرري لصالح منطق الإدارة اليومية والبيروقراطية السياسية والأمنية.

ولهذا تبدو المبالغة في الحديث عن “تجديد” الحركة أقرب إلى محاولة دعائية لتجميل الواقع، لا توصيفا دقيقا لما حدث فعلا. ففتح لا تواجه أزمة أعمار أو وجوه، بل تواجه أزمة مشروع وطني ورؤية سياسية وقدرة على فهم العالم المتغير.

ومن هنا يمكن فهم لماذا بدا خطاب الرئيس محمود عباس في المؤتمر وكأنه منفصل عن اللحظة التاريخية الراهنة. فإذا اعتبرنا أن الخطاب يمثل الخطوط العريضة للبرنامج السياسي للحركة في المرحلة المقبلة، فإن ما يلفت الانتباه ليس فقط ما قاله الخطاب، بل ما تجاهله أيضا.

فالخطاب في جوهره جاء تكرارا شبه حرفي لمواقف ونصوص سابقة استهلكت سياسيا خلال العقود الماضية، دون أن تفضي إلى نتائج ملموسة على الأرض. الحديث ذاته عن حل الدولتين، والتمسك بالشرعية الدولية، والرهان على المجتمع الدولي، والمقاومة الشعبية السلمية، ورفض العنف، عاد مجددا بنفس اللغة والمفردات تقريبا، وكأن العالم لم يتغير، وكأن فلسطين لم تدخل واحدة من أخطر مراحلها التاريخية.

المشكلة هنا لا تكمن في التمسك بمفاهيم مثل الدولة الفلسطينية أو القانون الدولي من حيث المبدأ، بل في العجز عن إدراك أن هذه الشعارات فقدت الكثير من قدرتها العملية في ظل التحولات الجارية. فإسرائيل اليوم ليست إسرائيل التسعينيات، والمجتمع الدولي لم يعد يمتلك الإرادة أو القدرة نفسها، والمنطقة العربية تشهد إعادة تشكيل عميقة لأولوياتها وتحالفاتها، بينما يعيش النظام الدولي نفسه حالة انتقال واضطراب غير مسبوقة.

أما داخليا، فإن الواقع الفلسطيني وصل إلى درجة عالية من الانقسام والتفكك والإحباط الشعبي، خصوصا بعد الحرب الكارثية على غزة، وتصاعد الاستيطان والاقتحامات والانهيار الاقتصادي والاجتماعي في الضفة الغربية. وفي ظل هذه الوقائع، بدا الخطاب (البرنامج السياسي) وكأنه يتحدث عن فلسطين نظرية موجودة في وثائق الأمم المتحدة، لا عن فلسطين الواقعية التي تتآكل يوميا تحت الاحتلال والانقسام والعجز السياسي.

لقد بدا الخطاب بكل وضوح وكأنه محاولة للمحافظة على اللغة السياسية القديمة خوفا من الدخول في أسئلة كبرى لا تملك القيادة الحالية إجابات واضحة عنها. أسئلة من قبيل: ماذا بعد فشل مسار التسوية؟ ماذا بعد انهيار إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا؟ ما طبيعة العلاقة المستقبلية مع الاحتلال؟ وما شكل المشروع الوطني الفلسطيني في عصر التحولات الإقليمية والدولية الجديدة؟

هذه الأسئلة المصيرية غابت تقريبا عن الخطاب، أو جرى الالتفاف عليها بشعارات عامة فضفاضة، وهو ما يعكس أزمة أعمق من مجرد ضعف في الصياغة السياسية؛ إذ يكشف عن مأزق فكري واستراتيجي داخل الحركة نفسها.

ففتح التي قادت المشروع الوطني لعقود طويلة تبدو اليوم عاجزة عن إنتاج سردية جديدة تقنع الفلسطينيين، وعاجزة كذلك عن الانتقال من مرحلة إدارة السلطة إلى مرحلة إعادة بناء حركة تحرر وطني قادرة على التعامل مع واقع شديد القسوة والتعقيد.

ولعل أخطر ما في المؤتمر الثامن أنه لم يبعث رسالة أمل بقدر ما بعث رسالة استمرار للجمود. فالمؤتمر الذي كان يمكن أن يشكل فرصة لمراجعة شجاعة لتجربة أوسلو ولعلاقة الحركة بالسلطة ولطبيعة بنيتها التنظيمية، انتهى إلى إعادة إنتاج المعادلات ذاتها مع بعض التعديلات الشكلية.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: فبينما تتغير المنطقة والعالم بسرعة هائلة، تبدو فتح وكأنها تتحرك ببطء شديد داخل زمن سياسي قديم. فالحركات السياسية التي لا تمتلك القدرة على التجدد الحقيقي لا تنهار دفعة واحدة، بل تدخل تدريجيا في حالة من التآكل البطيء، حيث تستمر شكليا لكنها تفقد قدرتها على التأثير والإلهام وصناعة المستقبل.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية فتح التاريخية أو من حجمها داخل المجتمع الفلسطيني؛ فالحركة ما تزال تمتلك إرثا وطنيا ضخما وحضورا تنظيميا ومؤسساتيا واسعا، وما تزال تمثل بالنسبة لكثيرين العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني. لكن التاريخ وحده لا يكفي لضمان المستقبل، والشرعية الثورية القديمة لا تستطيع وحدها مواجهة تحديات الحاضر.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركات الوطنية ليس الهزيمة العسكرية فقط، بل فقدان القدرة على قراءة الواقع. وعندما تتحول اللغة السياسية إلى مجرد تكرار ميكانيكي لعبارات قديمة، يصبح الخطاب أشبه بطقس بيروقراطي يُقال لأنه اعتيد قوله، لا لأنه قادر على إنتاج أفق سياسي جديد.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد المؤتمر الثامن ليس من دخل اللجنة المركزية ومن خرج منها، بل ما إذا كانت فتح ما تزال قادرة على إعادة تعريف نفسها كمشروع تحرري وطني في عالم يتغير بسرعة مذهلة. وحتى الآن، تبدو الإجابة غير مطمئنة.

فالنتائج التي أفرزها المؤتمر لا تشير إلى تحول نوعي بقدر ما تشير إلى محاولة لإدارة الأزمة وتأجيل الانفجار الداخلي والسياسي. أما الخطاب السياسي الذي طرح، فقد بدا أقرب إلى الدفاع عن المسار القديم منه إلى البحث عن مسار جديد.

وبين إدارة الأزمة وتأجيل الأسئلة الكبرى، تستمر فتح في السير داخل المنطقة الرمادية نفسها؛ لا هي قادرة على استعادة مشروع التحرر الوطني بصيغته التاريخية، ولا هي نجحت في بناء نموذج دولة أو سلطة مستقرة وقادرة على الحياة. وهذا تحديدا ما يجعل المؤتمر الثامن محطة تعكس عمق المأزق أكثر مما تعكس بداية الخروج منه. 

 

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0