غزة - شبكة قدس: عند موقف لمركبات الأجرة، أصوات عالية، وشجار كاد يصل حد الاشتباك بالأيدي، والسبب انقطاع الإنترنت في المنطقة، فما العلاقة؟، كل ما في الأمر أن الركاب اتفقوا مع السائقين على دفع قيمة المواصلات إلكترونيا، وعند الوصول لمكان نزولهم ظهرت المشكلة، عدد قليل من الركاب كانوا يملكون عملة معدنية، دفعوها ومضوا، أما البقية فدفعوا عملات ورقية لا يملك السائقون ما يكفي لإعادة الباقي، فكيف سيدفع الراكب؟ وكيف سيضمن السائق أن الراكب سيحول المال لاحقا؟ الراكب يريد أن يمضي في طريقه، والسائق يحاول منعه حتى يدفع، كل طرف يرى نفسه محقًّا فيستمر بالشجار حتى عاد اتصال الإنترنت وحُلَّت المشكلة.
السبب في كل هذا أزمة "الفكّة"، ففي زمن الحرب، أصبحت العملة المعدنية في قطاع غزة "عملة نادرة" بالمعنى الحرفي للكلمة، نقصت بالقدر الذي جعل غيابها أزمة حقيقية، وحتى الآن لم تكن أي من الحلول بديلا، ولم تمنع الأزمة من المساس بحياة الناس في أبسط تفاصيلها وفي الأساسيات.
رغم زيادة القبول بالدفع الإلكتروني، إلا أنه لم يحلّ أزمة "الفكّة"، خاصة أنه غير مقبول في بعض الأساسيات، مثل الخبز والمياه والمواصلات، لذا يبذل المواطنون جهدا في إيجاد بدائل، مثل "كوبون الدفع"، أوراق مطبوعة بقيم تماثل العملات المعدنية، 2 و5 و10 شواقل، يشتريها الناس بحوالة بنكية ويستخدمونها في الشراء أو دفع قيمة المواصلات.
مضطر للمخاطرة
منذ ظهور أزمة العملة المعدنية، يعاني أحمد عاصي، وهو سائق سيارة أجرة، في تحصيل مستحقاته من الركاب، في البداية كان بعض الناس يفاجئونه بدفع عملات ورقية بينما لا يملك ما يكفي ليعطيهم باقي الحساب، فيضطر للتخلي عن ماله، حتى صار يسأل الشخص قبل ركوب السيارة إن كان يملك "فكّة".
يقول: "مع دخول الدفع الإلكتروني لنطاق سيارات الأجرة، تغيّر شكل المعاناة، صرنا نسأل الركاب إن كانوا يملكون إنترنت للتحويل من داخل السيارة، بعضهم يحوّل المبلغ فورا، وآخرون يمنعهم ضعف الإنترنت فيدفعون عند حصولهم على اتصال، وفئة أخرى تأكل حقّ السائق، يدعي الواحد منهم أنه سيرسل المبلغ فور وصوله أو يتصل بشخص آخر ليوهمني أنه سيدفع لي حيث يملك إنترنت، لكنه لا يكون صادقا في ذلك".
ويضيف: "السائق مضطر للمخاطرة في ماله، وإلا فإنه لن يعمل، الأزمة تطال الجميع، قلة قليلة من الناس تدفع نقدا بعملة معدنية".
أصعب ما يمر به عاصي، التعامل مع كبار السن، يوضح: "الفكة ليست متاحة دوما مع الناس، وأغلب الكبار لا يستخدمون المحافظ المالية الإلكترونية، لذا لا أستطيع أن أسأل مسنا عن آلية الدفع قبل الركوب، أشعر بالحرج وتأنيب الضمير، أوصله دون شروط، فإن أعطاني نقدا أو بتحويل إلكتروني كان بها، وإن لم يفعل أسامحه".
