شبكة قدس الإخبارية

مأساة النزوح تتكرر 

مخيم الشاطئ.. دقائق الإخلاء التي انتهت بمربع سكني تحت الركام

photo_٢٠٢٦-٠٥-٠٩_٢١-٢١-٢٣
يحيى موسى

خاص - شبكة قُدس: اتصالٌ مفاجئ من جيش الاحتلال يطلب إخلاء المربع السكني الواقع بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة فورًا مساء الجمعة، كان فاصلا بين واقعين وصورتين للمكان. لم يكن هناك وقت للتفكير أو أخذ الأغراض الضرورية، حالة من الفوضى سادت، صراخ الأطفال والنساء، وركض بين أزقة المخيم الضيقة، الكل كان يحاول النجاة بأرواحهم، قبل سقوط صاروخ لم ينفجر ثم سقط صاروخ آخر أطلقته طائرات الاحتلال الحربية ليحدثا دمارا هائلا حول المربع السكني لكتلة من الركام والبيوت المتضررة.

نحو خمسة عشر منزلًا تضررت تعود لعائلات الأضم والفار أبو عبيد ومقداد، وسبع عائلات على الأقل وجدت نفسها فجأة بلا مأوى أو أمان، فيما كان يحاول الجميع التمسك بما بقي من بيوتهم وحياتهم تحت هذا الركام الثقيل.

عصر السبت كان محمد أبو عبيد يقف فوق الركام، يبحث بين الحجارة عن بعض الأشياء التي يمكنه انتشالها، يبحث عن أي أثرٍ للحياة التي كانت هنا قبل ساعات، وبجواره كانت أصوات المعاول واضحة، وأصوات كنس الحجارة من المنازل المتضررة، كان الردم يغلق الأزقة الضيقة التي كان السكان يتخطونها بصعوبة وهم يتسلقون بحذر الركام للوصول إلى منازلهم.

حياة تبدلت بدقائق

بصوتٍ وملامح متعبة، بدأ يروي لـ "شبكة قدس الإخبارية" كيف تبدلت حياتهم في دقائق قليلة: "كنا نعيش يومًا عاديًا في مخيم الشاطئ، حاولنا التكيف مع قسوة النزوح الأول بعد تدمير منزلنا السابق في شارع النفق. البيت الذي لجأنا إليه لم يكن مكتملًا، فهو بيت قديم بناه جدي من عمر اللجوء الأول وعندما سكن مخيم الشاطئ، كان مجرد "خرابة"، وكنا نحاول إصلاحه يومًا بعد آخر، نثبت ألواح الزينكو والشوادر لنصنع مكانًا يأوي العائلة ويمنح الأطفال شيئًا من الاستقرار بالرغم من الضيق إذ كان صغيرا وتسكنه ثلاث عائلات".

في لحظة دامية لم يستطع أبو عبيد إنقاذ أي شيء، فقط حمل زوجته وأخرج معه أبنائه الأربعة وخرجوا مسرعين إلى الشارع، تاركين خلفهم كل ما تبقى لهم من مقتنيات وذكريات.

بعد القصف، عادوا وهم يعتقدون أن الأضرار ربما تكون محدودة، أو أن المنزل ما زال قائمًا بشكلٍ ما، لكن الصدمة كانت أكبر مما توقعوا. لم يجدوا البيت، فقط أكوامًا من الركام المتداخل. في الظلام، لم يكن بالإمكان تمييز شيء؛ كل شيء كان فوق بعضه البعض، البيوت اختفت، والحي تبدلت ملامحه بالكامل.

يتحدث محمد عن شعور المطاردة المستمرة، فبعد رحلة نزوح طويلة من شارع النفق إلى مخيم الشاطئ، وجد نفسه يواجه الكارثة ذاتها مرةً أخرى. أكثر من عشرين منزلًا دمرت، وعشرات العائلات أصبحت بلا مأوى. يقول بنبرة مليئة بالحزن والقهر: "فقدنا آخر مأوى لنا وآخر ما تبقى لنا من مستلزمات. بات همنا الآن البحث عن خيمة جديدة تحمينا من التشرد".

على ناحية أخرى كان محمد محمود مقداد يقف  أمام منزل عائلته المتصدع، يشير بيده إلى الجدران المائلة التي باتت مهددة بالانهيار في أي لحظة. كان صوته مرهقًا ومختنقًا بالغبار، بينما يحاول استعادة تفاصيل الليلة التي تبدلت فيها حياة عشرات العائلات خلال دقائق.

يقول لـ "شبكة قدس الإخبارية" فيما يقف داخل ممر استطاع أبناء العائلة انتشال بعض خزانات المياه الممزقة وبعض الملابس والخيام الناجية: "كان الأطفال نائمين بسلام، وكذلك بقية السكان، قبل أن تبدأ حالة الهلع فجأة. بعد وقت قصير من العشاء، دوى القصف في المنطقة، وتحول المربع السكني إلى مشهد من الفوضى والصراخ. خرج الناس مذعورين يحملون أبناءهم، كانوا خائفين ويركضون دون أن يعرفوا إلى أين يذهبون".

