شبكة قدس الإخبارية

​"فتح" من الثورة إلى البيروقراطية: رحلة الهندسة العكسية للمشروع الوطني

aM3Itz313R_1778978462
سعيد انجاص

 

​تمر حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" بمرحلة هي الأخطر في تاريخها؛ ليست مجرد أزمة قيادة عابرة، بل هي عملية "إعادة صياغة" بنيوية وفكرية شاملة. إن قراءة المسار الممتد من المؤتمر السادس وصولاً إلى الواقع الراهن، تكشف عن استراتيجية ممنهجة حولت الحركة من "قائدة للمشروع الوطني" إلى "تابعة لجهاز السلطة".

​هندسة التحول وثلاثية المؤتمرات

​شكلت المؤتمرات الحركية الثلاثة الأخيرة محطات "دقيقة" لنقل الحركة نحو مستقرها الحالي:

• ​المؤتمر السادس (2009): مثّل "الانعطافة الكبرى" بالإعلان الرسمي عن نهاية الكفاح المسلح كنهج وحيد، وبداية تآكل القاعدة الجماهيرية.

• ​المؤتمر السابع (2016): انتقل من هندسة البرنامج إلى "هندسة التركيبة"، حيث جرى إقصاء المعارضين وربط البقاء التنظيمي بالبقاء في السلطة.

• ​المؤتمر الثامن المزمع عقده : سيكون بمثابة "الهندسة العكسية"؛ حيث صُممت الحركة لتناسب مقاس السلطة والتزاماتها الدولية، ليتحول الكادر من ثائر متطوع إلى "موظف" في ماكينة البيروقراطية.

​سياسة "التجريف": تدمير المناعة التنظيمية

​لم يكن هذا التحول ليحدث لولا عملية "تجريف" منظمة استهدفت المناعة التنظيمية عبر مسارات ثلاثة:

1. ​التجريف المالي: ربط لقمة العيش بالولاء السياسي، وتحويل النضال إلى وظيفة منضبطة.

2. ​التجريف القانوني: استخدام اللوائح كأداة "فلترة" لاستبعاد كل صوت لا يتطابق مع "مقاس أوسلو".

3. ​التجريف بالإقصاء: تهميش الشخصيات ذات الثقل الشعبي التي قد تشكل نواة لتغيير حقيقي.

​واقع "الاغتراب والانسداد"

​أدت هذه السياسات إلى واقع تنظيمي مأزوم، يتسم بـ "الاغتراب التنظيمي" وفقدان القواعد الشابة للمنصة، مما يدفعها للاعتزال أو البحث عن بدائل نضالية عفوية. كما فقد التنظيم مرونته؛ فأصبح جسماً متصلباً مرتبطاً وجودياً بالسلطة، إن انهارت.. انهار معها.

​هل الثورة الداخلية ممكنة؟

​تصطدم فكرة "التغيير من الداخل" بعوائق صلبة؛ أبرزها تشابك المصالح المالية التي تجعل التغيير مكلفاً شخصياً، والقبضة الأمنية التي تملك أدوات القوة وتوصم أي حراك بـ "الخروج عن الشرعية".

تواجه "فتح" اليوم سؤالاً وجودياً عن المصير: فالتنظيم الذي يفقد وظيفته الأصلية (التحرير) ويتحول إلى أداة إدارية (السلطة)، يواجه خيارين: إما الذوبان التام واختفاؤه كحركة تحرر، أو الانفجار الداخلي عند اصطدام "هندسة السلطة" بالواقع الميداني المرير. التاريخ يخبرنا دوماً: الحركة التي لا تتجدد من داخلها، يجددها الواقع من خارجه وبالقوة.

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0