متابعة - شبكة قُدس: في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، تتكثف المؤشرات على مرحلة شديدة الحساسية في مسار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، حيث تتداخل الضغوط السياسية والعسكرية مع حسابات الاقتصاد والطاقة وإعادة تشكيل النفوذ في المنطقة.
وبينما تتبادل الأطراف رسائل مشروطة تتعلق بالبرنامج النووي والعقوبات والأصول المجمدة، يزداد المشهد غموضاً مع استمرار الحديث عن خيارات مفتوحة بين التصعيد العسكري والتسوية السياسية، في وقت تتحرك فيه قوى إقليمية لتثبيت أدوارها داخل هذا الاشتباك المعقد.
اليوم الأحد، كشفت وكالة فارس الإيرانية المقربة من الحرس الثوري، تفاصيل الرد الأمريكي على المقترحات الإيرانية في المفاوضات الجارية. وأشارت إلى أن واشنطن اشترطت خمسة شروط رئيسية للموافقة على أي اتفاق محتمل.
حيث تضمنت الشروط الأمريكية؛ عدم دفع أي غرامات أو تعويضات من قبل الولايات المتحدة، وتسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني إلى أمريكا، الإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط في إيران، و- عدم إعادة 25 بالمئة من الأصول الإيرانية المجمدة، وربط وقف الحرب في كل الجبهات ببدء المفاوضات فقط، دون أي التزام أمريكي مسبق بإنهاء العدوان.
واليوم قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن "عقارب الساعة تدق بالنسبة لإيران ويجدر بهم أن يتحركوا وبسرعة فائقة وإلا فلن يتبقى منهم شيء". وحذّر ترمب إيران من أنّها ستواجه "ضربة أشد قسوة بكثير" في حال لم تتقدم بعرض أفضل للتوصل إلى اتفاق، وفقا لموقع أكسيوس.
ومن المتوقع أن يعقد ترمب اجتماعا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض يوم الثلاثاء، بمشاركة كبار أعضاء فريقه للأمن القومي، لبحث خيارات التحرك العسكري تجاه إيران.
وقال الجيش الإيراني إن طهران سترد بأشد قوة إذا نفذ ترامب تهديداته لإيران، ملوّحا بضرب المصالح الأمريكية في المنطقة. وأكد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي أن أي هجوم أمريكي سيُواجَه برد قوي ومفاجئ، مع التلويح باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.
وأضاف شكارجي إن تكرار أي "حماقات" من جانب واشنطن لتعويض ما وصفه بفشلها في الحرب سيُقابَل برد أقوى، مشيرا إلى أن تنفيذ أي تهديد أمريكي سيعرّض مصالح الولايات المتحدة والقوات التابعة لها لسيناريوهات هجومية مفاجئة.
كما قال ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري إن المفاوضات تتم تحت إشراف كامل لكبار مسؤولينا وهي مشروطة بتأييد المرشد.
وفي هذا السياق، كثفت إيران اتصالاتها الإقليمية مع تركيا وباكستان، حيث بحث نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في إسطنبول “تطورات الأوضاع الإقليمية” وملفات “التنسيق الأمني والعلاقات الثنائية”، وفق مصادر دبلوماسية ووسائل إعلام تركية.
كما وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران في زيارة غير معلنة مسبقاً، حيث التقى نظيره الإيراني إسكندر مؤمني، وبحث معه ملفات التعاون الأمني والتجاري وضبط الحدود، بحسب ما أعلنته وسائل إعلام إيرانية ومسؤولون في الجانبين.
وقال مسؤولون إيرانيون، بحسب ما نقلته التصريحات الرسمية، إن طهران “تدعم الاستقرار الإقليمي وتثمّن التعاون الباكستاني”، مشددين على أهمية توسيع التبادل التجاري وتسهيل حركة البضائع عبر الحدود المشتركة.
