شبكة قدس الإخبارية

حرب وسلام ترامب.. صدفة أم سياسة؟!

epa_69e7f0435206-1776808003
محمد القيق

يستمر دونالد ترامب في سياسته القائمة على تغطية كل ما يتم في الميدان من قتل وإبادة جماعية وتجويع واعتداء على دول وتدمير بنى تحتية واغتيالات وإضرار بالمضائق المائية وسلاسل الإمداد؛ بالحديث عن السلام وهدنة تتلوها هدنة، دون الذهاب مباشرة لحقيقة المشهد.

خلق مشكلة ثم تجييش الكل لحلها هي المعادلة التي يحسب على إيقاعها ترامب ثروته الاقتصادية وانتقامه من خصومه في الداخل الأمريكي وكذلك في تعزيز ردعٍ أو جلب ترهيبٍ لمنطقة أو دولة أو مساحة جغرافية، ولكنها ليست سياسة فردية ليقال إن ترامب قائم عليها، بل إنها عقيدة مركزة لها أهداف وشخوص ولديها أجندة إضعاف لدول وإنشاء أخرى وتغيير في خرائط وبناء تحالفات.

ما زالت سياسة "السلام على الطاولة والحرب في الميدان" قائمة، وهي أخطر من حالة السلم أو حالة الحرب.

ورقة رابحة

هذه الحالة باتت مستخدمة من قبل الأمريكي لترويض علاقات إسرائيل مع أطراف إقليمية من مدخل وقف إطلاق النار وفتح الطريق لذلك تمهيدا لاستبدالهم بعد أن يصنعوا معادلة جديدة.

يصر الأمريكي على أن يبقى مهندس إيقاع التوتر وتوجيه الأحداث في المنطقة بما يخدم أحادية القطبية لمنع عالم متعدد الأقطاب، وحتى يبقى العالم بحاجته يجب أن يخلق صراعات هو مالك لمفتاح حلها أو على الأقل مستفيد من مجرياتها لردع هنا أو رسالة هناك.

وهذه الطريقة في المنطقة لن تجلب سلاماً لهذه الشعوب بل توهم العالم بأن "هناك سلاما وأن من هذه الدول من يسعى له ولكن إرهاب الشعوب الكارهة لإسرائيل ولهذه الحكومات لا يريد تطبيقه"، هكذا يُراد أن يصور المشهد بأن شعوبا ومقاومة تسعى للفوضى في وجه عالم منظم وديمقراطي يحاول استصلاح بعض الشخصيات والأحزاب من غابة العرب والمسلمين!

تسارعت هذه السياسة وباتت مستخدمة بشكل مركزي في فلسطين بتعزيز انقسام فصائلي وجغرافي بعد اقتطاع الأراضي المحتلة عام 1948 ثم القدس ثم تمزيق الضفة وتدمير غزة، ويعزز الأمريكي أن هناك سلطة تريد سلاما تقودها حركة فتح قي الضفة الغربية وهناك سلطة تريد حربا تقودها حماس في غزة، بينما الواقع المفروض على الجانبين هو قتل واستيطان وتمزيق للهوية والسيادة وتجويع وتدمير، وهذا هو الميدان، بينما على الطاولة تجد فقط ما يريده الأمريكي: سلام وهدنة وتصنيف للناس، والحقيقة أنه يتعامل مع جغرافيا فلسطين على قياساته وليس استجابة لسلام ليعطي إنجازا سياسيا مثلا للسلطة التي يتغنى أنها تريد السلام، وهكذا المسرحية التي تغذى بفتنة ومواجهة داخلية وتشتيت.

والآن في لبنان من باب النار والدم ومن خلال القوة يسعى ترامب لفتح نافذة سلام باستخدام الورقة الداخلية اللبنانية والصراعات والطائفية، والغريب أن الإعلام يتحدث عن السلام ومحادثات، وهذا مقصود وبعناية، بينما في الميدان احتلال أوسع وتدمير وسحق للسيادة ويغطى على ذلك بنفس السياسة.

