شبكة قدس الإخبارية

هندسة الانتخابات المحلية: إعادة إنتاج السلطة في زمن الإبادة

250426_Deir_al-Balah_ِAI_00(7).JPG
أحمد الطناني

تنظَّم الانتخابات المحلية في الأراضي الفلسطينية هذا العام وفق واقعٍ مشوَّه، شكّلت الإبادة حدثه الأبرز، مترافقةً مع تصاعد غير مسبوق في الإجراءات العدوانية للاحتلال الإسرائيلي، وحالتين دوليتين: الأولى تمثلها الولايات المتحدة المنحازة للاحتلال الإسرائيلي، والتي حملت على عاتقها كسر دوائر العزلة التي فرضتها حملات التضامن مع الشعب الفلسطيني، والثانية ترجمة هذا التضامن الذي تحوّل إلى موجة اعترافات دولية بالدولة الفلسطينية.

على مستوى النظام السياسي الفلسطيني، فإن هذا النظام، الذي يعتريه الكثير من الإخلالات والنواقص، بات عرضة للتفكيك عبر الآلة العدوانية الإسرائيلية بشكل مباشر، وعبر الخطوات الأمريكية التي تتجاوزه بفرض تشكيلات جديدة، أفضى إليها اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والسعي إلى تدويل الحكم في القطاع.

في ظل هذا الواقع المعقد، وجد الفريق الرئيسي في المؤسسات الرسمية الفلسطينية، منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، مواقعهم، كما أجسامهم التمثيلية المذكورة سلفًا، معرضةً لخطر التفكيك والانهيار، ما دفع إلى البحث عن أشكال دفاعية ترمم الشرعية، وتفي بالالتزامات التي قدمتها لجهات دولية ضامنة.

لم تحظَ الانتخابات المحلية في الأراضي الفلسطينية بحقها في النقاش ضمن الحيز العام، وعلى مستوى العاملين في الشأن السياسي الفلسطيني، سواء كفاعلين سياسيين مباشرين، أو مراقبين ومتابعين ومحللين. في أي سياق تم تنظيم هذه الانتخابات؟ ولأي حسابات جرى تمريرها بهذا الشكل؟ وأي نتائج مرجوة يبحث عنها الطرف السياسي المُقرِّر؟

جرت الانتخابات في ظل واقع الإبادة الذي ما زال قائمًا، والذي لا يمكن عده محصورًا في قطاع غزة فقط، حيث تعمل حكومة الحسم الصهيونية على أنساق من الإبادة تحت عنوان حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني، سواء بشكل عدواني واضح وصارخ في قطاع غزة، أو عبر التوسع الاستيطاني، وانفلات عصابات المستوطنين، والحيز العام المتاح للفلسطينيين المحاصر بالحواجز في الضفة الغربية.

في هذا الواقع، تجد قيادة السلطة الفلسطينية نفسها مطالبة باتخاذ إجراءات يمكن لها أن ترمم فيها شيئًا من الشرعية السياسية، وإظهار التزامها باشتراطات "الإصلاح" التي تتابعها وتشارك في صياغتها فرنسا ودول إقليمية بشكل مباشر، مع آمال بأن تتلاءم مع المطالب الأمريكية لتأكيد صلاحية السلطة للعمل في المرحلة القادمة. 

وبالطبع، لأن القيادة ذاتها لا تريد المخاطرة من جديد بأن تكون نتائج هذه الانتخابات (حتى وإن كانت على مستوى المجالس المحلية) تعكس مزاجًا سياسيًا مختلفًا قد يجلب غضبًا دوليًا، أو يُضعف شرعيتها المتهالكة، فقد عمدت إلى إعادة هندستها مسبقًا عبر التعديلات على شروط الترشح التي ضمنت استبعاد مرشحي المعارضة، ما جعلها انتخابات مهندسة مسبقًا.

إذ يشكّل التعديل على قانون الانتخابات المحلية الإطار الذي سبق العملية الانتخابية وحدّد ملامحها. فبموجب القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025، فُرض على المرشحين تقديم إقرار بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية، ما أضفى بعدًا سياسيًا مباشرًا على عملية يُفترض أنها محلية وخدمية.

وقد شكّل هذا الشرط محور الطعن الدستوري رقم (3/2026)، الذي تقدّمت به مجموعة "محامون من أجل العدالة" أمام المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 22 شباط/فبراير 2026، مستهدفًا النصوص التي تجعل هذا الإقرار جزءًا إلزاميًا من إجراءات تسجيل المرشحين، بما يشمل مواد الترشح والنماذج المعتمدة لدى لجنة الانتخابات.

