في مايو 2024، حين بدأت فكرة "التعليم الإلكتروني" تلوح في أفق غزة المكلومة، لم أكن في قاعة محاضرات مريحة، بل كنتُ رهينةً بين الركام لجنود الاحتلال وأمام فوهة دبابة!
كنت في بيتنا شبه المدمر أسفل «تل الزعتر» شمالي قطاع غزة. عندما اصطفت دبابة خلف بابنا تماماً، ليزلزل محركها قلوبنا وجدران المكان المتشققة.
نادوا علينا للخروج مهدِّدِين، فكنتُ أنا من يحمل الراية البيضاء ويفتح الباب لمواجهة أكثر من 15 جندياً يوجهون فوهات بنادقهم نحوي.
في تلك اللحظة، وسط صراخهم العبري الذي لم أفهمه، لم أشعر بالانكسار أو الخوف بقدر ما شعرت بعبثية القوة، بل تساءلتُ داخلي: "هل تربككم فتاة عزلاء إلى هذا الحد؟".
تم احتجازنا أنا وأسرتي «كرهائن»، واستُخدم أخي ذو الخمسة عشر ربيعاً درعاً بشرياً.. كانت رائحة البارود تحكم قبضتها على المكان.. الدبابة تتقدم وتتأخر محاولة إخافتنا، الجنود يستعرضون أسلحتهم في محاولة بائسة لإثبات وجودهم..، لم أكن مجرد رهينة بل كنت اختزالاً مكثّفاً لحلم الفلسطيني، ومن أعجب العجب أن ضعفي يخيفكم، وبجبروتكم أسخر منكم في داخلي.. هذه أنا! إن نجوت منكم فلن تنجوا من قلمي وأملي وعلمي.
نجونا بأعجوبة ولله الحمد، ومن رحم ذلك الموت المحقق وُلدتُ من جديد، وبات لديّ قناعة مطلقة:«سأكمل دراسة الطب مهما كلفتني"تذكرة العبور".» لم يكن مجرد طموح عابر، بل كان رداً على محاولات محوِ وجودنا.
بعدها أتممتُ سنتين دراسيتين خلال حرب الإبادة هذه، حملت خلالهما همّ الدراسة معي في حقيبة النزوح، وحاولت إضفاء بعض الألوان على حياتي الدراسية الرمادية أو ربما الدموية-لست أدري-، عاندت الألم والرعب، عِناد بحّار لـ" رياح الشمال" أملاً في الوصول إلى ذلك الجزء الأسطوري من العالم.
أنهيت سنين الدراسة الأساسية الثلاث، ووصلت إلى تلك المحطة التي بدت في إحدى اللحظات المأساوية أبعد من "إرمِ ذاتِ العماد"، وقد كان ذلك بفضل الله ورحمته. لأكمل ذلك الدرب الذي لم يُقدّر لزميلاتي وزملائي الشهداء إكماله، يوم إذ قتل عدو لا يرحم أحلامهم بلحظة.
اليوم، أسكن في خيمة لم تكن لتتسع لآمالي الممتدة أو حتى جروحي النازفة.. لا تقي حراً ولا برداً، بعيداً عن بيتي المدمر عشرات الكيلومترات. أسير مسافات طويلة لأجد إشارة إنترنت، وأكافح لتوفير تكلفة شحن حاسوبي المحمول.. أشعر ببعض اللحظات أنني لن أصمد أكثر.. ولكنني أُصدم في النهاية بقدرتي على الصبر التي منحني إياها المولى عزوجل.
ورغم ضبابية الأيام وقسوتها لم أفقد "الرداء الأبيض". إن إصراري على إكمال الطب ليس مجرد مسيرة أكاديمية، بل هو وفاءٌ لدماء أمي وأخواتي، وعهدٌ بأن أكون اليد التي تداوي جراح شعبٍ رُفض له حق الحياة. أنا لا أدرس لأنجح فقط، أنا أدرس لأبقى، ولأثبت أن إرادة الشفاء أقوى من آلة الدمار.



