شبكة قدس الإخبارية

وقف إطلاق النار من جانب واحد

غزة-26-11
مصطفى البرغوثي

بالنسبة إلى حكومة جرائم الحرب الإسرائيلية، كل اتفاقٍ لوقف إطلاق النار ينطبق فقط على الطرف المقابل. ... التزم حزب الله عشرة شهور بالاتفاق وخرقته إسرائيل عشرة آلاف مرّة، حتى بدأ العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران وانفجرت الحرب مجدّداً. وبعد إعلان وقف إطلاق النار الجديد، واصلت إسرائيل احتلالها وتدميرها وقصفها مئات القرى والبلدات والمدن اللبنانية، وتتواقح بالاحتجاج على أن اللبنانيين يردون على اعتداءاتها بالدفاع عن النفس.

وفي قطاع غزّة، لم يعنِ اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أميركية توقف إسرائيل عن القصف، رغم التزام دقيق به من الجانب الفلسطيني. ومنذ إعلان الاتفاق في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، خرقته إسرائيل أكثر من 2300 مرّة، وأودت بحياة ما يزيد على 820 شهيداً فلسطينياً، وجرحت أكثر من 2280. وخلال ما يسمّى "وقف اطلاق النار" واصلت إسرائيل قصف القطاع بالطائرات والمسيّرات والمدفعية وقذائف الدبابات. وعملت على توسيع المنطقة التي تحتلها، ويسمّونها "المنطقة الصفراء"، التي تتجاوز مساحتها 55% من القطاع، بل استمرّت في هدم كل بناء قائم في تلك المنطقة، منزلاً كان أو مسجداً أو عيادة طبية أو مدرسة أو روضة أطفال. ولم نسمع من الإدارة الأميركية راعية الاتفاق احتجاجاً واحداً على ما تقوم به إسرائيل، بل واصلت إدارة ترامب الصمت عن تسليح إسرائيل خمس مجموعات من العملاء ذوي السوابق الإجرامية، واستمرّت في مطالبتها بنزع ما تبقى من سلاح خفيف بيد الفصائل الفلسطينية، من دون أن تطالب إسرائيل بوقف إطلاق النار أو الانسحاب من قطاع غزّة، أو إنهاء وجود عصابات العملاء.

ولا تسلم الضفة الغربية من اعتداءات لا تتوقف، التي تُسلب أراضيها كل يوم، وتدمر منازلها وبيوتها على يد عصابات الإرهاب الاستيطانية، وجديد جرائمها ارتكاب مجزرة ضد مدرسة للأطفال في المغير، بحماية جيش الاحتلال ومشاركته. وقد وصل عدد شهداء الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر (2023) إلى 1150، وتجاوز عدد الجرحى 11 ألفاً، فيما يتعرّض الأسرى الفلسطينيون للقمع الوحشي والتجويع والتعذيب، وفي بعض الحالات للاغتصاب، وحرمانهم العلاج الطبي، ما أودى بحياة 91 أسيراً فلسطينياً في تلك الفترة وحدها.

ما هو وقف إطلاق النار إن لم يكن يعني وقفه من الجانبين؟ وماذا يعني إن لم يشمل وقف الاعتداءات والنهب والقمع والتنكيل؟... منطق حكام إسرائيل المدعوم من حلفائهم أن وقف إطلاق النار ينطبق على الفلسطينيين واللبنانيين، فيما تستمر إسرائيل بالبطش بهم وبحقوقهم، وتستمر باحتلال أراضيهم وسلبهم حقّ تقرير المصير. وهذا المنطق، بكلماتٍ أخرى، محاولة لسلب الفلسطينيين واللبنانيين أي حق في المقاومة، ومحاولة لإلغاء حقهم في مقاومة الظلم والعدوان مهما بلغت شدته.

وتحاول إسرائيل فرض المنطق الإمبريالي نفسه على كل دول المنطقة، وذلك يشمل جميع الدول العربية وتركيا وليس إيران فقط. ... منطق يذكرنا بسلوك الاستعمارين، البريطاني والفرنسي، عندما كان المقاومون يُعدمون شنقاً أو بالرصاص، لأنهم كانوا يطالبون بحرية شعوبهم ويناضلون لتحقيقها.

