خاص قدس الإخبارية: علمت شبكة قدس الإخبارية من مصادر فصائلية أن حركة فتح شرعت في سلسلة حوارات مع فصائل منظمة التحرير، تمهيدًا لعقد لقاءات لاحقة مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، في إطار "حوار وطني يمهّد لاجتماع على مستوى الأمناء العامين لمناقشة سبل مواجهة التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، لا سيما في الضفة الغربية". غير أن المصادر نفسها كشفت عن دوافع أعمق تقف وراء هذا التحرّك.
وبحسب تلك المصادر، فإن جملة من العوامل دفعت حركة فتح إلى التوجّه نحو إطلاق حوار وطني على مستوى الفصائل، يتقدّمها ما وصفته بـ"حالة العزلة التي يشعر بها الرئيس محمود عباس، رغم التنازلات التي قدّمها في سياق ما يُسمّى الإصلاحات".
وتصدّرت قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت)، بدعم من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، قائمة الدوافع. وتشمل هذه القرارات تعميق الاستيطان عبر إلغاء القيود على شراء الأراضي في الضفة الغربية من خلال تسهيل بيعها للمستوطنين، ورفع السرية عن سجلات الأراضي الخاصة بالفلسطينيين، إضافة إلى سحب الصلاحيات الفلسطينية في الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم. وبحسب المصادر، فإن هذه الإجراءات تعني عمليًا تقليص دور السلطة الفلسطينية إلى مستوى لا يتجاوز صلاحيات بلدية.
وإلى جانب ذلك، برز تهميش السلطة الفلسطينية في ما يتعلق بالوضع القائم في قطاع غزة، الذي يتجه ليكون تحت إدارة "اللجنة الوطنية لإدارة القطاع" برئاسة علي شعث، كأحد أبرز أسباب شعور الرئيس عباس بالعزلة، نتيجة عدم إشراك السلطة في عملية اتخاذ القرار. ويأتي ذلك بعد أن رفضت السلطة، في منتصف يناير الماضي، الدعوات المصرية للمشاركة في لقاءات فصائلية هدفت إلى التوافق على رؤية موحّدة بشأن دور اللجنة. كما رُفض طلبها أن يتولى وزير فلسطيني رئاسة اللجنة، وكذلك رفض طلب السلطة أن يعلن الرئيس عباس أسماء أعضائها، فيما زادت المخاوف من تكرار نموذج "لجنة إدارة غزة" في الضفة بدلًا من السلطة..
أما العامل الثالث، وفق المصادر، فيتمثل في استمرار إسرائيل باحتجاز أموال المقاصة، رغم الوعود الأوروبية بالضغط للإفراج عن المستحقات المتراكمة، التي تُقدّر بنحو 13 مليار شيكل. ونقل أحد المصادر قوله: "السلطة الفلسطينية التزمت بالشروط الأوروبية في ملفات التعليم، والتوظيف، والرقابة على الحسابات المصرفية، ومخصّصات الأسرى والشهداء والجرحى، كما أحالت عشرات الضباط في الأجهزة الأمنية إلى التقاعد، بل وفرضت شروطًا إضافية على الانتخابات المحلية. ومع ذلك، لم تحصل على شيكل واحد من أموال الضرائب التي يسيطر عليها سموتريتش".
وفي ضوء هذه المعطيات، تشير المصادر إلى أن الرئيس عباس عاد إلى الخيار الذي يلجأ إليه كلما تعقّدت علاقاته مع الأطراف الإقليمية، والمتمثل في فتح قنوات حوار مع الفصائل، خصوصًا غير المنضوية تحت مظلته السياسية.
وأفادت المصادر بأن حركة فتح أبلغت السلطات المصرية ببدء عقد لقاءات فصائلية تمهيدًا للوصول إلى اجتماع وطني موسّع. واستُهلّت هذه اللقاءات بحوار مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حيث عقد الطرفان اجتماعين أواخر الأسبوع الماضي، صدر في ختامه بيان مشترك. وقدّمت الجبهة الشعبية خلال اللقاء مجموعة عناوين تحدّد أسس أي حوار وطني يتعلق بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ومنظمة التحرير، وأدوات مواجهة الاحتلال ضمن رؤية وطنية موحّدة، على أن تقدّم حركة فتح ردودًا واضحة في الأيام المقبلة.
وفي سياق متصل، عقدت الجبهة الشعبية لقاءً مع قيادة حركة حماس، وضعتها خلاله في صورة نتائج اجتماعها مع حركة فتح. وأبدت حركة حماس تأييدها لمبدأ الحوار الوطني، انطلاقًا من قاعدة "مواجهة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة، ضمن رؤية وطنية موحّدة".
كما كشفت المصادر أن وفد حركة فتح، برئاسة عضو لجنتها المركزية وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عزّام الأحمد، وعضوية روحي فتّوح وسمير الرفاعي، من المقرّر أن يعود إلى القاهرة خلال الأسبوع الجاري للقاء قيادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين برئاسة الأمين العام فهد سليمان. ومن المنتظر أن يعقب ذلك، بعد أسابيع قليلة، لقاء آخر يضم الجبهتين الشعبية والديمقراطية، تمهيدًا لاجتماع أوسع يشمل فصائل منظمة التحرير، قبل الانتقال إلى حوارات مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وصولًا إلى اجتماع على مستوى الأمناء العامين، وفق الجدول الذي وضعته حركة فتح.
ورأى أحد مصادر شبكة قدس أن الرئيس عباس يسعى من خلال هذه اللقاءات إلى تخفيف حدّة الرفض الفصائلي للقرارات التي أصدرها مؤخرًا، ولا سيما المتعلقة بما يُعرف بـ"الدستور الفلسطيني الجديد"، وانتخابات المجلس الوطني، وانتخابات الهيئات المحلية، ومخصّصات الأسرى والشهداء والجرحى.
وأضاف أن وفد حركة فتح يقدّم خلال اللقاءات وعودًا بأن هذه الملفات قيد المعالجة، في محاولة لاحتواء ردود الفعل المعارضة.
وفي ختام حديثها، عبّرت المصادر عن غياب التفاؤل إزاء فرص نجاح هذا المسار الحواري، معتبرة أن المعطيات القائمة لا توحي بإمكانية تحقيق اختراق حقيقي في المدى المنظور.