وفي المقابل، نقلت وكالة “فارس” الإيرانية أن الاتفاقات مع باكستان تهدف إلى “تسهيل الترانزيت التجاري” وربما تقليل الاعتماد على بعض المسارات التقليدية عبر موانئ إقليمية، في إشارة إلى ترتيبات اقتصادية جديدة يجري العمل عليها.
وعلى الجانب الأمريكي، قالت السيناتورة الديمقراطية كريستين غيليبراند إن “سياسة الحرب المتهورة تجاه إيران” انعكست على الوضع المعيشي داخل الولايات المتحدة، معتبرة أن ارتفاع أسعار الوقود مرتبط مباشرة بالتوترات الجارية، وفق ما نقلته تصريحاتها في الإعلام الأمريكي.
وفي موازاة ذلك، رأى الأكاديمي الإسرائيلي إيال زيسر، في مقال نشرته صحيفة “إسرائيل اليوم”، أن السياسة الأمريكية تجاه إيران باتت محكومة بقرارات الرئيس دونالد ترامب، مشيراً إلى أن نمط صنع القرار في واشنطن يتسم بـ“التقلب وصعوبة التنبؤ”، ما يضع الحلفاء، وبينهم "إسرائيل"، في حالة ترقب مستمر. وذلك في الوقت الي لا تفارق فيه طائرات التزود بالوقود سماء فلسطين المحتلة.
وأضاف زيسر أن مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران لم يحقق اختراقاً حقيقياً، في ظل تمسك إيران بشروطها وغياب التنازلات الجوهرية، مقابل تذبذب أمريكي بين التصعيد والتفاوض، بحسب تحليله.
وطرح الكاتب ثلاثة سيناريوهات محتملة، تشمل استمرار الوضع القائم دون اتفاق أو حرب شاملة، أو تصعيداً عسكرياً واسعاً، أو انسحاباً أمريكياً تدريجياً من المواجهة مع إيران، مع احتمال التوجه إلى اتفاق يتضمن تنازلات متبادلة.
وفي سياق موازٍ، نقل المعلق العسكري الإسرائيلي ألون بن ديفيد أن احتمالات المواجهة العسكرية لا تزال قائمة، مرجحاً أن نافذة القرار العسكري أمام واشنطن “مفتوحة لفترة محدودة”، بحسب مقاله في صحيفة “معاريف”، مع الإشارة إلى أن أي تحرك محتمل مرتبط باعتبارات سياسية داخلية أمريكية.
وأشار بن ديفيد إلى أن التقييمات الإسرائيلية تفيد بأن القدرات النووية والصاروخية الإيرانية ما زالت قائمة، وأن طهران تحتفظ بهامش ردع يسمح لها بالمناورة، ما يجعل خيار المواجهة أو الحصار البحري أحد السيناريوهات المطروحة في دوائر القرار الأمريكية.
وفي هذا السياق، يرى محللون إسرائيليون أن غياب الحسم في الملف النووي الإيراني يعزز من حالة الاستنزاف السياسي بين الأطراف، ويُبقي المنطقة مفتوحة على احتمالات تصعيد أو تسوية مؤقتة دون حل نهائي.
وفي المقابل، يرى النائب المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي سيرجيو دي لابينا أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تميل إلى الحسم السريع وتجنب المسارات التفاوضية الطويلة، في حين يعتبر الباحث في القانون الدستوري سليم زخّور أن طهران تستفيد من عامل الوقت والضغوط الأمريكية الداخلية لدفع واشنطن نحو “اتفاق الحد الأدنى”، لكنه يحذر من أن استمرار الجمود قد يدفع الإدارة الأمريكية نحو خيارات أكثر تصعيداً. وبينما تتقاطع هذه التقديرات مع تحذيرات من دور إقليمي ضاغط لإسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، تبرز أزمة مضيق هرمز والملف النووي بوصفهما محورين رئيسيين في أي مواجهة محتملة أو تسوية مؤجلة، في ظل بقاء “الوقت” نفسه عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.