المنزل الذي كان يؤوي عائلتين لم يعد صالحًا للسكن. يشير إلى جهة خلفية من الحي ويقول إن الضربة جاءت من هناك، وإن الخطر ما زال قائمًا بسبب ميلان البناء واحتمال انهياره الكامل. ورغم عودتهم بعد القصف لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لم يجدوا سوى الركام وبعض الأغراض القليلة التي استطاعوا إخراجها من تحت الأنقاض.

أما البيت الذي باتت جدرانه مفتوحة، وأعمدته المهشمة تقف عاجزة عن حمل أسقف المنزل، فيواجه خطر الانهيار المفاجئ ما يشكل خطرا يداهم حياة السكان.

بحسرة يتحدث مقداد عن لحظة الخروج، حين اضطروا للهرب دون أن يحملوا شيئًا معهم: "لا ملابس، لا أغطية، ولا حتى حاجيات الأطفال.  أصعب ما في الأمر أن تركض تحت الخوف محاولًا النجاة بعائلتك، ثم تعود لتكتشف أن البيت الذي أفنيت عمرك في بنائه اختفى في لحظة".

ويضيف أن الدمار لم يقتصر على منزل واحد، بل طال نحو خمسة عشر بيتًا في المنطقة، حتى بات من المستحيل إيجاد مساحة لنصب خيمة أو مأوى مؤقت. المنزل الذي بناه عام 2000، بعد سنوات طويلة من العمل داخل الأراضي المحتلة، تحول خلال ثوانٍ إلى كومة من الحجارة والغبار.

ويصف محمد مشهد النزوح تلك الليلة بأنه أشبه بـ"يوم القيامة"، حيث خرج الناس تاركين وراءهم كل ما يملكون، يركضون في الظلام بحثًا عن النجاة، فيما كانت البيوت تتهاوى والحي يفقد ملامحه أمام أعين سكانه.

دمار واسع

في مشهد آخر يكشف الدمار من الأعلى كان رمضان الفار يقف على حافة الطابق الثاني من منزله المتضرر والمكون من ثلاثة طوابق، يتفقد بحذر الأعمدة المتشققة والأجزاء المهددة بالسقوط. كانت واجهة البيت مفتوحة بالكامل، حيث أدى القصف إلى تدمير الجدار الأمامي وترك الغرف مكشوفة.

 أمامه امتدت صورة ثقيلة للدمار؛ نحو سبعة منازل مدمرة بشكل شبه كامل، والركام المتداخل أغلق المداخل الضيقة للمربع السكني، فيما مالت بعض البيوت فوق بعضها البعض حتى بدا الحي كأنه ينهار على نفسه.

يروي الفار لـ "شبكة قدس الإخبارية" وهو يعيش لحظات القصف مرة أخرى: "الأجواء كانت هادئة قبل القصف، والناس يحاولون قضاء يومهم بشكل طبيعي، إلى أن جاء إنذار الإخلاء المفاجئ. الجميع كان خائفا، وبدأ الأطفال بالبكاء والصراخ من شدة الرعب. الآباء حملوا أبناءهم ونزلوا بهم سريعًا إلى الشارع، محاولين إيجاد مكان أكثر أمانًا. وبعد نحو ثلث ساعة فقط، دوى القصف بعنف، وتحول الهدوء إلى دمار شامل".

يشير إلى البيوت المحيطة لافتا إلى أن عددا منها تعرض لأضرار بالغة، بعضها تحطم بالكامل، وأخرى أصبحت غير صالحة للسكن. أما منزله، المؤلف من ثلاث طبقات، فقد أصيب بأضرار كبيرة؛ الأجزاء الأمامية من بيت والده هبطت إلى الأسفل، والأعمدة تكسرت، بينما تعرض الطابق العلوي الذي يسكن فيه لأضرار طالت النوافذ والأبواب والأثاث لكن تحته يكمن الخطر بوجود عدد من الأعمدة مكسورة.

ورغم هول المشهد، كان الفار وأبناء أشقائه يحاولون إزالة الركام، مؤمنًا أن "الحياة لا تتوقف". ويؤكد بنبرة إصرار "إننا  مضطرون للبدء من جديد مهما كان الثمن، فليس أمامي سوى ترميم ما يمكن ترميمه، ونصب الشوادر فوق ما تبقى من البيت، على أمل أن يعودوا للاستقرار مرة أخرى".

وبينما كان ينظر إلى بيوت الجيران المتشققة والمكشوفة من الداخل، بدا غير قادر على استيعاب حجم ما حدث. معلق وسط ملامح ذهول ترسمها عيناه: "القصف وقع في مربع سكني ضيق، بعيد عن الشوارع الواسعة، الدمار الذي خلّفه كان هائلًا وغير مفهوم بالنسبة للسكان".

 

 

#غزة #قطاع غزة #جيش الاحتلال #قصف #دمار #نزوح #حرب الإبادة
google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0