وهناك في سوريا إضعاف للدولة والجيش وتسليح للمليشيات في السويداء والشرق وحديث عن جولات محادثات بينما الدبابات تغوص أكثر وتستولي لدرجة أن جماعات استيطانية نشطت هناك بعد لبنان، وحينما يتحدث الأمريكي يتغنى بسلام وحقبة جديدة ولا يذكر الميدان وممارسات إسرائيل.

الثوابت

تغيرات منهجية الثوابت الوطنية العربية ببرمجة عصبية تارة وبسياسة ردع تارة أخرى وبمناكفات حزبية واستقواء خارجي تارة ثالثة تشتتت بسببها الجهود وتناثرت الأفكار وهُدرت الثروات.

وبات بجوار حقل الغاز جندي أمريكي وآخر إسرائيلي وبرميل نفط بجانبه دبابة، أما الإعلام فهناك في أروقة الصهيونية العالمية تُرسم السياسة، فاليوم يريدون فتنة طائفية أو جدلا سياسيا أو تمويها وتلميعا أو شيطنة، كلها تشتيت والثابت هو السيطرة.

يستخدمون هذه السياسة لترسيخ احتلال وجعله ثوابت كالجولان والقدس وجنوب لبنان والضفة الغربية، الخط الأصفر يتلوه أصفر في جغرافيا جديدة ومجلس السلام يتوسع صلاحية وعنوانا وأيضا ميزانية، وأما ما يريدونه هو أن يقتنع العالم بأن هناك سلام" أمن إسرائيل"، ولكن يتم بذل جهد كبير لترسيخه.

انقلاب السحر

مؤخرا في المواجهة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية أضيفت على تراكم الفضيحة وتهاوي الردع معادلات استراتيجية ترسخت رويدا رويدا في العالم سواء منذ جائحة كورونا أو بالحرب الروسية الأوكرانية مرورا بالسابع من أكتوبر -الذي كان أبرز محطة وأعمق حدث غيّر جميع المسارات- وصولا لحرب التجارة وليس انتهاء بالمواجهة الحالية.

كلها محطات جعلت بل أجبرت أمريكا على تغيير جذري في السياسات لصالح تثبيت الأهداف، ولكن الاستنزاف يتصاعد، وفشلُ إنشاء تحالف دولي ضد إيران ارتداداته سلبية، وعدم حسم المعركة في كل الجبهات زاد تعقيدا للمشهد، وهذا كله مقومات نسف لما تبنته أمريكا "السلام من خلال القوة".

بين حرب الميدان التي تخسر فيها أمريكا الهيبة، وبين سلام الطاولة والإعلام وقع المحظور؛ وهو انهيار تدريجي للاقتصاد العالمي، وهذا يعد مقتلة العالم وعلامة فشل لضبط الإيقاع الذي مارسته أمريكا لعقود للسيطرة والتحكم.

سياسة تتكسر وتحصر خيارات أمريكا إما بحرب أعنف لاستعادة الهيبة أو بقبول الواقع لأجل حماية الاقتصاد الدولي، وهذا من شأنه أن يضعفها لاحقا في ملفات أوكرانيا أمام روسيا، وتايوان أمام الصين، وسوريا أمام تركيا، والخاسر بعد أن كان الرابح من شن الحروب هو إسرائيل إذا ما ذهبت أمريكا للهدوء.

ولأن "ملفات إبستين" حاضرة وغرور أمريكا متوفر ورغبة نتنياهو التوسعية تتصاعد؛ فلن يبقى لشعار سلام الطاولة مكان للاستهلاك، وهذا يعني أن استنزافا وصراعات ومواجهات جديدة ستحدث لفرض أمر واقع بات الكل يتجهز له بعد أن كانت أمريكا هي الطرف الجاهز الوحيد.

#حرب #ترامب
google.com, pub-8563461161168276, DIRECT, f08c47fec0942fa0