في دير البلح، تبدو المعادلة أكثر تقدمًا؛ فبالرغم من حرص قيادة السلطة، على مدار سنوات الانقسام، على العزوف عن الدفع الجدي لإجراء الانتخابات المحلية في قطاع غزة، والاستراحة بكون حركة حماس تُسيطر على القطاع، ما يجعل كل الإجراءات القانونية في القطاع غير شرعية من وجهة نظر قيادة السلطة في رام الله، فإن كل هذه الموانع، مضافًا إليها واقع الإبادة، ومسخ التركيبة الجغرافية والديمغرافية في القطاع، لم تُشكّل عقبةً لا يمكن تجاوزها لتنظيم الانتخابات في مجلس محلي واحد، وهو دير البلح، وسط تساؤلات حول الهدف.

موقف القوى الوطنية والإسلامية في القطاع جاء مجاملًا، واكتفت بالحديث عن وجود "العديد من التحفظات القانونية والإجرائية"، والإعلان عن دعم الانتخابات حتى لا يُفهم موقفها بالرافض أو المعطل أو المشكك. إلا أن الواقع أن الحرص على تنظيم الانتخابات، ولو في موقع واحد في دير البلح، مرتبط بحرص السلطة على وضع مسمار جحا يمتلك "شرعية انتخابية" في القطاع، مقابل لجنة التكنوقراط التي لا تمتلك شرعية انتخابية ولا غطاء وطني. وهو سلوك، وإن كان يعكس تكتيكًا سياسيًا في ظاهره صحيًا للحفاظ على المرجعية السياسية الرئيسية باعتبارها الأساس وضمن نسق موحد، فإن هذا الهدف كان يمكن تحقيقه عبر سبل أنجع، وهي الذهاب إلى ترميم الشرعية الفلسطينية بأسرها بشكل وطني وتكاملي.

موقف القوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة، قد حمل أيضًا محذورًا خطيرًا، أردفته القوى في بيانها بالقول: "إنها امتنعت عن الترشح للانتخابات البلدية بدير البلح عن وعيّ وقصد، رغبةً منها في إتاحة الفرصة للتنافس المجتمعي وتخفيف المعاناة عن شعبنا وإحداث اختراق في الأزمات المطبقة التي يعيشها قطاع غزة الحبيب"، وفي هذه اللغة قبول بمنطق إزاحة البنية المنظمة عن المشاركة السياسية الرسمية والخدماتية، ومحاولة إخراجها من الالتزام بجزء أساسي من مهامها تجاه شعبها. وهنا يمكن القول، أن الانحناء للموجة شيء، والإقرار بمضامين هذه الموجة شيء آخر، وكان يفترض تجنب القبول به، وكأن مشاركة القوى ستشكّل عقبة أمام تخفيف المعاناة عن شعبنا.

الواقع كان يقول إن هذه الانتخابات يُفترض أن يجري نقدها بشكل واضح وحقيقي، ولاذع أيضًا، لتشخيص الهدف منها، الذي يبتعد عن أي حديث عن التداول السلمي للسلطة أو إحلال أجواء من الديمقراطية، ويعكس في جوهره حرص الفريق المسيطر على مقاليد الحكم على تعزيز سيطرته على هذه السلطة المنهكة والمتهالكة، بعيدًا عن المسار الحقيقي لترميم الشرعيات، الذي يبدأ من الوحدة الوطنية الحقيقية، وإطلاق مسار ديمقراطي جدي وفاعل، بعيدًا عن الهندسة المسبقة لشروط الترشح، التي تمهد للهندسة المسبقة لنتائج الانتخابات.

القوى الوطنية والإسلامية، وكذلك المجتمع المدني، تجنبوا الدخول في مسار ناقد حقيقي ضد الانتخابات، كما ساد ذات التجنب في نقد الإجراءات التي تقدمها السلطة والقيادة الرسمية باعتبارها "إصلاحية"، رغبةً في تلافي الخوض في مساحة اختلاف علني في ظل واقع الإبادة، والتركيز على تعزيز الخطاب الوحدوي. إلا أن هذا الحذر سيُفضي إلى نتائج سلبية مستقبلًا، تعزز من سيطرة الأطراف المهيمنة، وتكرّس لديها شعورًا بالحصانة الدائمة ارتباطًا بالهيمنة المستمرة على المؤسسة الرسمية الفلسطينية.

#الانتخابات المحلية #الانتخابات البلدية
google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0