ويؤكد: "هذه المشكلة لا تواجه السائقين وحدهم، كل من يبيع أشياء بأسعار بسيطة يعاني ويغامر ويفقد جزءا من ماله بهذه الطريقة، فشراء قطعة حلوى بشيقل واحد يحتاج اتصال إنترنت وحسابا بنكيا أو محفظة إلكترونية".
حتى مصروف الأطفال
يتقاضى هشام عطا الله راتبه عبر حسابه البنكي، كان سابقا يخسر مبلغا كبيرا للحصول على سيولة نقدية، وبعد انتشار فكرة الدفع الإلكتروني قلّت خسائره، لكنها لم تكن حلّا كافيا لمشكلة "الفكّة".
يقول: "نقص العملة المعدنية يعيق شراء الكثير من الاحتياجات، وأغلبها من الأساسيات، مثل الخبز والمياه، أحيانا أدفع نقدا لاقتناء أغراض يمكن شراؤها بحوالة بنكية، أفعل ذلك مضطرا لأشتري الضروريات، فهل أترك أسرتي بلا خبز أو مياه؟".
ويضيف: "المواصلات تمثل أزمة حقيقية تشغل تفكيري، مكان عملي بعيد، وأحتاج للتنقل بين عدة أماكن لشراء احتياجات البيت، أحيانا أجد سيارة أجرة لكن السائق يرفض نقلي لعدم وجود عملة معدنية معي، أصبحت ألغي بعض المشاوير المهمة وأفكر كثيرا قبل الاتفاق على موعد ما".
يرى عطا الله أن الدفع الإلكتروني خفف الأزمة، لكنه ليس خيارا متاحا دوما بسبب الإنترنت، مبينا: "أحيانا أمتنع عن شراء أشياء أحتاجها لعدم قدرتي على انتظار إتمام خطوات التحويل، إما لعدم وجود الوقت أو لضعف الإنترنت".
ويشير إلى أن من أكثر ما يزعجه عدم قدرته على إعطاء أطفاله مصروفهم اليومي نقدا، موضحا: "إمساك الطفل مصروفه بيده له وقع أجمل ويصنع ذكريات لطيفة، وهذا ما لا يحصل الآن".
التفاصيل اليومية
من جانبه، يقول المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمرظ، إن النقص في العملة المعدنية يزيد عن 60% ما يمثّل أزمة خانقة تؤثر على كل مناحي الحياة خاصة العمليات التجارية البسيطة وأمور ذات علاقة بالتفاصيل اليومية مثل الخبز والمياه والمواصلات.
ويضيف عن أسباب الأزمة: "يتخذ الاحتلال إجراءات متعمدة، إذ يمنع إدخال السيولة للقطاع منذ بدء الحرب، وخلال هذه المدة تعرضت الأوراق النقدية للتلف، وفقد الناس الثقة بفئة 10 شيقل، فاتجه الناس نحو العملة النقدية من الفئات الأخرى".
ويتابع: "لا بديل مجدي عن العملة المعدنية، الدفع الإلكتروني يقلل الأزمة لكنه لا يحل محل العملة النقدية في تسهيل الحياة اليومية".
ويوضح أبو قمر: "يحاول المواطنون إيجاد حلول لتسيير حياتهم، من ذلك كوبونات الدفع في بعض البقالات وسيارات الأجرة، لكنها حلول فيها مخاطرة كبيرة ما لم يكن لها مرجعية موثوقة مثل سلطة النقد أو أحد البنوك".
ويبين: "هذه الأفكار جيدة، لكن الخلل في آلية التنفيذ الحالية، فماذا لو قرر شخص أن يستخدم الفكرة للنصب بأن يبيع كوبونات بمبالغ كبيرة ثم يأخذ المال؟، هذه ستكون ضربة كبيرة للاقتصاد في القطاع الذي لا يحتمل ضربات أكثر".
ويرى أن "تخفيف القيود على المحافظ الإلكترونية والحسابات البنكية من شأنه أن يساهم في تخفيف الأزمة، فإن أرادت الجهات المصرفية أن تؤدي دورها في الحل عليها أن توسّع نطاق الدفع وترفع الحد الأقصى للحوالات".