يمكن أن يقتل جيش الاحتلال آلاف الفلسطينيين واللبنانيين، كما جرى، لكنهم يصابون بالجنون عندما يُقتل إسرائيلي واحد، ويجعلون هذا مبرّراً لارتكاب أبشع المجازر. وإذا جرى التمعّن في جذر هذا الفكر، سيُكتشف أنه امتداد للفكر العنصري الأصولي الذي يصل إلى حدود الفاشية في نفيه واحتقاره للآخرين ولحقهم في الحياة. وجذر هذا المنطق هو أيضاً افتراض أن الطرف المقابل مهزوم وقابل بالهزيمة، وقابل بالتالي للاستسلام والتخلي عن حقوقه المشروعة، بما في هذا حقه في مقاومة الظلم.

لا يخلو الأمر بالطبع من وجود يائسين ومحبطين ومهزومين داخلياً، يحاولون تبرير انهزاميّتهم بلوم الضحية وتحميلها مسؤولية الجرائم التي ترتكب ضد شعبهم. ولكن الجوهري، الذي لا يفهمه حكام إسرائيل، أن الشعوب رافضة للهزيمة والاستسلام، ومتمسكة بحقوقها الحالية والتاريخية. ولذلك، أكثر من مائة عام من المؤامرات والقتل والنهب لم تكسر إصرار الشعب الفلسطيني على مواصلة النضال من أجل حقّه في الحرية والحقوق الإنسانية. ولم يؤدّ الاحتلال المتكرّر للأراضي اللبنانية إلا إلى إذكاء نضال الشعب اللبناني ومقاومته التي تنتقل من شكل إلى آخر، وجوهرها واحد، رفض الظلم والتمسّك بالحقوق. لا بل إن ما لا يفهمه المحتلون سر تحوّل قضية فلسطين لتصبح عنواناً للنضال الإنساني في كل العالم. وإلا فكيف نفسّر اندفاع الآلاف من كل انحاء المعمورة من أطباء وفنانين ومثقفين ونشطاء وبرلمانيين للمشاركة في أسطول دعم الصمود وكسر الحصار على غزة، من دون أن يعبأوا بالمخاطر التي تتهددهم.

زرتُ قبل أيام لأداء واجب العزاء جدّ الطفل الشهيد أوس النعسان، وعائلة الشهيد جهاد أبو نعيم في بلدة المغير الصامدة في وجه اعتداءات يومية. خدم والد جهاد قريته بإخلاص في المجلس القروي، وعملت والدته ممرّضة سنوات في عيادة الإغاثة الطبية، كذلك فإن شقيقته أيضاً درست التمريض، وكلتاهما كانت دائماً في المقدّمة في علاج الجرحى والمصابين وتخفيف آلام المرضى. ولم يفعل الشهيد جهاد شيئاً سوى أنه حاول إنقاذ حياة أطفال في مدرسة كانت تتعرّض لإطلاق النار من مستوطن إرهابي إسرائيلي. ... وجدّ الطفل الشهيد أوس فقد ابنه والد أوس قبل سبع سنوات، عندما استشهد برصاص جيش الاحتلال، والجد هو الذي ربى الطفل أوس ابن الـ14 عاماً بعد استشهاد والده، وجهاد أيضاً زوج ابنته. شيخ جليل فقد ابنه، وابن ابنه، وزوج ابنته، وصادر المستوطنون أرضه واقتلعوا، كما قال لي، مئات أشجار الزيتون فيها، وتحمّل الألم بصبر ولم أسمع منه كلمة شكوى أو تذمر، بل فقط كلمات تنمّ عن الإصرار والعزيمة والفخر. رغم مرضه، يؤكّد أنه سيواصل تربية باقي أبناء ابنه الشهيد وبناته ورعايتهم. في عينيه مثل عيني والد جهاد ووالدته، كان الحزن العميق مغلفاً بمظهر يصعب وصفه من الصمود والصلابة الشجاعة.

هذا ما لم يفهمه ولن يفهمه المحتلون الغارقون في أوهامهم التي لن تتحقق أبداً، لأن أصحاب الحق الشرفاء لا يستسلمون.

 

google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0